وأكمل فينسنت بتعبير مظلم على نحو غير مبالي:《سوف يفعلون كل ما بقدرتهم لكي يستطيعوا جعل الخطوط الأمامية- لا، بل صنع جيش بأكمله من المسوخ》.
لم يكن فينسنت قد أعار اهتماما كافيا لكلمات ليلاحظ، لكن التعبير الذي لمحه على إلياس أعلمه. قال بصدق:《اعتذاري، كان هذا اختيارا خاطئا للكلمات من جانبي》.
من محياه الساخط، بدا على إلياس أنه يوشك أن يبصق بشتيمة في الهواء، لكنه قال بنبرة تخللها الانزعاج:《أكمل ما كنت تقوله》.
وضع فينسنت كلتا يديه في جيب معطفه وقال:《حاليا، أكثر استخدام شائع للاستنساخ هو استنساخ الأعضاء، سواء البشرية أو غيرها. رغم أنه لا يزال يتم العمل على بعض فصائل السارديزيان التي تفوق صعوبتها العادية، إلا أنه حسب قول الجهات المختصة، لا توجد مشاكل في الأعضاء البديلة. حتى أنهم بدأوا بالفعل في العمل على التبرع بالأعضاء》.
بعد إنتهاء فينسنت من "خطابه" ، انتهز إلياس الفرصة للسؤال:《قلت أنه لا توجد مشكلة مع الأعضاء البشرية. لكن ماذا عن بشري كامل، هل تم تجربة صنع مستنسخ له حياته الخاصة؟》.
لم يتغير تعبير فينسنت وهو يجيب:《على الأرجح تم، لكني أجهل النتيجة؛ لو نشر علماء رانوبيل بحوثهم في كل جهة وصوب لكان العالم في حالة من الفوضى. لكني أعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة، فكلما زاد التعقيد ظهرت المشاكل الغير متوقعة. ليس من السهل عمل دور الخالق بعد كل شيء》.
سقط إلياس في صمت كأنه يحلل المعلومات التي تلقاها للتو. بعد عدم تلقي مزيدا من الأسئلة، أخذ فينسنت الطعام الذي تركه على الطاولة، وبدون نزع الأغلفة، وضعهم مباشرة في الصندوق المعدني ذو الباب المفتوح- الذي كان المايكرويف. بعد إعداد مؤقت، إنتقل إلى جهاز آخر بجوار الأول ويأخذ مساحة أقل منه. أدار رأسه نصفيا نحو إلياس المتفرج وطرح:《أتشرب القهوة؟》.
قال إلياس متصرفا كأنه في منزل أحد معارفه:《إن لم يكن لديك شيء آخر》.
أومأ فينسنت برأسه، ثم سحب خرطوما صغيرا كان يخرج من جهاز يبدو مظهره مظهر صنع يدوي. ضغط على زر ما، وبدأ سائل بندقي اللون يملأ كوبا الرخام أمامه. حمل فينسنت أحد الكوبين وسلّمه إلياس.
تلقى إلياس الكوب مع كلمة شكر. نفخ فيه مشاهدا الأبخرة الساخنة تتصاعد قبل أن يأخذ رشفة ليذوق الطعم. بووو– وبصق إلياس الشراب في اللحظة التالية. قال بمرارة:《يا رباه، ما هذا؟》.
قال فينسنت ببرود:《شيء آخر》.
قال إلياس بعصبية:《طعمه مثل الإسفنجة بالصابون!》.
مع الوجبة المشكلة من مشروب غامض و سندويشتين، تجاهل فينسنت إلياس (الذي أبعد الكوب عنه بقدر المستطاع خوفا من الرائحة التي قد يشمها) وعاد يقول:《إذن، أخبرني.. ما الذي جلبك إلى هنا يا أخ لوسيل؟ لا ما مانع لدي إن كنت تريدني أن أحزر أيضا》.
أجابه إلياس:《أولا يمكنك التوقف عن مناداتي بـأخ لوسيل، إنه ليس إسما يسُر السامع بعد كل شيء》. بعدها أضاف معّرفا بنفسه:《إلياس سيلفر》.
أومأ فينسنت الذي أخذ قضمة من طعامه في فهم، ورد بالمثل:《أنا فينسنت، ولكني أُفضل لو استخدمت "نويترا" لمناداتي عوضا. إن لم يكن هنا فبالخارج》.
"هنا فينسنت و بالخارج نويترا..؟ هل هذا من أجل جعل إسم الشهرة واجهة عمله، أم هو إجراء احترازي من نوع ما؟" ومضت الأفكار التي لم ينطق بها إلياس علنا. سأل:《هل يمكنني السؤال عن السبب؟》.
تبسم فينسنت وقال:《يمكنك السؤال، لكن هذا لا يعني أني سأُجيب … بالعودة إلى موضوعنا》.
فكر إلياس مليا بحثا عن الكلمات ثم قال:《كيف أشرح هذا.. ألم تقل سابقا أنه كلما زاد التعقيد ظهرت المشاكل الغير متوقعة. ربما يبدو جسدي طبيعيا وأنا أقف هنا أمامك، لكن على الخلاف تماما من الداخل. ربما تارة تمر فترة بلا حدوث أي شيء، لكن الأعراض دائما تظهر عندما تتوقعها الأقل. أحيانا أجد نفسي أنزف داخليا فجأة، سبب مختلف كل مرة. هناك أيضا تلك المرة التي شعرت فيها أن عظامي أصبحت هشة أكثر من غصن شجرة، لم أجرؤ حتى على صعود السلالم ذلك اليوم》.
بينما تكلم، ظلت مشاعر مثل الغضب والألم تكشف نفسها على تعبيره القاتم، كأنه يُخيل حلما مريرا. بينما على الجانب الآخر، استمع فينسنت الذي أنهى وجبته، باهتمام، بلا نية للمقاطعة.
استأنف إلياس:《الأعراض لم تظهر سوى بعد سنوات من ولادتي- أم يجب أن أقول خلقتي؟ لست واثقا. المهم، غرضي من المجيئ إلى هنا هو لرؤية إن كان بالإمكان إصلاح الأعطاب في جسدي، مرة وللأبد》.
لم يطرح فينسنت رأيه مباشرة، بدل هذا، سأل بعناية:《كيف تتولى أمر هذه الأعراض؟ لا أقصد ما تفعل بعد وقوعها. إنما الطريقة لتجنب وقوع الضرر، تأخيره، تقليل تأثيره، سمه ما شئت. لديك طريقة، صحيح؟》.
《أجل، كيف عرفت هذا؟》تلميح طفيف من الذهول ظهر في صوت إلياس، في حين لم يتغير تعبير فينسنت كما لو كان توقع الإجابة.
《لنقل فقط بأنه تخمين موّفق》رد فينسنت بلا تفاخر، وجد الأمر بديهيا فقط. لم يترك الفرصة ليطرح إلياس سؤالا آخر حين أضاف:《سوف أحتاج إلى عينة من حمضك النووي، بضعة قطرات من دمك ستكون كافية في الوقت الحالي. أحتاج أيضا إلى القيام بخزعة. العقار أو المحلول الذي تستخدمه لأجل تأخير الأعراض.. سوف أحتاج إلى بعضٍ منه أيضا، بالنسبة إلى المقدار.. لا حاجة للعجلة، أي مقدار سوف يكون كافيا حاليا، فهو لفحص أولي فقط》.
لم يكن إلياس متفاجئا من طلبات فينسنت التي وجدها معقولة جدا. سرعان ما رد:《أملك بعض الحُقن التي تساعد على تقليل تأثير الأعراض التي قد تظهر، يمكنك إستخدامها》.
《أجل، وشيء آخر..》تكلم فينسنت برسمية، حدق في إلياس بعيون بنية داكنة وقال بجدية:《غني عن القول أن ما تسألني إياه ليس طلبا سهل التلبية، لذا فليكن في حسبانك أن ما سأقوم به هو محاولة وليس أمرا مؤكدا. إن نجحتُ فهنيئا لكلينا، إن فشلتُ فسوف يكون الأمر مؤسفا. باختصار.. لا ترتقي بآمالك》.
لم ينطق إلياس لعشر ثواني تقريبا. رفع يده اليمنى وأشار بإصبعه بإتجاه فينسنت، وبتعبير مُهيب فتح فمه:《ابقي هذا في ذهنك ولن تكون هناك مشاكل بيننا- أنا لن أكون فأر تجارب في قفص. قد يعني نجاحك أمرا، لكن الفشل قد يكلفني أكثر مما تتصور.. هذا لن يكون مثل لعبة متعددة الجولات》.
رفع فينسنت كوب قهوته عاليا، وأسقط تعبيره الجاد بابتسامة، وقال:《اعتبرها تمت》.
نظر فينسنت لتذكير إلياس كأمر مسلم به، فكما قام هو بتذكيره الخاص توا، لم يتوقع من إلياس أن يصمت ويُقدم ثقته على طبق من فضة إلى شخص يلتقيه لأول مرة.