في الغرفة البيضاء، تم ترك أماندا وآرثر لوحدهم، هذا إن لم نحسب إلياس طريح الفراش في الصورة. ركعت أماندا على ركبة واحدة وأصبحت أقرب ما يمكنها لآرثر. رغم أن عينيه مفتوحين، إلا أنه رفض رفعهما عن الأرض.
قالت أماندا برأفة:《آرثر، أنظر لي، كل شيء سيكون على ما يرام》.
تحدث آرثر وشعور بالألم يعتصر قلبه:《أمي.. هل رحلت أمي حقا؟》.
لم يكن آرثر يناشد أمه، بل كان قد تقبل الواقع المفجع. بدا كأن عينيه على وشك أن تفيضان بالدموع، لكن وعلى نحو مفاجئ لم يحدث. حين كان في عمر السادسة أمتلك كلبا صغيرا، عندما توفي هذا الكلب، استمرت والدته بإخباره أن الكلب ذهب إلى مكان أفضل، ترسخت هذه الفكرة في ذهن آرثر حتى هذه اللحظة، لم يستطع نسيان العبارة التي ظلت ليلى تكررها: جميعنا سوف نموت يوم ما، وأنا لن أظل معك للأبد.
رغم أن هذه الكلمات أثارت آرثر وقتها، إلا أن الزمن غسل مشاعره الفياضة نحو معتقد- هناك خلاص في الموت.
بهذا، واصل آرثر:《هل هي في مكان أفضل الآن؟》.
تنهدت أماندا بأسى وقالت متمنية:《أجل، يتحتم أن تكون》.
في غرفة الجلوس.
سأل نويل:《من تعتقد أن هذا الولد يكون؟》.
كان فينسنت قد جلس على عكس نويل، حيث قال عرضيا:《إنه إبن أختها شيري. حتى أنها جلبته هنا، أتظن أنها تعتني به مؤقتا؟》.
صياغة فينسنت أعطت نويل - الذي ظن أن كلاهما في نفس الحالة - الانطباع بأنه لا يكذب. قال:《تسألني أنا؟ لم أعلم أنها تملك أختا حتى توا》.
لم يستمر حوار الاثنان أكثر من هذا، حيث أن لحظة دخول أماندا المنتظرة قد جائت. قالت باقتضاب:《نويل، أحتاج أن أتكلم مع فينسنت لوحدي، هلّا أخذت آرثر للطابق العلوي من فضلك》.
لم يصدر نويل أية رد فعل لثوان حتى بدا وكأنه على وشك الرفض، لكنه خرج دون إلقاء نظرة للخلف. تبعه آرثر بخطوات بطيئة.
قال فينسنت:《أشعر أننا تخطينا بعض المقدمات》.
حطّت نظرة أماندا المشتعلة بهدوء على فينسنت، لكنها جلست قبل أن ترد:《والدته توفيت لذا اعتني به في الوقت الراهن، كنت لأقول أن الأمر مؤقت لكني لا أملك أي فكرة إلى متى سيستمر الوضع》.
فتح فينسنت فمه، ربما ليقدم تعازيه وربما لطرح مزيد من الأسئلة، أيا كان الأمر فـ أماندا قاطعته قائلة:《والآن بعد أن أزحنا هذا عن الطريق، لنتحدث عن ما فعلته》.
فينسنت:《ماذا فعلت أنا؟》.
《لا تفكر بالتغابي معي》حذرت أماندا بحدة،《لنبدأ بمن هو الشاب الشبه ميت الذي لديك بالخلف؟》.
رد فينسنت:《آآه تتحدثين عن إلياس، لم أكن لأقول عنه شبه ميت، حسنا، ربما كان قريب من الموت فعلا—》.
《فينسنت!》قاطعت أماندا حانقة. حينها استسلم فينسنت وأجاب بإيجاز واصفا إلياس بالزبون. أتبعت أماندا بتعبير قاتم:《جرس الروح خاصّتي قد اهتز سابقا. هل روح بوهيموس النار فعلا.. استحوذت عليه؟》.
قال فينسنت وكأنما لا علاقة له بما حدث،《هذا حتما يفسر احتراقه》.
موقفه لم يعجب أماندا، لكن ما أثّر عليها الأكثر هو تأكيد صحة السيناريو الذي لم تتمنى حصوله. بدأت تفرك صدغيها وهي تلعن داخليا وتقول:《سحقا.. سحقا يا فينسنت. لقد فعلتها حقا هذه المرة. تفوقت على نفسك وتجرأت على مساس مالا يجب مساسه. ما التالي؟! القدوم إلي بيتي وتفتيش خزانتي!》.
قال فينسنت متبسما بخفة:《أعتقد أن لديك الفكرة الخاطئة عني》، لكن ابتسامته سرعان ما اختفت تحت نظرة أماندا المشتعلة.
جلست أماندا تغمغم بحسرة بكلمات شبه مسموعة:《هذا خطئي.. لقد سمحت بحدوث أمر كهذا. كان علّي أن أعلم أفضل من هذا》.
داس فينسنت على اللغم بإرادته، ورمى الوقود في النيران، قائلا:《عزيزتي أماندا، لا داعي لأن تعاتبي نفسك. إنه ليس خطأ أي أحد》.
لم يحدث وأن أنهى كلماته وإذا بشيء حلّق نحو رأسه. تفادى فينسنت مكعب روبيك الذي رمته أماندا بالكاد.. وتذبذب تعبيره قليلا، لكنه نجح في الحفاظ على أمارات الهدوء في النهاية.
بالنسبة للاثنين اللذان صعدا للطابق العلوي، نويل وآرثر.
اتخذ كل منهما كرسيا، لكن الصمت وقف كالجدار بينهما. نويل عاد ليفعل ما يفعله وآرثر جلس غارقا في أفكاره ونظراته تلتف من حوله. مد الأخير يده نحو كرة معدنية على الطاولة، وإذا بصوت أوقفه:《لا أنصحك بلمس أي شيء تراه أمامك؛ فآخر شخص عبث هنا تحول إلى قطعة لحم محترقة》.
قال آرثر:《محترقة.. أتعني أنه مات؟》.
"هل بالغت في التشبيه؟" لم يكن نويل واثقا من الرد المناسب لهذا، أو ما إذا كان اختياره السابق للكلمات خاطئا. نظر في آرثر واختار تغيير الموضوع،《إسمك آرثر، صحيح؟ كم عمرك؟》.
قال آرثر:《أنا في الحادية عشر.. امم، لكن سأدخل الثانية عشر الشهر القادم》.
جرت المحادثة بعفوية أثناء طرح نويل:《عرفتُ أماندا لفترة الآن، ولم أكن أعلم أنها تملك إبن أخت مثلك. ما الذي جلبك هنا برفقتها اليوم؟》
كان آرثر في حيرة من أمره لوهلة،《إبن أخت..؟ هل تعنيني أنا؟》.
ثبتت نظرة نويل على آرثر. هل يحتاج حقا إلى الإجابة، أم أن إستيعاب هذا الولد أبطئ مما تصور؟ فكر للحظة قصيرة قبل أن ينتابه حس غريب. سأل بشك وريبة:《هل أماندا تكون خالتك؟》.
هز آرثر رأسه نفيا، وإذا بأول فكرة خطرت في بال نويل هي أن نصف المكينة - فينسنت - قد خدعه. ليست فعلة غريبة منه وليس من اللازم أن يكون فعلها لسبب معين. استغل آرثر الصمت وتكلم:《ما الذي لديك هناك؟ تبدو كـ..》.
《سيارة صغيرة اوتوماتيكية التحكم》أنهى نويل الجملة، لكن بوصف مختلف غالبا.
تابع نويل:《لقد كنت أعمل عليها لفترة الآن، لازال علّي الإنتهاء من نظام دفع العجلات حتى تكون جاهزة للانطلاق. هناك جهاز التحكم أيضا》.
تم تحريك آرثر، حيث قال بعيون مشرقة:《هذا مذهل. أتعني أنك بنيت هذا بنفسك؟ هل يمكنني تجربتها أرجوك؟》.
ترك نويل المديح يعبر فوق رأسه وعبس،《هل سمعت ما قلته للتو؟ إنها ليست مكتملة بعد》.
لم يخب أمل آرثر، بل زاد إلحاحا:《إذن بعد ذلك؟》.
صمت نويل لبرهة ثم هز رأسه بلا مبالاة،《حسنا. ربما المرة القادمة التي تحضر فيها سأكون قد أنتهيت منها》.
…
في موقع البناء المسؤول عنه نورتون.
في الكابينة التي يتم الاحتفاظ فيها بالأغراض والصناديق. دخل هيكتور لإحضار غرض طُلب منه جلبه. كان الباب لم يغلق بعد عندما دفعه أحدهم ودخل خلف هيكتور دون أن يتم ملاحظته.
أخذ هيكتور يفتش عن الصندوق المطلوب، عندما أتى صوت رجل بلا سابق تنبيه بوجوده:《الجو جميل اليوم، أليس كذلك؟》.
التفت هيكتور للرجل وعينيه الغائرتين كشفت عن مفاجأة غير سارة. من الواضح أن ظهور سترايدر نيك أمامه أثّر عليه بطريقة ما، لكن هذا لم يعني شيئا بالنسبة لنيك، الذي لم ينوي الدخول في الموضوع مباشرة، وتابع:《العمل في جو كهذا أفضل من شتاء لاذع تقشعر له الأبدان، ألا توافقني الرأي؟ لكن كما يقولون- إن تعلم النمل الجدال، فلن يجد ما يأكله في الشتاء ولا في الصيف》.
لم يجرؤ هيكتور على الثرثرة و حدّ من كلماته إلى أقصى حد،《أجل.. أفترض》.
استمر نيك:《هل تقامر؟》.
شعر هيكتور أن الرجل أمامه مثل رادار الكذب، إن كذب فسيُكشف. لم يبتلع الطعم. أجبر ابتسامة وقال كل لو كانت محادثة ودية بين زميلي عمل:《الحياة تتطلب. على الجميع إيجاد متنفس لإلهائهم عن نوعية الحياة التي يعيشونها》.
لم يقل الحقيقة، لكنه لم يكذب. إجابة منسقة. هذا ما ظنه هيكتور حتى رافع نيك على كلماته قائلا:《الأمر ذاته بالنسبة للمبلغ الذي خسرته أنت في القمار قبل أيام؟ كم كان؟ أجل، 487 ليستر》.
《م..ما شأنك أنت بهذا، وكيف تعرف عنه؟》ابتدع هيكتور نوعا من الصدمة على محياه، لكن مختلفا عن ما شعر به داخليا.
ما شعر به حقا كان أضعاف مضاعفة عن ما أظهره، لماذا؟ لأنه ببساطة لم يتوقع أن يأتي نيك على ذكر المال الذي خسره في أحد نوادي القمار. ألا يعني هذا أن نيك أقرب مما تصور من إمساكه، وكل هذا بسبب الخطأ الغير متوقع الذي ارتكبه. لم يأخذ في الحسبان أن مسألة سداد دينه قد تكشف أمره.
في هذا الموقف، كان نيك يمثل المفترس الذي ينتظر زلة من فريسته لينقض عليها. بينما هيكتور محصور في الزاوية، فقط محاولة إقناع جديرة هي ما ستجعله يتملص طريقه للخارج. علم أنه تحت الاستجواب بعد كل شيء، لذا تحتم عليه أن يختار كلماته بحذر.
أمام سؤال هيكتور، رد سترايدر نيك بجدية:《على مهلك فأنا من يطرح الأسئلة هنا》.
مع الخوف كمحفز، تصرف هيكتور مثلما قد يفعل أي أحد تجاه سلوك وقح، وقال بعدائية:《هاا، من تعتقد—》.
لم ينهي هيكتور جملته، وإذا بنيك صرخ مقاطعا: 《لا تدعني أكرر كلامي مرتين يا باتورونو هيكتور!》، وسحب فجأة مسدسا تاركا هيكتور يبتلع كلماته.
كانت فوهة المسدس مصوبة نحو الرأس.. تحدق في جبينه بدقة متناهية. كاد هيكتور أن ينكمش من الذعر للحظة، ربما لأن عيني نيك بدت مثل وحش بري مستعد للانقضاض على فريسته وغرس أسنانه وتمزيقه اربا اربا.
أردف نيك بالكلام:《قبل ثلاثة أيام، سرق صبي ما بعض الأموال التي جنيناها من صفقة عمل. ثم تأتي أنت.. باتورونو هيكتور.. تقوم بدفع دين يبلغ قرابة 500 ليستر في دفعة واحدة. صدفة؟ يمكن أن تكون، لكني مستعد للمراهنة على أنها ليست كذلك》.
كان نويل الذي سرق النقود من فوغو وريتشارد، مجرد صبي كما تم إخبار نيك. إن وضعته بين حشد العُمال هنا فلن يستغرق الأمر دقائق حتى يتم تمييزه وملاحظته، إذن لماذا بحث نيك في موقع البناء؟ كان هذا ببساطة لأن نويل استخدم طرد مفخخ بغاز مخدر، وعنى هذا أنه كان مستعدا وقد حضّر لعملية السرقة مسبقا. مما يتركنا مع الشخص الذي أعلمه بأمر السرقة، والذي من المرجح أن يكون أحد العُمال في موقع البناء.
ولكن هل سيبقى مجرم في مسرح جريمته؟ إن كان هذا سوف يجعله أقل شبهة فنعم. لهذا السبب طلب نيك من نورتون قائمة بأسماء العُمال ومن ضمنهم الذين استقالوا.
أحتاج هيكتور إلى جهد كبير لفتح فمه والرد:《لا أعلم ما الذي تود مني قوله.. أيما كان ما تتكلم عنه، فأنا ليس لي أي علاقة به》.
سأل نيك:《هل سوف تراهن على ذلك بحياتك؟》.
لم يعرف هيكتور كيف يجيب.
حاملا مسدسه ذو المظهر الغريب والمميز، قال نيك بثقة لا يمكن التشكيك فيها:《سوف أطلق النار عليك الآن، إذا لم تكن لك علاقة بما جرى فسوف تمر الطلقة من خلالك وتكون بخير. وإن كانت لك أي علاقة.. لنقل فقط أنك ستدفع ثمن أفعالك》.
تحول وجه هيكتور إلى شاحب، بالتأكيد كان جوابه واضحا.. من ذا الذي قد يوافق على طلبٍ مجنون كهذا؟ لكن الأمر أن نيك لم يكن يسأل، ولم يبدو عليه الاكتراث ولو بأقل مقدار. لم يكن هناك خداع في كلامه، ولا تهديدا فارغا؛ لأنه في اللحظة التالية، سحب الزناد بلا مماطلة.
ارتد رأس هيكتور للخلف بفعل الطلقة التي اخترقت جبينه.. لكنها وبشكل غريب، لم تحدث أي ضرر.. في الحقيقة فهي لم تترك أثرا البتة. سرعان ما حصل تغير، برز شكل ما في عين هيكتور الخضراء بطريقة سريالية. كان الرقم "94" .