في منطقة في حيّ أبيلارد، لا تجد فيها الحدائق أو المنتزهات، إنما البيوت المتراصة بعضها ببعض، الأزقة الضيقة، والمباني المتطابقة. حيث الطريق لا يتسع إلا لعبور عربتان على الأكثر، سار نويل وإلياس.

أخرج إلياس شيئا من حقيبته، وعرضه على نويل. سأل:《هل تريد البعض؟ إنها سندويشة لحم.. كانت لذيذة لذا وفي لحظة من الجوع اشتريت أكثر من اللازم قبل أن ألحظ》.

رد نويل:《لا شكرا. هذا من مطعم (المذاق السحري) عند المنعطف.. أليس كذلك؟ يمكنك الإحتفاظ به لفينسنت إن أردت》.

قال إلياس:《فينسنت؟》.

نظر نويل لإلياس قبل أن يعيد نظره أمامه، ويجيب:《أجل، نويترا هو مجرد لقب أطلقه على نفسه.. مثل لقب عائلي أو ما شابه》.

أخذ إلياس قضمة من طعامه قبل الرد:《هذا ليس مربكا على الإطلاق. إذن إذا أردتُ مناداته، بماذا يجب أن أدعوه؟ فينسنت أو الإسم الآخر؟ نويترا》.

قال نويل مغتاظا:《اسأله هو. لماذا قد أهتم أنا بما تدعوه》.

"أحدهم في مزاج سيء" فكّر إلياس.. وحينها حطّ بصره على حقيبة القماش خاصة نويل.. تناسى موضوع الألقاب وسأل:《ماذا لديك هناك؟》.

قال نويل وكأن سؤالا آخر قد يفقده أعصابه:《اهتم بشؤونك الخاصة》.

لم يزعج الرد إلياس.. بل أعطاه انطباعا أوليا عن شخصية نويل.

ريثما مشى الاثنان.. تحركت أنظار إلياس من شيء إلى آخر.. إمرأة تنشر غسيلها على شرفة منزلها.. كلب يتجول هنا وهناك، لكن ما لفت انتباهه الأكثر هو الضجة الصادرة من رجل بصدد إلقاء القمامة.

صرخ الرجل:《تشيه تشيه، ابتعد من هنا!》، وكأنه يدف قطة بعيدا، لكن الذي يخاطبه كان أبعد ما يكون عن قطة.. كانت آلة بحجم عربة، ذات ستة أرجل.. تحاول بإصرار انتزاع كيس القمامة من يده.

بدت الآلة متهاوية وقديمة، وكأن ركلة هي كل ما يتطلب لإسقاطها.. ورغم أنها كانت ثلاثة أحجام الرجل، إلا أنه فرد ذراعه لآخرها ونجح في منعها من بلوغ مرادها- كيس القمامة.

بعد محاولة فاشلة أخرى.. استسلمت الآلة. تأثرت بصخب الرجل كما لو شعرت بالخوف.. لتبتعد مستخدمة أرجلها الستة الشبيهة بالعنكبوت.. وهي تخرج الدخان من قمة رأسها المسطح.. مصدرة أصوات خشخشة على مدار طريقها للبحث عن أكياس قمامة أخرى تعبث فيها.

لم يتوقف نويل للمشاهدة أكثر، بعد أن التقت أعينه بأعين الرجل أومأ برأسه وقال:《هيدويج》، ثم استأنف سيره قبل أن يستطيع الرجل الكلام حتى.

تابع إلياس خلف نويل، عندما سمع كلاهما صوت هيدويج من الخلف.. يقول متكدرا:《أخبر نويترا أنه سيكون من اللطيف لو أصلح آلته الصغيرة لتؤدي عملها》.

قال نويل دون الالتفات:《أخبره بنفسك》.

لف إلياس رأسه نصفيا نحو هيدويج وسأل مخاطبا نويل:《عمّا كان هذا كله؟》.

قال نويل:《إنه هيدويج.. يدير البقالة القريبة من هنا》.

إلياس:《والآلة؟》.

أجاب نويل:《فينسنت هو من صنع تلك الآلة.. كان قبل أن ألتقي به حتى. يقول أنها من المفترض أن تتولى جمع القمامة، لكن عطل ما أصابها.. لن اتفاجئ إن اكتشفت أنه صممها هكذا عمدا ليغيض أحدهم》.

أبقى نويل الجزئية الأخير لنفسه وأخفض صوته فيها.. بينما قال إلياس متبسما نصف مازح:《والآن هي تتجول في الجوار وتحاول أكل قمامة الناس.. يا لها من قصة.. أنا هنا خمس دقائق ويعجبني المكان بالفعل.. رغم كوني أشعر أني سوف أضيع بلا خريطة، أتساءل إن كان يجب أن أحضر واحدة معي المرة القادمة》.

لو لم يشعر نويل بالنبرة الساخرة في كلام إلياس لكان أطلق ردا مثاليا وقال: "هذا الأمر يحدث كثيرا هنا، للحمقى غالبا" ، لكنه قال عوضا مسايرا المحادثة:《أنت لست من هنا، هاه؟》.

رغم عدم سؤال نويل، إلا أن إلياس رد بلا كتمان:《أنا من رانوبيل في الواقع.. أجل.. هناك قضيت معظم حياتي، أو بأكملها إن صح القول. حين تنظر حواليك هناك، ترى الكثير من أمثال الآلي الذي رأيناه للتو.. حسنا.. ربما أفضل حالا منه بقليل》.

توقف نويل عن المشي ونظر في إلياس. بادله إلياس بتعبير فضولي، وقال:《ماذا؟ لست أتفاخر إن..》.

قاطعه نويل:《نحن هنا.. هنا يعيش فينسنت》.

كان منزل فينسنت ذو طابقين رغم صغر حجمه.. لم توجد ساحة أمامية أو شيء من هذا القبيل. أول شيء تلاحظه هو الدرج المعدني في الواجهة الأمامية الذي يقود للحجرة العلوية.. رغم أنه بدا متصديا قليلا، إلا أنه لم يبدو قديما. إلى جوار الدرج.. كان المدخل.. باب خشبي لم يبدو أجدد أو أقدم من باقي المنزل.

《خذ، إحمل هذا》أعطى نويل الزجاجتان المليئتان بسائل السيزا بيرل الدبق لإلياس. وبعد أن خلت يده، أخرج سلسلة مفاتيح لم يتجاوز عدد المفاتيح فيها الأربعة، وفتح الباب.

بلا كلمة أخرى، دخل نويل وخلفه إلياس على غرفة بها كنبة مزدوجة، ومجموعة من الأرائك الأرضية بجانب الجدار. كانت غرفة الجلوس.

《هل تعيش هنا أنت أيضا؟》سأل إلياس السؤال الذي راوده عند رؤية كيف فتح نويل الباب ودخل هكذا. داس نويل على السجاد بحذائه، ورمى حقيبة القماش على الكنبة المزدوجة.

أطلق نويل 'همف' ورد بلهجة غير سارة:《كأني مستعدٌ للمخاطرة.. لا، أنا أعمل هنا فقط. رغم أني لست واثقا أيهما أخطر》.

لم يفهم إلياس ما عناه، لكنه لم يكترث كفاية ليسأل أكثر. اقترب نويل نحو إلياس واستعاد الزجاجتان، ومرورا عبره، أكمل طريقه للمخرج كما قال:《يمكنك الإنتظار هنا》.

ألقى إلياس نظرة أخرى حوله قبل أن يأخذ مكانه، ويجلس على أحد الأرائك الأرضية. بعد الخروج بلا إغلاق الباب، بدأ نويل يصعد الدرج المعدني ذو التسع درجات.

تاب. تاب.

صعد نويل الدرج إلى باب مفتوح على مصراعيه.. يقود لحجرة أرضيتها حديدية. عند دخولك.. يمكنك رؤية طاولة ملأتها الأغراض مثل الأوعية الزجاجية بمختلف أحجامها.. بعضها فارغ وبعضها احتوى مواد غير معروفة. بين تلك الفوضى المعتادة.. شد انتباه نويل وجود فانوس يشع بداخله ضوء أحمر برتقالي يشبه حمرة الشمس عند المغيب.. لم يبدو كمصباح ولا كشمعة.. ضبابيا يجعلك تذوب بينما تتأمل فيه.

مع صوت على الجانب، خرج نويل من سهوه.. نظر يمينه، حيث وقف رجلٌ في معطف معمل أبيض.. بين يديه كرة معدنية معقدة المظهر بحجم قبضتين. رجّ الرجل الكرة ذات الأسلاك بخفة ورماها للأعلى قليلا قبل إلتقاطها مجددا بحذر.

لم يمانع نويل في مقاطعة أيا كان ما يفعله الرجل، وقال:《فينسنت.. نفذ النخاع المتفجر من هيكتور لذا أحضرت بعض السيزا بيرل بدلا عنه. أنت لا تمانع، صحيح؟ لأن هناك دائما مكان للزجاجة الأخرى معي》.

قال الرجل:《آه كدت أنسى.. بهذا الخصوص.. يمكنك الإحتفاظ به. حتى لو جلبت مسحوق النخاع المتفجر فعلى الأرجح كنتُ لأعطيه لك》.

مع وضع يسراه في جيب معطفه الطويل، استدار فينسنت.. كان شعره محلوق من الجانبين و فوضويا غير ممشط.. وعينيه السوداوتين غارقتين في شعور بالبرود.

كان نويل حائرا للكلمات.. وهو يفكر بتلك المرات التي تصرف فيها فينسنت بطريقة رائعة (أو رائعة في رأسه على الأقل).. غالبا خطرت على باله أحد تلك الأفكار العجيبة و الغريبة.. مثل عندما أخبره بأمر العنكبوت آكل القمامة كمثال.

علت فينسنت إبتسامة عريضة.. ترك الكرة المعدنية، واستأنف كلامه مبتعدا عن الطاولة:《هذا لأنني.. حصلت على شيء أفضل.. إسألني ما هو》.

تحدث فينسنت، لكن لم يبدو على نويل الإنصات؛ كان مشتتا بالكرة المعدنية التي بدأت تتدحرج نحو نهاية الطاولة. قبل أن يتسنى لنويل الذي كان واضحا أنه لم يملك النية للحراك.. إطلاق تنبيه أو تحذير.. طراخ! سقطت الكرة أرضا.

تقلصت حدقة عين فينسنت حين رأى الكرة على الأرض. بردة فعل سريعة، تحرك تجاه نويل القريب من الباب، وسحبه بقوة بيده الهزيلة إلى عند عتبة الدرجة الأولى. بقصد السؤال عما يحدث، فتح نويل فمه، لكن فينسنت سبقه وصاح بكلمة واحدة:《احتمي!》.

《....》مرت دقيقة كاملة ولم يحدث شيء. تعبير نويل الذي أصبح فارغا في وقت ما قد تحول للتجهم. غمغم قائلا:《لهذا السبب أنا لا أعيش هنا》.

2022/03/16 · 87 مشاهدة · 1107 كلمة
نويترا
نادي الروايات - 2026