هزت الصدمة نويل؛ لأن تلك اليد التي تُمسك رقبته وكأنها تحاول سلب حياته، لم تكن سوى خاصته. امتلئ عقله بالأسئلة، لكن لم يكن هذا وقتا مناسبا للتفكير في اجوبتها. كانت اليد تضغط أقوى وأقوى، وشعر نويل أن الموت أقرب له من مجرد إغماء. اكتنفه الألم، لكنّ أفكاره عصفت، ولم تلبث حتى خرجت بطريقة تخلصه من ورطته.
انحنى نويل للأسفل حتى قارب على تقبيل الأرض. ثم بإرادته، ضغط على يده اليمنى بالأخرى لثلاث ثوان، وتركها تنساب في الأرضية مجبرة. كانت هذه قاعدة لتفعيل قدرته، يتطلب الأمر ثلاث ثوان لكي تعمل. فماذا لو خرجت يده عن السيطرة، إن كان عقله في التحكم، فكيف لذراعه أن توقف قدرة الاختراق أو تردعها؟
أخذ نويل يلهث للهواء، عندما شعر بحضورٍ ما ورائه، أو ربما كانت الضلال البشرية التي غمرته. دق ناقوس الخطر عنده، فالتقط المسدس بيسراه فورا ولف جسده بقدر ما تسمح ذراعه العالقة في الأرضية.
رغم أن فوهة المسدس حدقت فيه، ظل نيك ساكنا ينظر باستعلاء، مع السكينة لا زالت مغروسة في ساقه. صرّ نويل بأسنانه مع عبوس، وكأن نيك هو من يوجه المسدس نحوه وأدوارهم معكوسة.
عندما لاحظ نيك أن الآخر لا ينوي الإطلاق، قال بغطرسة:《ما الخطب؟ ألن تطلق؟》.
ابتعد إصبع نويل المرتجف عن الزناد في قرارة من نفسه، ورغم أنها بدت كإعلان للاستسلام، إلا أنه تمت مباغتته وقوبل بلكمة لا لين فيها على الوجه. بصق نويل شيئا من فمه، و شكك في عينيه عندما رأى ما بدا له كعملة نقدية.
شعر نويل بطعم الدم في فمه، لكن مجددا كان هناك ما فاجئه الأكثر. كان مسدسه أرضا، بينما الشعور بذراعه اليسرى كان مفقودا تماما، لقد فقد القدرة على تحريكها بالكامل.
انغمس صوت سترايدر نيك:《اعتقدت أنك تملك الجرأة. لن أكذب وأقول أني لست خائب الظن بعض الشيء》.
قال نويل:《وما الفائدة؟》.
نيك:《ماذا؟》.
واصل نويل على مضض:《قلت: ما الفائدة؟ هذا المسدس.. لا يحوي أي رصاص》.
خلال دقيقة أو أقل، تغيرت تعابير وجه نيك أكثر من مرة. كان عليه التفاجئ في البداية، ثم عدم الراحة، تلى ذلك شكٌ حاد، وانتهى بإبتسامة تكاد تعرف الفرحة.
وضع نيك حدا للصمت بنبرة غنية بالإطراء:《لا أعرف ما الذي أوحى لك بهذه الفكرة، لكني أسحب كلامي، أنت لست سيئا. تفاجئني أكثر كل دقيقة منذ أن دخلتَ ذلك الباب. هذا صحيح.. لقد قمت بنزع الذخيرة في وقت سابق. كنت لسوف ألحظ أنا أيضا لو كنت في مكانك، ربما أبكر كذلك، لكن هذا لا يجعل الأمر أقل إبهارا》.
كان جزء من عقل نويل فقط يركز على كلمات نيك، لأن كلتا يديه كانتا مقيدتين بطريقة أخرى الآن. قال:《كنت لأصفق لك لو كانت يداي طليقتين》.
كما لو قرأ أفكار نويل بشأن يديه، قال نيك ناظرا لذراع نويل داخل الأرضية:《همف. إذن أنت تملك قدرة مفتاحية كذلك.. أظن أن هذا مطمئن؛ لوهلة خلت أني أتوهم، هل يمكنك التصور؟》.
زاد عبوس نويل إحكاما، وأضاف نيك:《لا تنظر لي هكذا وكأني الرجل الشرير هنا، أنت وصديقك المعلق هناك من سرقتم الأموال أولا، أو نسيت هذا؟ ما الذي توقعت أن يحدث؟》.
قلّت حدة نظرات نويل، صحيح أن الرضا لم يعرف طريقه لوجهه، إلا أن هذا كان كافيا لنيك،《هكذا أفضل》.
ريثما يزن الفرصة أمامه للنجاة، قال نويل في محاولة بدت كـ مماطلة:《وصفت قدرتي بالقدرة المفتاحية سابقا، وحينها أنت قلت "كذلك" ، هذا يعني أنك تملك ما تسميه بالقدرة المفتاحية كذلك، أهذا ما أصبتني به قبل قليل؟》.
رفع نيك أنفه بتفاخر،《أولست سريعة البديهة يا صبي. أجل قدرتي تعتمد على هذا المسدس. بإصابتك، يمكنني أن أتولى السيطرة على أعضاء جسمك، كما يمكنني سلب حواسك أيضا. ما رأيك، إنها رائعة، صحيح؟》. وأضاف بعد توقف قصير:《لقد أسميتها:
العملة 94
بما أنه كلاهما أظهر قدراته بالفعل، لم يبالي نويل كثيرا عندما أفضى نيك بقدرته، كما أنه شك في احتمالية أن نيك لم يكشف سوى جزء قدرته ولا زال لديه المزيد في جعبته.
وقف نيك شامخا بمسدسه، وحياة كل من نويل وهيكتور معلقة بين يديه، رغم هذا فلا زال نويل يتمسك بنظرة ثبات، وقال:《ماذا الآن؟》.
حدق فيه نيك ولم يشعر إلا بالغرابة وهو يتساءل:《أنت.. أولست خائفا ولو قليلا؟ حسب خبرتي فهناك مراحل عديدة تسبق تقبل الموت، مثل الترجي للرحمة》.
أبرز نويل تعبيرا لا يجفل، وقال بوقور بعيونٍ صافية كالكرستال:《لقد رأيتُ موتي، وهذا ليس هو》.
وخيم صمت رهيب على المكان.
كان مؤمنا بما قاله بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لو لم يكن، لوجد نيك نفسه يهزأ بكلماته سواء بالسخرية أو بالشفقة. عوضا، كان شعوره حيال مثل هذه الثقة التي لا تولد من العدم يصعب وصفه. ولم يكن من قطع الصمت الذي طال سوى الشخص الثالث في المكان، هيكتور.
قال هيكتور بيأس وقدمه ترتعش موشكة على الانهيار:《نويل! إفعل شيئا.. أنا..لا أستطيع.. التحمل أكثر》.
نظر نيك ثم نويل على التوالي، وإذا بـنيك أطلق تنهيدة عكرة، وكأن مثابرة هيكتور للنجاة أصبح مسألة تضايقه. لقد رفع مسدسه مصوبا، وقبل أن يتمكن نويل من استيعاب ما حدث.. رأى الحبل حول رقبة هيكتور يتمزق وجسده يسقط ويرتطم بالأرض مع طاخ!
ومرت ثوان قليلة بدا فيها نيك يفكر حتى تكلم مع اللحظة التي استرد فيها نويل إحساسه بيده اليسرى:《كما كنت أقول في البداية: سوف آخذ الأموال وسأكون في طريقي》. وأضاف ناظرا للجرح في قدمه:《علّي فعل شيء بخصوص هذا أولا》.
التقط نيك قطعة قماش تشبه الخرقة من على طاولة قريبة، فرأى أنها مناسبة لغلق الجرح للوقت الحالي. ظل نويل يشاهد كيف نزع نيك السكين ولف الخرقة بعناية حول مكان الجرح حتى إنتهى تاركا البنطال مشبعا بالدم.
بعد ذلك، راح يلقي نظرة على الحقيبة الملقاة عند الطاولة الرخامية، والتي انزلقت من الداخل أثناء سحب نويل لمسدسه. بينما مضى نيك يتأكد من وجود كامل الأموال دون احتساب قسط هيكتور، كان نويل يتحسس ذراعه التي حررها عند شعوره باستعادة السيطرة عليها من جديد.
حينها قال نيك بلا استدارة عن النقود:《بالمناسبة.. أحقا لا تعرف ما هي القدرات المفتاحية؟ ليس وكأن الأمر يهم حقا ولكني أجده غريبا.. مثل استخدام المايكرويف بدون العلم أنه يسخن الطعام》.
نفى نويل رافضا تحريف كلماته:《هذا ليس ما قلته، كل مافي الأمر أني أعرفها بمسمى آخر》.
سأل نيك:《تعني صاحب فئة دم متغيرة؟》، وبرهن سكوت نويل على الإيجاب.
كان هذا المسمى يطلق على أولئك الذين أظهروا امتلاكهم لقدرات مفتاحية؛ ويأتي السبب خلف هذا المسمى هو لأن زمرة دم الشخص تتغير مع ظهور قدرته المفتاحية، لم يتم تأكيد أيهما يسبق الآخر، تغير زمرة الدم، أم ظهور القدرة المفتاحية.
ولم يتوقف نيك عند هذا السؤال، وطرح آخر:《إذن منذ متى وأنت تملكها؟ متى ظهرت؟》.
شعر نويل بغرابة هذه المحادثة الطبيعية؛ إذ كان نيك يتكلم وكأن شيئا من الأحداث السابقة لم تقع وهو يجري حوارا لتمضية الوقت لا أكثر، لكنه قرر الإجابة على كل حال:《منذ أقل من سنة تقريبا. برغم أني.. لطالما أحسست بها.. وكأنها كانت موجودة منذ البداية》. قال كلماته الأخير بتروي كأنه يفكر فيها.
ومض الفضول في عيون نيك،《هلّا وضحت أكثر》.
أوشك نيك أن يقول شيئا عندما رأى تردد نويل في الإجابة، لكنّ نويل أجاب عندها:《مثل المرات التي كنت أستيقظ فيها من نومي لأجد نفسي مستلق أسفل السرير بدل أعلاه. أو تلك المرة عندما علقت قدمي بأحد السلالم المتحركة》.
قال نيك بلا نية للتكذيب:《أواثقٌ من أن ربطة حذائك لم تعلق في السلم فقط؟》.
نويل لم يجب، ونيك لم يستمر أكثر. وقف، وتحرك تجاه هيكتور الذي اهتز قلبه في خوف، بينما تلاحقه أعين نويل اليقظة.
ارتعش وجه نيك بشكل طفيف نتيجة الألم في ساقه عندما انحنى بكامل جسده. نظر في هيكتور، رغم ذلك بدا كأنه يخاطب نويل قائلا:《أتعرف.. على المرء أن يكون ذكيا أحيانا. ما هي قليل من الخسائر عند مواجهة فوائد أكبر، هكذا هم التجار، أشخاص ذو مصالح. الأمر كله يتعلق بالمقامرة، ألا توافقني الرأي يا باتورونو هيكتور؟》، وراح يضغط على خد هيكتور بمسدسه كأنما يحثه على تأييد ما قاله.
لم يملك نويل أي فكرة عما يدور في ذهن نيك حاليا، ولم يكن هذا وقتا مناسبا للانغماس في التفكير على كل حال.
قال نيك مخاطبا هيكتور هذه المرة:《دار القمار لا زال يتوقع منك تسديد ديونك، لذا لا تدع أفكارا غبية مثل الهرب تدخل لعقلك، أتفهم؟ سوف تستمر بعملك مع نورتون في موقع البناء حتى ذلك الحين.. والآن ماذا تقول؟》.
إضافة للألم في رقبته، تمنى هيكتور لو يملك كأس ماء بارد ليخفف حدة الجفاف في فمه، لكن سماعه أنه سيخرج من ورطته - بهذه البساطة - أنساه العطش وغمره في فرحة مكتومة تستحق الاحتفال ربما. كاد لا يصدق ما سمع. وماهي بضعة أسابيع يعمل فيها بلا راتب؟ ألا تعد نقطة الصفر الآن شيئا جميلا من منظوره.
قمع هيكتور أصغر ابتسامة قد تكشف عن نفسها؛ مفكرا إن كان نيك سيأخذها كحسن نية أم إهانة. قال:《أ..أنا موا—》.
《كلا!》ضغط نيك بمسدسه أقوى،《لست مهتما بسماع موافقتك، لقد أخبرتك للتو أنه يمكنك العودة لحياتك الرديئة، ألن تقوم بشكري حتى! يالك من ناكر للجميل》.
كانت الفوهة على خد هيكتور تلح عليه بقوة، وذعر ترسخ فيه، لكنه أجبر نفسه على الرد:《شكرا لك.. شكرا جزيلا》.
وابتعد نيك زاهيا كل الزهو عن نفسه ليسترخي قلب نويل؛ لأنه إن قتل نيك هيكتور فغالبا لن يسكت. بالطبع لن يتصرف باندفاع كالأبله، وسوف يخطط لحركة يجدها مناسبة قبل أن يغامر.. أو ربما ثقته الحالية بتمالك نفسه عند موت هيكتور هي مجرد وهم في رأسه.
نظر نيك في نويل وأخذ وقته قبل أن يقول:《نويل، صحيح؟ ربما تكون تفكر الآن أنه بعد أن أغادر فأنت ترجو أن لا ترى وجهي ثانية، لكن الأمر على العكس بالنسبة لي، فأنا أتمنى أن لا يكون هذا آخر لقاء بيننا》.
ورمى نيك بعملية نقدية كانت في يده في وقت ما تجاه نويل. التقط نويل العملة بردة فعل تلقائية ونظر في رقم 94 المنحوت عليها عندما سمع نيك يستمر قائلا:《لا أنكر أن ما أنجزته بقدرتك هنا يعدُ مبهرا.. فقط لو لم أجدك. لكن إن شعرت بالرغبة في المزيد فتعال إلى حانة بوليفار وأطلب رؤية نيكولاس، سيكون الشراب على حسابي》. وبدا أنه يشير للعملة النقدية في آخر جملة.
لم يملك نويل ردة فعل خارجية على الدعوة أو ما بدا مثل محاولة للتجنيد. سار نيك نحو الباب المكسور وقال:《لا تأخذ الأمر على محمل شخصي يا ولد، فالأمر كله عمل》.
خرج نيك مع وجه متصلب بدل إبتسامة النصر التي قد تتوقع رؤيتها، تاركا هيكتور طريحا، ونويل متسمرا في مكانه.
الآن وبعد أن بقي نويل وهيكتور لوحدهما، جاء الوقت للمحادثة العسيرة بينهما. فك نويل الوثاق عن هيكتور وتعابيره بدت هادئة رغم التقطيبة المستمرة، حينها ترك لهكتور فرصة لشرح كيف أفسد مسألة اكتشاف أمرهما. كما سمع من كلمات سترايدر نيك السابقة، كان نويل شبه واثق من أن إيجاد نيك لهم لم يكن بسبب خطأ ارتكبه هو.
إنتهى نويل من سماع الموجز، وإذا به قائلا:《أنت استمريت بالعمل مع ذات المجموعة التي سرقنا منها النقود؟ ما الذي كنت تفكر فيه بحق؟》.
كان هيكتور غاضبا من الطريقة التي تعامل فيها نويل مع الموقف مع سترايدر نيك، ولم يحاول إخفاء هذا عندما فسر بعصبية:《فكر كيف سيبدو الأمر أن أقدم استقالتي هكذا فجأة، وكأني أقول لهم: ها أنا ذا، تعالوا وامسكوني. كلا، توجب أن يحدث الأمر بطريقة أخرى.. أكثر إقناعا. أتظن أني كنت أحب فكرة العمل هناك تحت أنوفهم. كنت أفكر بشيء مثل تزييف كسر يدي أو شيء من هذا القبيل، لا أدري! بدت لي كفكرة جيدة وقتها وكان علّي التمهل في تنفيذها》.
《أفترض أنك محق بشأن هذه النقطة》قال نويل مقتنعا، لكنه لم يترك هيكتور يزهو بقرار جيد واحد،《لكن تسديد ديونك بعد زمن ليس بطويل من السرقة.. عليك أن تعترف أنه فعل غبي لتقوم به.. خصوصا إن كنت وضعت احتمال بحثهم في أمر العُمال، سواء بشكل سطحي أو بتعمق》.
رد هيكتور باستهجان:《لقد ارتكبت خطأً، قاضني!》.
《أيها الوغد..》نظر نويل في هيكتور شزرا، كان مستعدا للجدال أكثر، لكنه لن يتعب نفسه بالصراخ على من سيأخذ الملامة. تمت الخسارة وانتهى الأمر، فما فائدة البكاء على اللبن المسكوب؟
قال نويل وفي صوته محاولة لتجاوز الأمر:《قل ما تريد. كانت تلك 3700 ليسترا - كسبتها بعرق جبيني - التي أخذها، وسوف أتذكر الأمر. أشعر بالأسف على حالتك ولكن تذكر أنك من قرر الذهاب مع هذا الخيار ويجب أن تتحمل العواقب، غني عن القول أن هذا ينطبق علّي كذلك》.
قال هيكتور في صوت لا يعرف الفرحة:《أنت طيب جدا》.
ولم يجد نويل الاكتراث الكافي لقول المزيد، لكن الصوت الذي أتى من عند الباب أعفاه من الحاجة. كانت كحة غليظة هدفها جذب الانتباه وبقوة. نظر نويل لصاحب الصوت الواقف ولم يكن له إلا أن عبس.