كانت مدينة كوليار تبعد خمسة عشر دقيقة عن المحطة الرئيسية لستوفاد، لذا يعد التنقل في القطار سهلا وسريعا.

على المقاعد، جلست أماندا سواريز.. عادة تقرأ كتابا تحضره معها لتشغل وقتها، لكنها لم تبدو في المزاج للقراءة هذه المرة. في المقعد المقابل منها، جلس صبي في الثانية عشر أو ما يقرب ذلك من عمر. تطلع الصبي من النافذة، وحدق إلى ما لا نهاية في المناظر المستمرة، عيناه تميلان إلى أقصى حد حتى تنغمس في كل مشهد تحاولان التقاطه.

كان الصبي هو آرثر مارس، إبن ليلى مارس.

أخذته أماندا تحت رعايتها في الوقت الحالي نظرا للظروف. في اليوم السابق، ماتت أمه، وحين بحثت أماندا في الأمر، اتضح أنه لا يملك أي أقرباء عدا والده الذي قامت ليلى بأوامر تقييدية ضده بسبب العنف الأسري.

استذكرت أماندا مجريات الليلة الفائتة.. عندما وجدت آرثر يتأوه ويبكي من الألم في زاوية مظلمة.. إضافة إلى الوقت الذي أعادت فيه تفحص غرفة العملية الجراحية. لأنها عثرت على جرة الفابرد سيلفيا فارغة، وجدت أماندا الشكوك تحوم حول رأسها وهي تسأل نفسها: هل أتمت ليلى مارس العملية ونجحت؟ أم أن الأمر أفضل من أن يكون حقيقة، وهي فقط مسألة وقت قبل أن تكشف الآثار المترتبة عن نفسها؟

شارع كولفر، المبنى 483 .

لم يكن المبنى الذي تقيم به أماندا فاخرا، لكنه كان يفي بغرضه، لا سيما وأن أجره المناسب رافق حصول كل مقيم على غرفة تشبه المخزن، صُممت خصيصا لخدمة المقيمين على المدى الطويل.

لفت أماندا المفتاح الذي أدخلته وفتحت القفل.. دفعت الباب بكتفها لأن يديها كانت مشغولة بحمل صندوق الأغراض التي تم شحنه في ذات اليوم من محل السيد إيسكالانتي هوبر. أنارت أماندا المصابيح وتركت حدا للظلمة الغالبة.

قالت لآرثر الذي دخل خلفها:《استرح.. تصرف وكأنك في منزلك》.

نظر آرثر للبيئة الجديدة حواليه بصمت، ومسح كل شيء وقعت عينه عليه. عادت أماندا تقول:《هل أنت جائع؟ يمكنني تحضير شيء نأكله》.

أمتلك آرثر شعرا أسود مرتب، وعيون سوداء مستديرة لامعة تشبه عيون الغزال. أجابها متمتما:《كرات اللحم بالعجين》.

كانت أماندا أبعد من أن تسمع صوته المنخفض بوضوح، لكنها استطاعت التقاط كلمتين وقالت:《تحب كرات اللحم إذن.. أستطيع تحضير هذا، لكنه سوف يستغرق بعض الوقت، هل تمانع الانتظار؟》.

فتح آرثر فمه لتصحيح خطأه، لكنه قال عوضا:《على الإطلاق》.

بعد فترة.. جلس الاثنان على طاولة الطعام. كان أمام كل منهما طبق من كرات اللحم.. غارقة في الصلصة الحمراء الشهية. وكانت أماندا قد حررت شعرها الطويل في جديلة للراحة بدلا من الكعكة المشدودة.

حاول آرثر تجاهل نظرات أماندا المتشوقة لمعرفة رأيه وهو يضع أول قضمة في فمه.. منقعا بالصلصة الغنية بالعصارة، ذاق آرثر نكهة اللحم وشعر بالسعادة على عدم تصحيح أماندا بشأن هذه الوجبة.

سألت أماندا:《كيف هو؟》.

قبل أن تسنح له فرصة الإجابة، استوعب فم آرثر طعما آخر.. حرارة شديدة وكأن لسانه يحترق. لم يكن إلا عندما أخذ يلهث.. تذكرت أماندا أنها وضعت مقدارا لا يستهان به من فلفل ذيل السلمندر. قالت وهي تقف مسرعة لإحضار كأس من الحليب بدلا من عصير البرتقال الذي على الطاولة:《تبا.. نسيت أن أسألك إن كنت تفضل الفلفل أو بدونه.. لا، بل ما كان يجب أن أضعه من الأساس، أنا آسفة.. تفضل اشرب》. طبعا فهي لم تجرأ على التلفظ بكلمة نابية أمام طفل، وشتمت في قلبها.

وسلمته العصير الذي أخذ يشربه في جرعة كبيرة أملا في هزيمة طعم فلفل ذيل السلمندر الذي انتشر في جسمه حتى الدرجة التي جعلته يتعرق.

تم استبدال وجبة كرات اللحم الخاصة بـ آرثر بصحن من حبوب الإفطار التي اختار أكلها مع الحليب، ورغم أن أماندا عرضت أن تعد له وجبة أخرى، إلا أنه بدأ في الأكل على أية حال، وكأنها وجبته المفضلة.

عادت أماندا تقول بموقف بدا مثل محاولة للاعتذار عما سبق:《إذن يا آرثر.. هل تحب ألعاب الفيديو؟》.

توقفت ملعقة آرثر في الهواء.. حدق في أماندا بصمت بأعين مستديرة حتى شعرت أنها قالت أمرا خاطئا أو أن هناك وسخا على وجهها، لكنه أومأ بالإيجاب فجأة واراحها.. تابعت قائلة بموقف أقل لينا من سابقه:《لدي جهاز سونيك قديم اعتدت على اللعب فيه، أتود تجربته؟ غالبا بطاريته فارغة الآن لذا يجب علّي شحنه أولا》.

في وقت لاحق، خلد آرثر للنوم وشعرت أماندا وكأنها أخيرا في وقت الفراغ بدوام عملها.. لم تماطل في التفكير بشعورها أو تشغل بالها بأي شيء آخر.. لأن الفرصة أتت لفعل ما انتظرته.

امتلك المبنى الذي تقيم فيه أماندا ما يشبه المسلك الحامي من المطر على جوانبه الاثنين، وكان يقود لداخل المبنى أيضا. عندما خرجت من الباب الرئيسي، توجهت للذي على يسارها.. لم يوجد باب يوصد الدهليز.. فقط جدرانه التي قادت الدرب بشكل ملتوي.

وقفت الحيطان عائقا أمام أضواء الشمس والقمر، لذا عمل المصباح الأصفر المعلق بالحائط كبديل.. يحاول بجهد إنارة البقع المظلمة لتمهيد طريق العابرين مثل اليراعات المضيئة.

مع أول باب على يسارها، استخدمت أماندا المفتاح كوسيلة للدخول. كانت الغرفة التي دخلتها متوسطة الحجم.. مليئة بأغراض غامضة في كل ركن.. رغم هذا، فعادة أماندا في التنظيم لم تفشل في المواكبة وجعلت الغرفة بحالة أكثر قابلية للاستخدام.

واخترقت رائحة اصيصات النبات القريبة أنف أماندا، وهي تلقي نظرة على حوض الأسماك خاصتها.. حيث رأت سمكتان ذهبيتان يسبحون برشاقة هنا وهناك. قريبا من حوض الأسماك كانت ساعة رملية جميلة المظهر منتصبة، ورمالها تنسكب للأسفل نصف ممتلئة.. عنى هذا أن وقت إطعام الأسماك مجددا لم يحن، وأن فينسنت نفذ طلبها باطعامهم بينما هي خارج المدينة.

أحضرت أماندا حراشف التنين الداكنة كالحبر، وجاء الوقت لإخراج الشيء الذي جعلها تقطع هذه الرحلة- الفانوس الذي يحوي روح بوهيموس النار.

نظرت أماندا في المكان الذي تركت الفانوس فيه بتمعن ولم تجده، لذا تفحصت حول المكان، أيضا بلا فائدة، لم تجد أثرا له. بدأ الشك يتسلل إليها وهي تفكر في غرابة الأمر؛ لأنها متأكدة أنه يجب أن يكون هنا.

ازداد ارتياب أماندا أكثر مع كل دقيقة لم تجد فيها الفانوس. هل أتى داتش وأخذه من غير علمها؟ هذا ليس مرجحا؛ لأنها أعلمته مسبقا أن الفانوس يعد وعاء ضعيف وغير مكتمل بدون إضافة حراشف التنين إليه، وهذا الذي دفعها إلى الذهاب لجلبه من الأساس.

تسارع عقلها قبل أن يقفز لاستنتاج آخر فجأة، إنه الخيار الوحيد المتبقي الذي تستطيع التفكير فيه. استدارت تجاه حوض الأسماك مع تعبير غريب، وهمست بحلق جاف:《فينسنت》.

في المعمل بمنزل فينسنت، أعلن هاتف فينسنت عن اتصال وارد بنغمة موسيقية جميلة. الرنين الأول قوبل بغض البصر حتى سكت، أما الثاني فاستمر نصف دقيقة قبل أن ينتبه له أحدهم.

فتح نويل كوّة السقف ليرى فينسنت مضجعا، لم يكن متأكدا إن كان نائما أم لا، لذا نادى:《هااي فينسنت، هل أنت نائم؟ أماندا تتصل》.

كان نويل مستعدا للرد في حال عدم تلقي إجابة، لكن فينسنت أعرب عن كونه مستيقظا برفع يده عاليا. لم يحتج ليقول كلمة، إذ فهم نويل مراده وألقى بالهاتف في راحة يده.

تلك اللحظة، توقفت الموسيقى الجميلة عن العزف قبل أن يتسنى لفينسنت الرد، نظر في الشاشة وقرأ:

مكالمتين فائتتين من أماندا سواريز

.

رأى نويل فينسنت يضع الهاتف جانبا، فسأل:《ألن تعاود الاتصال؟》.

قال فينسنت وما زال لم يستدر:《الأمر متأخر جدا.. ما فات قد فات، ولا فائدة من النظر للخلف. كما أنها سوف تشرفنا بحضورها قريبا، لذا لا يهم حقا》.

لم يكترث نويل لفعلة فينسنت كثيرا، رغم أنه وجدها مزعجة أكثر عند التفكير أن طريقة تعامل فينسنت هذه من المرجح أن تكون تنطبق عليه هو أيضا. من يعلم كم اتصالا منه تجاهله فينسنت سابقا.

لوّح فينسنت يده قائلا:《نحن لم نخض هذه المحادثة أبدا》.

هز نويل رأسه وتنهد:《أناس متخلفين》.

تهب الرياح جالبة معها صوت وقع أقدام مرتفع. محتدمة بأفكارها الخاصة، لم تلبث أماندا حتى دفعت باب منزل فينسنت مفتوحا ودخلت.

كان جو المكان ينعم بالسكينة، إلا أن قدومها صبغ الجو العام بحرارة غضبها، تنادي جهرا بإسم فينسنت مرارا وتكرارا.

فور أن وقع بصرها عليه، لم تبالي لكونه نائما، على حد ما تعرفه، فهو قد يكون يدعي فقط. انقضّت أماندا وهي تصرخ:《فينسنت، أنت أخذته، أليس كذلك؟ لقد طلبت منك إطعام الأسماك بينما أنا راحلة، وإذا بك تأخذ الشيء الوحيد الذي لا يجب عليك لمسه》.

تحرك فينسنت لأول مرة ونظر في أماندا القريبة منه كأنه ينظر لمرآة بعد الاستيقاظ، خامد وغير مدرك لما حوله. بينما انتظرته ليعطي مرافعته، مدّ يده ونقر وجهها بإصبعه وقال:《أهذا حلم واعي؟》

صفعت أماندا يده بعيدا، وإذا به تحدث:《استرخي يا أماندا، فأيا كان ما تتكلمين عنه، هل يستحق حقا كل هذا الصراخ؟》.

ردت أماندا في غضون لحظة:《أجل! بالإضافة إلى أنه ليس ملكي، وهذا يجعل الأمر أسوأ. والآن.. لأجل السماء يا فينسنت، هلّا أخبرتني أرجوك ما إذا كنت أخذت فانوس روح النار من محلي أم لا》.

وكأنه يحاول إخراج أسوأ ما فيها، تثاءب فينسنت بكل أريحية قبل أن يحرر كلمات تفتقر للعاطفة:《تقنيا، أنا استعرته، تأكدي من تدوين هذا》.

《لا أظنك تعرف معنى هذه الكلمة حتى!》شعرت أماندا أنها تريد خنقه، لكنها فركت صدغيها كأنها تعاني من صداع.. أخذت شهيقا طويلا وقالت:《حسنا حسنا.. فقط.. فقط أعده قبل أن يقع الأسوأ》.

مالم تعلمه أماندا هو أن الأسوأ قد وقع بالفعل، وهي لم تملك فكرة حتى قال فينسنت:《على الرغم من بساطة طلبك، إلا أني لا أستطيع فعل هذا》.

أماندا:《هاا، م..ما الذي تعنيه بلا تستطيع؟》.

قال فينسنت:《لأنه - وأنا استخدم أفضل كلمة للصياغة حين أقول - تحطم》.

《مهلا مهلا مهلا مهلا مهلا》بدا كأن الزمن في عقلها تجمد على كلمة واحدة، لذا طرحت أماندا في شك ملفوف بخيط من الأمل الزائف:《أرجوك أخبرني أني سمعت بشكل خاطئ. هل قلت للتو أن.. الفانوس.. تحطم؟》.

لم ترد أماندا التفكير في مصداقية هذا الاحتمال، لكن فينسنت صدمها قائلا:《بالفعل》.

خلف أماندا، حطّ نويل على الأرض بعد القفز من خلال كوّة السقف. قال:《لا عجب أن الضجة تصل للأعلى.. أنتِ هنا》.

لم تكن أماندا واثقة ماذا سترد على كلمات نويل التي تبدو وقحة نوعا ما، لكنها على الأقل اعتبرته الشخص العاقل مقارنة بفينسنت، وخصوصا أن هذا الأخير يتصرف باستهتار وكأنه طائر يغرد خارج السرب. وحين استدارت تغيرت نظرتها مع انتباهها لأمر مفقود.. جاءت هنا برفقة آرثر، لذا أين هو؟ كان من المفترض أن يكون خلفها مباشرة، لكن كيف لأماندا التي تركت المشاعر تُشوشها أن تبقي عينا عليه؟

لم تتكبد عناء توضيح الأمر للاثنين معها وراحت تبحث في حجرة بعد الأخرى وهي تنادي بإسم آرثر.

《آرثر، ها أنت ذا》لم يكن منزل فينسنت بالكبير، لذا عثرت أماندا عليه في ثوان معدودة في الغرفة البيضاء، جالسا قرب الباب ورجليه تضمان حضنه. في تعبيره شكلٌ من أشكال عدم الراحة، تعبير ثقيل يمثل الخوف بنسبة ما.

رغم أن قلقها بدا صادقا، إلا أنه تم تشتيته بالمنظر على يسارها.. شخص طريح الفراش، يمكن القول أن حالته سيئة فقط بنظرة واحدة.

أخذت أماندا تقترب من إلياس الغير واعي، عندما دخل فينسنت ونويل. قال الأخير:《هي يمكنها الدخول وأنا لا؟ هل العدوى نائمة أم ماذا؟》.

رغم تركيزه على أماندا، لم يتورع فينسنت عن الرد:《لأني أعدت وضع الضمادات، أيضا منذ متى وأنت تشعر بالغيرة؟》.

قال نويل:《منذ متى وأنت لا تشعر بأي شيء؟》.

نظر فينسنت لنويل من زاوية عينه وإذا بأعينهم تلاقت. لم يتفاخر نويل علنا، لكنه ملك نظرة رضا كمن أحرز نقطة في جدال.

تأملت أماندا جسد إلياس المحترق المغطى بالضمادات البيضاء، ولم يطرف لها جفن. لم تبدو مهتمة في السؤال عما حدث أو كيف حدث في الوقت الراهن، فقط فكرة واحدة استقرت في خلدها… استدارت ونظرت في فينسنت بعيون جاحظة.

برزت أسنان فينسنت صانعة تعبيرا يصعب وصفه.. يستعد نفسيا، عالما أن ما توشك أماندا على فعله هو القشة التي سوف تقصم ظهر البعير.

لم تلحظ أماندا التغيير في تعبيره، فقد أعادت بصرها لإلياس. انزلقت يدها نحو جيب عبائتها بفكرة عابرة، لكن سرعان ما أخرجت جرسا. لمع الجرس بلون ذهبي، لكن ما كان غاية في الغرابة حقا.. أنه لم يحتوي على كرة معدنية بداخله، أي أنه مهما هززته وحركته فلن يحدث صوتا.

أمسكت أماندا بالجرس من الخيط على قمته، وقربته لجسد إلياس. في أعقاب اللحظة المنتظرة، بدأ الجرس الصغير بالاهتزاز وكأن رياح غير مرئية تدفعه.

رينغ. رينغ.

تجلجل الجرس إثر قوة مجهولة، لكن أماندا عرفت أن هذه علامة على وجود هالة روحية قوية في جسد إلياس. كانت وظيفة الجرس هي رصد الأرواح ذات الكثافة العالية بعد كل شيء، ولا يمكن لروح بشري عادي التأثير عليه كفاية ليتحرك.

التفت أماندا للخلف وعلى وجهها تعبير غاضب لم يسبق لنويل أن رآه عليها من قبل، وكأنها بركان على وشك الاندلاع. همست، لكن همسها كان مسموعا بوضوح:《هل تحاول دفعي للجنون؟》.

لو كان أحد آخر، لعلم أن التزام الصمت أفضل، لكن ليس فينسنت.. الذي قال:《إن كان جوابي يعني أي شيء، فهو لا》.

《أنا لا أصدقك!》غضب أماندا تخمر حتى لم تعد قادرة على كظمه، دنت لفينسنت وهي تقول:《هل تحاول إدخالي إلى مصحة نفسية؟! أنظر ما الذي فعلته. كيف يمكنك أخذ الفانوس فقط هكذا.. إنه ليس أكثر من وعاء ضعيف وأنا أحاول حبس روح كروح بوهيموس بداخله، لك أن تتخيل هذا. لا أحد يجب أن يعبث مع قوة غير مستقرة!》.

بدا فينسنت مستعدا للدفاع عن نفسه وتبرير فعلته، لكن كل شيء يخرج من فمه يتم صياغته بأسوأ طريقة ممكنة ويطلق العنان لسخط أماندا. قال:《دفاعا عن نفسي فأنا أقول: أنا لم أفعلها. نويل يمكنه أن يكون شاهدا لي》.

مدت أماندا يدها رغبة في خنق فينسنت ثم التوالي عليه باللكمات، لكنها صرت أسنانها وقاومت هذه الرغبة الملحة.. ومن حُسن حظ فينسنت أنه في اللحظة التالية أصدر نويل (العابس من محاولة إلقاءه في الفوضى) صوتا يشبه الغمغمة وسلب انتباههم.. كما أشار بذقنه نحو زاوية ما باشتباه.

نظر الاثنان - الذين أوشك أحدهم على قتل الآخر للتو - آنيا، وإذا بهم رأوا ولدا جالسا في حالة تقوقع، يحضن رجليه بينما يغرس يده في أذنه لردع ضوضاء العالم حوله. حينها، غرقت أماندا في شعور بالذنب؛ كما استوعبت أن سبب اختباء آرثر هنا لأنه خائف، من يعلم بأمر والده والعنف الذي شهده فحتما أول تخمين قد يخطر على باله هو أن آرثر حساس تجاه أي أمر قد يذكره بماضيه.

أخذت أماندا شهيقا وزفيرا لتهدئة نفسها، واستغرق منها قرابة دقيقة لفعل الأمر البديهي، متناسية أمر فينسنت. تغير موقفها بقدر ما استطاعت سبيلا في طمأنة آرثر. بينما فعلت هذا، وقف الإثنان خلفها متفرجين، إلا أن فينسنت لم يكظم رغبته في التعليق طويلا وقال وهو يلكز نويل بمرفقه:《كن صريحا يا نويل، ألا يذكرك هذا المشهد بأحد تلك الأفلام الدراماتيكية؟》.

لم ينوي نويل المشاركة في نقاش تافه مع فينسنت، خصوصا هذه اللحظة، حيث تلقى هذا الأخير خزرة متأججة من أماندا. فتح فينسنت فمه على وشك الكلام، عندما قاطعته:《أخرج!》.

بسط فينسنت ذراعه نحو الباب وقال:《من بعدك》.

شتم نويل داخليا فينسنت الذي يحاول جرّه خارج المسألة، لكنه غادر بلا جدال.. وحذا حذوه فينسنت.

2022/04/01 · 74 مشاهدة · 2218 كلمة
نويترا
نادي الروايات - 2026