في الوقت ذاته خارج غرفة الرجلين.
وقفت شخصية تغطي وجهها بقناع غاز.. كان طولها 1.65 مترا تقريبا.. ترتدي سترة وبنطال طويلا أسود. من خلال البنية الجسدية الضعيفة.. أوحى المظهر بأنه صبي في السادسة أو السابعة عشر من العمر.
تقدم الصبي للأمام وفي يده حقيبة قماش صغيرة، لمس الباب براحة يده وانتظر ثلاث ثوان قبل أن يدفعها وتغوص للداخل. ذات الأمر مع باقي جسده، مضى قدما فكانت النتيجة مماثلة.. اخترق بدنه الباب وتجاوزه كما لو كان مجرد وهم.
على الجانب الآخر، حيث لم يكن دخان وانقشع، انجرف مع الهواء خلال النافذة المحطمة. بخطوات لا تخلف أثر صوت معها، تقدم نحو الطاولة المكدسة بالأموال، ورفع حزمة للتمعن بها.. ربما لو كان وحهه ظاهرا لبانت إبتسامة عريضة.
وقع بصر الصبي على الرجل الطريح قريبا منه، ثم استدار وأخذ يمسح الغرفة بنظراته.. سرعان ما اختلفت وقفته وهو يفكر: أين هو الرجل الثاني؟ وكيف أغفل أمره هكذا؟
أعزلا يقف وسط الغرفة.. لم يعلم الصبي إذا كان السكون المفرط دلالة خير أم فأل سيء.. أراد التراجع خطوة حتى يزيد مرأى بصره لكن عينه هبطت على المسدس على الطاولة.
عدا عن باقي الأثاث في الغرفة مثل الطاولة المستديرة، مكتب الأدراج، إلخ.. كان هناك خزانة بجانب الجدار.. حجمها كبير وبابها مزدوج. كان أحد البابين مفتوحا بشكل غير ملحوظ.. مشكلًا شقا رفيعا.. كشف الشق عن عين سوداء مثل الخنفساء الصغيرة البراقة، تنظر للخارج.. لم يكن ذلك سوى فوغو.
لم تكن الخزانة خياره الأول للإختباء، ولم يكن ليضعها في الحسبان لولا تفكيره مرتين.. أيا من سيدخل الباب الآن- زارع القنبلة.. سوف يتفقد المكان قبل الشروع في السرقة. إذا كان هناك احتمال لهجوم مباغت فسوف يكون في الخزانة.. طبعا ترك هذا الخيار الفرصة لـ فوغو في البقاء مختبئا في حال رأى أن الموقف يتجاوز حدوده، وخروجه يعد كسير الدجاجة إلى المسلخة.
من خلال الشق الرفيع، شاهد فوغو، الصبي يدخل مجال رؤيته، يحمل رزمة من المال من على الطاولة. مصعوقا، انبثقت سلسلة من الأسئلة في ذهنه: "ماذا يحدث بحق السماء؟ أهو من وضع الطرد؟ لا يبدو بأن هناك أحدا غيره هنا، هل هو لوحده؟ من طوله كنت سأقول بأنه مجرد طفل، هل هذه مزحة من نوع ما!".
خطوة، خطوتين، ثلاث خطوات. لقد شاهد الرجل في الخزانة الصبي ذو القامة القصيرة يتحرك مبتعدا عن مجال رؤيته الضيق. لذا حاول تتبعه ببصره المحدود.
صرير!
بغير قصد، أحدثت الخزانة الخشبية صريرا كسر الصمت المتجمد. مباشرة، فُتح باب الخزانة بقوة وخرج فوغو الذي شتم نفسه داخليا، بذراعٍ ممدودة على آخرها، قابضا على مسدسه.
بانغ! بانغ! بانغ!
كأن حواسه اهتزت بأكملها منبهة، قفز الصبي جانبا متفاديا الطلقات القادمة نحوه، وتدحرج مرتين قبل أن يهبط أرضا.
بانغ! بانغ!
لم يظهر فوغو أي تردد في إطلاق المزيد من الرصاصات نحو السارق أمامه. دوى صوت العيار الناري في المكان، بينما ركض الصبي في المساحة الصغيرة ناجحا في تفاديها.
كليك. كليك!
اللحظة المنتظرة أتت، حيث أصبح المسدس فارغا من ذخيرته. بسرعة، مدّ فوغو يده نحو الطاولة لإلتقاط عتاد الذخيرة، حين أوقفته صيحة عالية:《تحرك وسوف أطلق!》.
تجمد فوغو محله وملامحه كشفت بوضوح عن صدمته؛ كان متأكدا من سماعه صوت صمام الأمان ينزع مما أظهر جدية الصبي بأمر المسدس وأنه يجيد استخدامه. استدار فوغو نحو الصبي ببطء وعناية ليرى فوهة المسدس تنتظره. لم تكن ملامح الصبي ظاهرة، لكن يده الثابتة و نبرته الحازمة جعلت فوغو أكثر يقينا أنه لن يتردد إطلاقا في ضغط الزناد. حينها، كرر الصبي تحذيره:《إن كنت تقّدر هذه الأموال أكثر من حياتك، فكن ضيفي وافعل ما قد يفعله أي أحمق في مثل موقفك.. يُقتل》.
تجعدت حواجب فوغو أمام كلمات الصبي ونغمته المفعمة بروح الانتصار، ولكن لم يظهر غضبه بوضوح. تحركت عيناه نحو ريتشارد الساقط أرضا، وارتعشت زوايا فمه ولكن لم يفتحه. لاحظ الصبي هذا فقال مطمئنا:《إنه فقط نائم، لا- أكثر من هذا بقليل في الواقع. غير هذا، وكان صوت المسدس ليكون كافيا لإيقاظه》.
فور أن إنتهى من الكلام، رمى الصبي حقيبة القماش التي التقطها من الأرض، على الأموال فوق الطاولة. بينما ظلّت يده الممسكة بالمسدس ثابتة كتمثال، قال:《تعرف ماذا تفعل، وتعرف ما لا يجب أن تفعل》.
لقد كان يشير إليه بعدم القيام بأي فعلٍ طائش وغبي وإلا، لا ريب من أن الطلقة القادمة ستكون حتفه.
مع قليل من التردد، تحرك فوغو وشرع في فعل ما طُلب منه، جمع الأموال ووضعها في الحقيبة. أدخل الرزمة تلو الأخرى حتى إنتهى من ملئها.
《أترك الحزمة على الطاولة وتراجع حتى الحائط》نطق الصبي بتعليماته التالية على الفور، قلقا من أن ينتهز فوغو الفرصة، ويرمي بالحقيبة التي أصبحت ثقيلة بوزن النقود نحوه، متخذا هذه كفرصة للهجوم.
تراجع فوغو للخلف مع رفع يديه للأعلى هذه المرة، بينما انتظره الصبي قبل أن يقوم بحركته. خطوة، خطوتين، ثلاث خطوات. حين تقدم الصبي لاحظ فوغو أمرا، إن الصبي يعرج بشكل غير ملحوظ! أمعن فوغو النظر جيدا حتى إنتبه بأن قدم الصبي اليسرى خلقت آثار دماء خلفها، قطرات سائلة صغيرة لا غير، ولكنها تظل تعني أن إحدى الطلقات خدشت هدفها. لقد استنتج أنه مجرد خدش بسبب كمية الدماء، وكيف أن سير الصبي لم يتأثر كثيرا. مع ذلك، فلم يكن فوغو فرحا جدا بهذا؛ فالأموال لا تزال ستُسرق.
لم ينتشل الصبي حزمة المال مباشرة. لقد حدق في فوغو لثوان قليلة ثم قال:《لا أستطيع الثقة بك حتى وإن أخبرتني أنك لن تفعل شيء بعد أن أغادر. ربما تحاول اللحاق بي، وربما تستدعي المساعدة أسرع مما أتوقع. من يعلم》.
قرأ فوغو بين الأسطر حالا، إذ ظهر الإرتباك ومسحة من الغضب على وجهه،《أتقول أنك ستقتلني، أهذا ما عليه الأمر؟ أحقا تريد ترك جثة خلفك، صدقني، لن تزيد سوى المتاعب. الأموال يمكن تعويضها دائما أو حتى الاستغناء عنها، ولكن هذا..》.
《أنا منفتح على الاقتراحات》لم تبدو نبرة الصبي صارمة وهو يسأل الرجل عن اقتراحات، بل كانت ممزوجة بالتفاجئ والتسلية من محاولة فوغو في الإقناع.
ابتلع فوغو لعابه ولم يتكلم لفترة، وحين فعل، قال مجبرا إبتسامة عاجزة:《يمكنك أن تحبسني في الخزانة، هيه، كما رأيت للتو فأنا اتسع بداخلها. يمكنك إقفالها من الخارج》.
《هيهه.. هذه ليست بفكرة سيئة، ليس للمماطلة على الأقل》ضحك الصبي بفرح قبل التوقف. رفع سترة الكتان عديمة الأزرار، وكشف عن ثلاثة عبوات صغيرة معلقة بحزامه. كانت كل عبوة أسطوانية الشكل، ورمادية اللون. سحب الصبي إحداها مخلّفا ورائه قطعة تشبه الخاتم متشبثة بالحزام.
《غاز تخدير. إنه لا يختلف كثيرا عن سابقه الذي في الطرد》شرح الصبي ماهية العبوة بلا استعجال رغم موقفه. توقف مؤقتا، ثم تابع:《سررت بالعمل معك》.
ترك الصبي العبوة تسقط من يده، ورآها تنفجر لحظات بعد الاصطدام بالأرض، مخلّفة ستار دخاني أبيض حجب الإثنان.
وجد فوغو في هذا فرصة لا يجب تضييعها، لذا فجأة يقوم بالاندفاع للأمام بكل قوته. بما أن بنية الصبي لا تقارن به ، قرر تحويل الموقف إلى صراع جسدي، حيث يميل الميزان إلى صالحه، وينهي الأمر في دقيقة.
لكن ما تمناه لم يحدث، حيث ما لبث أن ارتفع صوت العيار الناري في المبنى بأكمله.