كان هناك قمران في السماء المظلمة، تعلق الأول عاليا مثل جرم سماوي يرى ويحدق في كل شيء، وسطع بلونه الأزرق العميق متجاوزا كل عقبة.

أما القمر الثاني فكان أبيضا زاهيا، اختبأ خلف الغيوم مثل طفل خجول وظهر مثل بلورة صغيرة مقارنة بحجم القمر الأزرق المهول.

في غرفة ما.. بصيص من زُرقة القمر ولج عبر الستائر المغلقة، وأنار الجزء حيث جلس رجل في صمت مميت. لولا حركة أقدامه التي واضبت ضرب الأرضية بلا كلل مثل ساعة مزعجة، لكان يصعب التفريق بينه وبين جثة هامدة.

راح يغسل وجهه.. غير مدرك لعدد المرات التي يعيد فيها تكرار ذات الشيء. يتأمل نفسه في المرآة بعمق شديد لدرجة أن الإحساس بمضي الوقت يكون مفقودا. كانت عينيه غائرتين في مزاج مشؤوم، وعلى محياه تعبير غريب ومضطرب.. لقد مرت أربعة أيام منذ آخر مرة غفت له عين.

بعد الخروج من الحمام، يعود الرجل لذات البقعة التي أصبحت لها جاذبيتها الخاصة بحلول هذا الوقت، ليستمر في عزف مقطوعة متجهمة منسوجة بوقع قدمه.

قريبا منه.. كان مكتب صغير موجودا، بمجرد مد يده قليلا وصل للدُرج الأول وسحبه مفتوحا.. كان فارغا.. لم يتفاعل الرجل مع هذا الأمر للحظات، لكنه سرعان ما أدرك خطأه.. مؤخرا أصبحت لديه عادة تخطي الدرج الأول ووضع أغراضه في الدرج الثاني.. هو نفسه ليس واثقا كيف حصل على هذه العادة أو من أين.

أغلق الدرج الأول وفتح الثاني، وإذا به أخرج مسدسا. لم يكن يستخدمه كثيرا.. في الحقيقة لم يكن يستخدمه إطلاقا. فتح الرجل فمه على نطاق واسع، كما رحب بفوهة المسدس بكل سلالة بالداخل.

في إحدى نُزل مدينة ستوفاد، داخل أحد الغرف المستأجرة.

جلس رجلان حول طاولة مستديرة، أمامهما كدسة من الأموال الموزعة على شكل رُزم.. وعلى الجانب آلة عد الأوراق النقدية الصاخبة صوتها. اخترقت أشعة ما بعد الظهر زجاج النافذة المغلقة وحملت معها نورا يغنيك عن أي مصباح. انحصر دخان سيجارة ما، واشبع الغرفة برائحة فواحة كريهة، مع ذلك فلم يبدو على أي منهما الممانعة.

طرق. طرق. طرق!

ترك الطرق على الباب الرجلين في حالة حذر قبل أن يدركا. إنتهت آلة النقود من عد الرزمة الأخيرة.. وعمّ الهدوء المربك. تبادل صاحب السيجارة ريتشارد، و فوغو البدين قليلا، نظرات الفضول لثانيتين.. قبل أن يهزّ فوغو كتفيه إشارة لعدم معرفته هوية الطارق.

《من هناك؟》صاح ريتشارد أملا في الرد، لكن الصمت على الجانب الآخر استمر. عندها، مع علامات عدم الصبر، أدار ظهره وسحب المسدس خلفه إلى يده. في الوقت ذاته، أومأ لزميله لأن يفعل المثل.. يتأهب حيطة لأي طارئ. ثم، وبعد اطفاء سيجارته في المنفضة، اقترب ريتشارد من الباب بحذر. تصبب العرق البارد من جبينه بينما أعطى نظرة أخيرة لزميله فوغو، الذي اتخذ الطاولة الممتدة كدرع. ممسكا المسدس في يد، لفّ ريتشارد مقبض الباب باليد الأخرى وسحب الباب مفتوحا.

لا أحد.. لم يكن سوى الرواق المعتاد، وطرد بريد عند الباب.. متروكا كما لو تم هجره. لم يتخلى ريتشارد عن حرصه بسهولة.. أخذ نظرة جيدة من حوله وتأكد من عدم وجود أحد يراقبه. تنفس الصعداء لثانية.. وصب اهتمامه على الطرد عند قدمه في الثانية الأخرى. لم يمكث طويلا وعاد للداخل.

أعطى فوغو أكثر من نظرة متمعنة، قبل أن يطلق زفيرا مرتاحا.. رفع جسمه بأكمله وقال دون إخفاء فرحته الجزئية:《حمدا للرب، ظننت أننا هالكون للحظة.. حتى نصف هذا المبلغ كفيل لجذب الفئران الجشعة إن لم تكن حريصا. فضلا عن هذا، فقط نحن الإثنان.. هيه.. لم نكت لنصمد أكثر من قرد مع مسدس》.

بينما اختار تجاهل آخر جزئية، قال ريتشارد:《الحذر جيد، لن أختلف معك في هذا.. لكن دورنا بسيط ومتواضع.. سوف نحسب الأموال، نأخذ قسطنا منها، ثم نترك نيك ليتولى أمر الباقي.. لذا.. يمكنك الاسترخاء قليلا》.

قال فوغو:《تخبرني أن استرخي بعدما حدث لدواين.. أنت سمعت ما حدث له، صحيح؟》.

لم ينتظر إجابة، واستطرد قائلا بمشاعر مختلطة:《كان العمل يسير بوتيرة جيدة مؤخرا، لذا تلقى دفعة زائدة من المال.. تعلم كيف يسير الأمر.. بعد حوالي ثلاث أيام، وجدوه مقتولا في منزله وتمت سرقته بالكامل. أكره قول هذا عن شخص ميت، لكنه كان مستفزا بحق.. من النوع الذي يجعلك تود لكمه كلما تكلم، خاصة عندما يسرف في الشرب.. هل تظن أن لهذا علاقة بما أصابه؟》.

قال ريتشارد بغير يقين:《سمعت أنه دخل في شجار مع عصابة محلية في حانة رودريك، وهذا الذي أدى إلى ما حدث》.

تساءل فوغو:《عصابة محلية؟ هل يجرؤون؟》.

بدا جواب هذا السؤال غامضا للاثنين. في عالم العصابات، تقع مثل هذه الأحداث طوال الوقت.. أحيانا تحت أنظار الجميع، وتارة في الظلام. في كلتا الحالتين فـ التفكير الزائد قد يقود المرء للقيام بالأفعال الطائشة.. ولا يجلب له سوى المتاعب.. لهذا دائما ما يكون غض البصر أسهل طريقة لتجنب هذا النوع من التعقيدات .

《لا تخرج محفظتك الممتلئة في حانة》جائت هذه العبارة التي تشير إلى توخي الحذر على لسان أحدهما وهم يتذكرون حالات شبيهة أخرى.. ألقوا المسألة من رؤوسهم.

عاد فوغو يسأل وهو يشاهد الطرد يوضع على الطاولة:《ما هذا؟》.

《لا أعلم، وجدته عند الباب》أجاب ريتشارد وقد أخرج سلسلة مفاتيح من جيبه لقطع اللاصق، حين أضاف بلا مبالاة:《من المحتمل أنه أُرسل للعنوان الخاطئ، سوف أرى إذا كان أي شيء ذا قيمة》.

《تمهل قليلا》قاطع فوغو مرتابا،《ألا تظن أنه من الغريب أن الطرد تُرك عند الباب فقط؟ أليس من المفترض تسليمه لمكتب الاستقبال؟ هذا أو جلبه هنا، لكن مع تسليمه يدا بيد لصاحبه. أليس هكذا تجري الأمور في النُزل؟》.

لم يبدو زميله ريتشارد مقتنعا، في حين مزق جزءا من اللاصق بالفعل. بالنسبة للطريقة التي رأى فيها الأمر.. ليس من الغريب أن يقيم أحدهم لفترات طويلة في نزل معين، أثناء تلك الفترة.. يقوم بإعطاء عنوانه المؤقت لأحد معارفه.

إضافة إلى محاولة الإقناع التي قد يتخطاها.. أراد ريتشارد الرد بقول: أنت حتما تبالغ في التفكير هذه المرة. لكن قبل أن يملك الفرصة لإنهاء جملته- بوووف!

إنفجر الطرد دونما سابق إنذار، وانتشر دخان كثيف في المكان.. كما تعمل القنبلة الدخانية، لم يُنسف شيء بالغرفة.

ابتلع الدخان أبصارهم.. لكن ريتشارد تمكن من حمل أقرب شيء له - آلة عد النقود - ورماها نحو النافذة المغلقة بقوة كافية لتحطيمها. خطى ريتشارد خطوة ثقيلة ناحية النافذة فكاد أن يسقط أرضا.. شعر أن قواه خارت.. وعيناه تغلق بلا إرادة منه. أسند جسمه الطويل على الكرسي، لكن سرعان ما خذلته قدميه وسقط.. وتبعه الجزء العلوي من جسده على الأرض.

كان الدخان عبارة عن غاز مخدر.

2022/03/15 · 142 مشاهدة · 961 كلمة
نويترا
نادي الروايات - 2026