في منطقة ما في حيّ أبيلارد.
متميزا بعدد غير قليل من المحلات ذات الواجهة المفتوحة، كان طريق لابستر صاخبا إلى حد ما؛ بسبب الباعة الذين لم يجرؤوا على البقاء صامتين بينما يمر زبائنهم المحتملين، وكانوا يهتفون بصوت عالي بلا خجل مروجين لبضاعتهم وسلعهم. لم يفتقر الطريق إلى محلات بيع الطعام، العطور والبخور، ولا لمحلات بيع الإكسسوارات المتنوعة. كانت الروائح العبقة التي تلتقطها فور عبورك من متجر لآخر، تمتزج برائحة مختلف الأطعمة، مشكلين خلطة لا تروق للمرء وربما تسد شهيته أيضا. كل هذا معا، كانوا قد شكلوا سوقا محلية صغيرة لا تتجاوز امتداد الشارع.
لم تكن الغيوم المتفرقة رادعا أمام القمر الكبير الأزرق، لكن السماء ظلت مظلمة وواسعة بلا نهاية. لم تبدو للنجوم حيويتها ولا بريقها المعتاد، وكأنها أخفقت في مضاهاة أضواء المدينة المتألقة.
سار نويل بين حشد المارة وصولا إلى طريق لابستر. بنزع غطاء رأسه، كشف عن شعره الأسود القصير المجعد قليلا، وزوجٍ من العيون الزرقاء السماوية المتلألئة. لقد ملك وجها رصينا وغير مشتتٍ بما حوله، مع بشرة حنطية سمراء.
مشى نويل وفي يده غنيمته - حقيبة النقود - التي لم يملك أي نية لإخفائها. توقف نويل عند محلٍ حمل مظهرا اختلف قليلا عن بقية المحلات. كان أقرب إلى ورشة عمل من دكان، إذ تستطيع رؤية كومة من الخردة في الخلف، ومجموعة من الأدوات الميكانيكية العشوائية ملقية بالجوار، بالإضافة إلى أمور يصعب التعرف عليها من نظرة واحدة.
《أهلا يا هيكتور》حيا نويل صاحب المحل، الرجل الجالس على الكرسي عديم الظهر. إنتبه هيكتور ذو العيون الخضراء الزمردية والشعر الأشعث، فترك ما في يده ووقف على عجل. قال بحماس:《أوه نويل، لقد عدتَ. هل أجرؤ حتى على السؤال كيف جرى الأمر؟》.
《أعلم أنك تفعل》كان نويل مستعدا وقد قسّم الأموال بالفعل، لذا سحب كيسا ورقيا صغيرا من داخل حقيبته وألقى به على الطاولة قائلا:《هذا قسطك من الأموال، الثُلث. إنها 1850 ليستر، يمكنك عدّها إن أردت》.
《اووه محترف كما عهدتك، أنت تستحق التصفيق بجدارة》أخذ هيكتور كيس المال مع نظرة سريعة بداخله وهو يمدح بصدق. ثم، سأل عرضيا وهو غير قادر على احتواء ابتسامته العريضة:《كان هناك رجلان فقط؟》.
《أجل، كما قلتَ أنه سيكون》رد نويل وشبح ابتسامة على محياه. ثم، وهو يشاهد هيكتور يلقي بكيس المال عند قدميه، كغرض لا يختلف عن بقية الخردة في الخلف، مضى في موضوعه:《هل لديك مسحوق النخاع المتفجر؟ فينسنت طلب مني أن أتأكد إن كنت تملك، لقد خطر الأمر ببالي للتو》.
لمس هيكتور ذقنه وفكر، نظر حواليه بلا تدقيق كبير، قبل أن يبسط راحة يديه، ويُجيب بنبرة من خيبة الأمل الطفيف:《للأسف. لو كنتَ سألت سابقا فلربما.. لكن إن أردت فلدي بعضٌ من السيزا بيرل. قلت أنها من أجل نويترا، صحيح؟ أنا متأكد من أنه لن يمانع الفرق. لست واثقا مما سيفعل به أو فيما سيستخدمه، ولكن الإثنان يمكن إستخدامهما في أمورٍ متشابهة》.
لم يأخذ نويل وقتا طويلا قبل إعطاء رد،《ما مقدار ما لديك؟ يمكنني الإستفادة منه أنا أيضا. أجل صحيح.. أود بعض قِطع المعادن المعاد صهرها كذلك، نفس المقدار كالمعتاد》.
《لدي ثلاث زجاجات بمجموع لتر، لكني أستطيع إعطائك النصف فقط》كما قال هذا، مال هيكتور بظهره جانبا، وأخرج زجاجة شفافة مليئة بسائل أصفر عسلي اللون، مغلقة بإحكام بغطاء معدني. أضاف حينها:《بالنسبة إلى المعادن المعاد صهرها فسوف يستغرق الأمر ثلاث أيام على الأكثر》.
لم يطل نويل النقاش في الموضوع الثاني، وأومأ بالقول:《يكفي ويوفي. سآخذ هذا النصف》.
استجاب هيكتور بإخراج زجاجة مطابقة لسابقتها وسلمها نويل. بعد أن استقبل الزجاجتان، تمعن نويل بهما لثوان قبل أن يعرف من أين أتى الشعور بالألفة؛ كانت الزجاجتان تعودان إلى مشروب فانتي الغازي، مع الشعار منزوعا طبعا.
《هذا ما يسمى بإعادة التدوير》هتف هيكتور مؤكدا شكوك نويل، بلا شعور بالحرج، نبرته كانت أقرب إلى تفاخر.
"بخيل هي كلمة أخرى لوصفها" علّق نويل بصمت، لكنه لم يلقي بالا حقا لذا أعطى وداعه،《إذن سوف أراك لاحقا》.
في حين سار نويل مبتعدا، صاح هيكتور إلى ظهره بنبرة نابعة من فرحة غامرة:《لا تنسى أن تحيّي نويترا من أجلي》.
كان الرجل ذو العيون الخضراء الزمردية والملابس العادية، هيكتور، يُدير محله بطريقته الخاصة. في عمله هذا، كان يختلط مع مجموعة معينة من الناس أكثر من غيرهم، ولم يكن من الغريب أن يطور الجانبان ثقة متبادلة أو رابطة تدل على التعارف. كان نويل من ضمنهم؛ لهذا السبب هيكتور لم يسأل نويل عن الدفع الذي غالبا ما تم لاحقا، سواء عن طريق المال أو بغيرها من الطرق مثل مقايضته بشيء آخر.
"نويترا؟" فور سماعه لهذا الإسم، تحركت نظرات أحد المارة نحو مصدره.
《فتى.. اعذرني أيها الفتى》لم يكمل نويل سير أكثر من عشر خطوات بعيدا عن محل هيكتور، عندما جاء صوت غير مألوف ينادي خلفه. توقف نويل للصوت حين شعر أنه موجه نحوه، وفي الوقت الذي استدار به، وجد شابا يافعا لا يبدو أنه يتجاوز منتصف العشرينات، يملك مظهرا لافتا إلى حد ما. كان أول ما جذب نويل هو شعره ذو الصبغة الحمراء الكرزية مع الضفيرة الطويلة خلفه، وربطة العنق المتناسقة مع بقية ملابسه- قميص أسود، بنطال طويل أصفر رملي، وحذاء أسود.
تلاقت عيون نويل الزرقاء اللازوردية مع أعيُن الشاب السوداء، مع ذلك، لم ينطق نويل وانتظر الشاب ليشرح نفسه. ذلك حين تقدم الشاب خطوة للأمام مع إبتسامة لائقة، قال وفي كلماته معنى ضمني:《مرحبا. من المفترض بي لقاء هذا المدعو نويترا في مكانه..》.
من النبرة، فهم نويل غرض الشاب من إيقافه، لذا انتقل مباشرة لسؤاله:《و أنت هو..؟》.
أجاب الشاب باقتضاب أثناء ضبطه لحقيبة الظهر المعلقة على كتفه:《إسمي إلياس، لدي طلب أطلبه من نويترا》.
لم يكلف نويل نفسه عناء طرح المزيد من الأسئلة وقال:《إتبعني》. ثم أكمل السير في طريقه.