في المبنى الذي يسكن به نويل.

فُتح باب مصعد الطابق السفلي ورحب بدخول أحدهم، كان نويل. قبل أن يعود الباب لإغلاق نفسه، امتدت يد من الخارج ومنعته في آخر لحظة.

دخل رجل ما ووقف إلى جانب نويل. ألقى الرجل نظرة على وجهة المصعد، ثم سحب بصره بلا فعل شيء. لم يلقي أي منهما التحية، لذا لم يكن غريبا أن الاثنين لم يخوضوا في محادثة أو تبادل كلمات. تحرك المصعد للأعلى واستمر الصمت.

عندها، شعر نويل بأعين الرجل تحدق فيه، واضحة ومعدومة من النية لإخفائها. كانت ثلاث ثوان تجاهل فيها نويل الأمر حتى نال كفايته، واستدار للرجل وقال بنفور:《هل تريد شيئا يا هذا؟》.

لا ردة فعل من جانب الرجل.. حتى رأسه الموجه نحو نويل ظل ثابتا. كان تعبيره باردا إلى أقصى حد، ولم يتعب نفسه بالرد.

تجعد حاجب نويل، كما فُتح باب المصعد أمامه لحظتها. بقي اتصال الأعين قائما لثلاث ثوان أو نحو ذلك، قبل أن يُشيح الرجل بصره أولا نحو خارج الرواق خارج المصعد.

نزل نويل وسار بضع خطوات بعيدا قبل أن يستدير مجددا.. ينظر حيث أخذت أبواب المصعد تغلق على الرجل بداخلها. انعكس الرقم 94 بعين الرجل وهو يشاهد نويل يختفي كليا من ناظريه مع إيصاد الأبواب.

كان في الرواق أربع أبواب، إثنان على كل جانب. نويل الذي لم يشأ دلّ الرجل الغريب على أيها سيدخل، انتظر رؤية المصعد يتحرك لكي يقوم بحركته. لقد اقترب من الباب الثاني على اليمين، وفي باطنه لا زال محترسا مما حدث توا، عندما تجمد فجأة.

كان باب الشقة مكسورا، قفله بالأحرى. كانت هذه سرقة، فهي غير عملية على الإطلاق؛ إذ كان الأمر واضحا وضوح الشمس. لم يتسلل أحدهم خلسة للداخل.. بل صنع طريقه عنوة.

كان نويل يفكر بتصرفه التالي، ألا وهو تجنب الدخول من الباب واستخدام قدرته على اختراق الجدران؛ للتسلل واستطلاع المكان للتأكد من وجود تهديد أو ما غيره، لكن الصوت الذي أتى أحبط نواياه.

《يمكنك الدخول، إنه مفتوح》تردد صوت رجلٍ من الداخل، ومما لا شك فيه، كان يخاطب نويل!

أمتلك نويل الخيار بتجاهل الصوت، وفعل ما شعر أنه أنسب، سواء تنفيذ خطته بغض النظر أو حتى الهروب، لكن وهلة من التفكير البسيط اخمدت هذه الفكرة. أحد أسباب عدم فعله لهذا هو أن الرجل بالداخل توقع حضوره، ورغم ذلك فضح نفسه وتخلى عن ميزته في هجوم مباغت. عنى هذا شيئين، إما أن الرجل واثق من نفسه، أو أنه يملك شيئا ضد نويل. في كلتا الحالتين، لم يكن نويل ينوي الهرب.

دفع الباب مفتوحا، ودخل المنظر بالداخل لعينيه الزرقاوتين. كان هناك رجلين في حالة تناقض صارخ، أو مواقفهم كانت على الأقل. الأول، صاحب المعطف مزدوج جيوب الصدر، كان جالسا على الأريكة بكل أريحية. بينما الآخر، وقف على كرسي قريب، مع حبلٍ تدلى من السقف ولف رقبته بإحكام، كأنه على وشك أن يُشنق.

تعرف نويل على هيكتور، أما بالنسبة للرجل على الأريكة فلا، لكنه لم يكن غبيا. لم يكن هناك حاجة للشرح، بمجرد أن جمع اثنان على اثنان، خرج بأفضل استنتاج قد يفسر سبب وجود سترايدر نيك هنا- تم كشف أمرهم، وهذا الرجل هنا لاستعادة الأموال المسروقة.

بعد أن رفع نويل بصره عن هيكتور، في حالته المثيرة للشفقة، نظر في سترايدر نيك. لم يكن تعبير نيك ساخرا وهو يقول:《ضيف الحفلة قد وصل》.

خطى للداخل نويل على مهل ونظر شزرا - من زاوية عنه - للرجل الذي طلب المشكلة إلى داره، هيكتور. دان سبب معرفة هيكتور بمكان عيش نويل لأنه نفسه اعتاد على السكن هنا قبل أن ينتقل، بل وكأن من أرشد نويل بمنى الإيجار هذا.

لم يضمر نويل الضغينة أو يصرخ مثل طفل أن هيكتور وشى به، لكن في الوقت ذاته، لن يدفن غضبه ويتصرف كأن التسامح هو السلعة الرائجة في السوق.

نظر نويل في نيك، وحاول أن يبدو بأكبر قدر من العفوية عندما قال شيئا كان ليخرج من فم فينسنت غالبا:《أنت تتعدى على الممتلكات بدخولك هنا》.

أجاب نيك كمن سمع طرفة سيئة:《هل هذا صحيح؟》.

《فقط أرجع له المال يا نويل》عند هذه اللحظة، تكلم هيكتور الذي كان صامتا طوال الوقت. كان تعبيره ثقيلا، ويديه مقيدتين خلف ظهره، لكنه تأكد من أن لا يظهر إلحاحا أكثر من اللازم في طلبه؛ لأن قولها كـ نصيحة يبدو أفضل من إظهار نفسه بمظهر الأناني الطامع بحياته.

أكمل نويل كما لو لم تكن هناك أي مقاطعة:《إذن كيف سوف يسير هذا الأمر؟》.

قال نيك:《بسيطة بقدر ما يمكن أن تكون، أعطني المال وسوف أكون في طريقي》.

استجاب نويل بحزم:《وكيف لي أن أثق بكلمتك؟ لا إهانة، ولكني لا أعرفك. كيف أعلم أنك لن تتراجع بعد استلامك للمال》.

قال نيك بنظرة تهديدية:《لا تخطأ الظن بأنك في موقف يسمح لك بتبادل الشروط والهراء! ألا تظنني أستطيع قتلك هنا والآن، وقلب هذه الشقة رأسا على عقب إلى أن أجد المال؟》.

بدا نويل هادئا و يفيض بالثقة، لكنه كان في حالة تأهب سرا،《يمكنك المحاولة، فأنت في كلتا الحالتين لن تعود خالي الوفاض. لنرى.. إن استثنينا المبلغ الذي لدى هيكتور، فمقدار ما لدي يساوي.. دعني أرى، أربعة آلاف ليستر تقريبا》.

ما أراد نويل قوله هو- العثور على الأموال ليس مضمونا بموته، والأسوأ لنيك، أنه بدا مقتنعا بكلماته. واصل نويل:《لأكون واضحا، هذا ليس تهديدا، بل مساومة. تظاهر وكأن شيئا لم يحدث، وحينها يمكنك أخذ الأموال والرحيل. ما قولك؟》.

علم نيك إلى تتجه هذه المحادثة، وهي حاجة نويل إلى ضمان. رد باستعلام:《إذن ما تحاول قوله هو..》.

أنهى نويل الجملة:《أطلق سراح هيكتور》.

مسح نيك وجهه براحة يده ريثما يفكر. أثناء هذا.. نظر في هيكتور متبسما وقال:《حينما سألته عنك، غنّا مثل العصفور، وها أنت ذا تحاول إنقاذه. آهٍ، ما حلاوة الصداقة》.

لم يسمح نويل لنفسه بابتلاع طعم واضح كهذا، مط شفتيه واكتفى بالسكوت.

مرت دقيقة كاملة، عندما أعلن نيك:《أرني النقود أولا》.

علِم نويل أن هذا الجواب عنى الرفض. تكلم مرة أخرى في محاولة إقناع جديدة، لكن نيك حسم أمره برفض قاطع:《هذا ليس أمرا قابلا للنقاش》.

في العادة، لن يتردد نيك في إطلاق شخصية تعتبر جانبية في الموقف المعني، لكن هاجس ما أخبره أن يرفض هذه الفكرة حاليا. كان من النوع الذي يثق بحدسه مهما أخطأ من مرات، ويؤمن بالقول: الحدس لا ينبع من العدم، ولا يتكاثر بلا أدلة.

أصبح وجه نويل قاتما. مع رفض نيك لتحرير هيكتور، تم إحباط خطته في الهرب.. التي كان أساسها مغادرة هيكتور، لأنه وفي حال لم يتواجد هيكتور، سواء قرر إعادة الأموال أم لا، فقدرته على الهرب بسلاسة حين يتأزم الوضع ستكون أكثر قابلية للنجاح.

عرف نويل أن الضغط أكثر من اللازم يُعد مخاطرة؛ لأنه قد يدفع الرجل المتحكم في الوضع - نيك - لأن يركل الكرسي الذي يفصل هيكتور عن حتفه، وتركه يصارع الموت حتى يحضر هو النقود المسروقة. لحسن الحظ فالأمور لم تتصاعد لهذا الحد بعد.

أبرز نويل تعبيرا مغتاضا عمدا وقال:《أتوقع منك أن تفي بكلمتك》. وتحت الأعين الساهرة، استدار ومشى ناحية المطبخ بتروي. أضاف بنبرة من يحاول إيصال الأخبار السيئة:《لكن علّي أن أخبرك أولا》.

كان المطبخ ذو واجهة مفتوحة، أي أن السقف جمع القاعة واظهرهم مثل غرفة كبيرة واحدة. لذا لم يواجه نيك مشكلة في إبقاء عينه على نويل. أكمل نويل كلامه:《بعض من المال الذي أخذته، صرفته》.

لم يُبدي نيك تغيرا ملحوظا في تعبيره،《على ماذا؟ وكم أنفقت؟》.

كان ظهر نويل يواجه القاعة، لذا كان نيك غافلا عن الرؤية بشمول. ومضت عينا نويل ببريق حاسم، عندما انحنى نحو الطاولة الرخامية وأتبع كلامه وهو يدخل يده الشفافة في الطاولة مثل إنعكاس في بحيرة. قال:《فقط.. بعض علب العصير》.

ثانية بعد إنهاء جملته، وإذا بنويل استدار نحو نيك قابضا على مسدس. لم يتأخر كثيرا في ضغط الزناد وحرر الرصاص مباشرة بعد التصويب الأولي على هدفه، سترايدر نيك.

بانغ! بانغ!

اخترقت الرصاصات الهواء وأخطأت هدفها. ليس مؤكدا ما إذا كان تصويب نويل هو السبب، أم نيك الذي قفز جانبا بسرعة واحتمى خلف الأريكة.

لكن الأهم، أنه في ذات اللحظة، أصيب هيكتور بالفزع لثانية، مما أدى إلى انزلاق قدمه عن الكرسي أسفله، وسقوطه تحت الشعور الثقيل بالاختناق.

لم يكن نيك سعيدا بهذا التغير المفاجئ للأحداث، فبينما تخبط هيكتور في الهواء مثل سمكة عالقة في شبكة صيد، كان هو يلعن:《إبن الـ.. أنت!! هل تسعى خلف حتفك أيها الشقي الحقير!》.

تم القبض على نيك غير مستعد، ولم يكن له إلا أن أطلق صراخ غاضب. كان لديه كبريائه الخاص، لكنه أخفض دفاعه ويجب أن يدفع الثمن، وهكذا شعر أنه استحقها، وتمالك نفسه في لحظات. وضع نيك يده على مسدسه في حزام الخصر لكن لم يسحبه؛ لأنه حينها حطّت عينه على الكرسي الذي أسقطه هيكتور. جاءه الإلهام لحظتها فقال:《سأستعير هذا إن لم تكن تمانع》.

بسبب وضع هيكتور، كان نويل في حالة اضطراب، وتشتت ذهنه لدرجة أنه ترك نفسه هدفا مفتوحا لإطلاق النار. في الوقت الذي استعاد فيه رباطة جأشه.. كان نيك يندفع نحوه بلا ذرة تردد أو خوف مستخدما الكرسي كدرع.

رفع نويل مسدسه نحوه وبدا أن لديه فرصة للإطلاق، لكنه لم يفعل.. فات الأوان على أية حال، فقد اقترب نيك كفاية ليصفع المسدس بعيدا عن نويل، ثم يركله في المعدة بكل ما أوتي من قوة.

"اللعنة" تركت الركلة نويل يحلق للوراء خطوات واسعة داخل المطبخ.

تنفس نيك الهواء البارد، وقال:《كان عليك أن تأخذ درسا في التصويب يا أحمق》.

نظر نيك للكرسي الملقي بجانبه، عندما لاحظ أن الصرير من السقف الناتج عن حركة هيكتور قد توقف. هل مات؟ استدار نيك ليرى وإذا به تفاجئ بأن هيكتور ما يزال حيا يرزق.

يبدو أن كفاحه قد أجدى بنفعه؛ لأنه استطاع بلوغ الأريكة بحافة قدمه واستخدمها كموضع للتشبث بحياته. قال نيك بتعجب:《يا للإصرار، هل لديك موعد الليلة ولا تريد تفويته؟》.

تربص الذعر هيكتور الذي كان مركزا أشد التركيز على وضعه؛ يكفيه الخوف من أن زلة صغيرة قد تعيده ليصارع الموت المحتم والمؤلم.

مختبئا خلف الطاولة الرخامية بالمطبخ، التقط نويل أنفاسه وتحمل الألم من ركلة نيك، شاعرا بالخدر في معدته يتضاءل. كان يفكر في خياراته وحركته القادمة.. عندما أتى صوت سترايدر نيك:《لا جدوى من الاختباء.. لذا ما لم يكن لديك مسدس آخر في جعبتك، أنصحك بإلقاء المنديل والاستسلام》.

وكان الرد هو الصمت. قال نيك بصوت أعلى:《ألم تسمعني جيدا؟ قلت أظهر نفسك》.

"هل أطلق النار في لحظة من الحماس والآن يرتعد خشية من إظهار نفسه؟" كان لدى نيك شك في تخمينه العشوائي، لكنه ظل يدنو من الزاوية، واضعا يده على مسدسه، مستعدا لسحبه في اللحظة الأخرى.. وعندما نظر.. لم يكن هناك أحد!

فجأة، لمح نيك من زاوية عينه انعكاس سكينة صغيرة تستهدف قدمه. كان جسد الصبي الذي يمسك السكينة نصفه ظاهرا فقط، أما النصف السفلي منه فكان داخل الطاولة بطريقة عجيبة.

لم ينعم نيك بالوقت للتفكير في ما يراه؛ لأنه تلقى طعنة في بطة الساق. بما أن يده على مسدسه مسبقا.. لم يتأخر نيك في سحبه باحترافية فذة والإطلاق على نويل.

لم تكن رصاصة عادية التي اخترقت ذراع نويل اليمنى، بل كانت على شكل عملة ذهبية تحمل الرقم 94. لم يبدو على نويل أنه شعر بها وهي تصيبه.. أعاد إدخال جسده بسرعة، لكن ليس سعيا في الهرب، بل كان يهدف للمسدس الذي أسقطه سابقا.

خرج نويل من الجانب الآخر من الطاولة، وقفز خلف مسدسه بعزيمة معقودة. فجأة، وقبل أن يلتقط المسدس، شعر بالاختناق إثر يد تضغط على حلقِه.

هزت الصدمة نويل؛ لأن تلك اليد التي تُمسك رقبته وكأنها تحاول سلب حياته، لم تكن سوى خاصته. امتلئ عقله بالأسئلة، لكن لم يكن هذا وقتا مناسبا للتفكير في اجوبتها. كانت اليد تضغط أقوى وأقوى، وشعر نويل أن الموت أقرب له من مجرد إغماء. اكتنفه الألم، لكنّ أفكاره عصفت، ولم تلبث حتى خرجت بطريقة تخلصه من ورطته.

2022/04/08 · 123 مشاهدة · 1756 كلمة
نويترا
نادي الروايات - 2026