بعد خروج نويل من المعمل، عاد للأسفل واستعاد حقيبة المال خاصته، ثم خرج من المنزل بلا إقفال الباب. لم يكن المبنى مع الشقق للإيجار الذي يسكن فيه يبعد عن منزل فينسنت أكثر من خمس دقائق سيرا. بعد إستخدام المصعد للوصول للطابق الثاني، دخل نويل شقته المكونة من غرفتي نوم، حمام، ومطبخ.
كان أول ما فعله نويل هو أخذ حمام وتبديل ملابسه التي تلطخت بدم غير ملحوظ، ثم إفراغ حقيبة القماش وإعادة عدّ النقود. بعد الإنتهاء، ذهب للمطبخ الفارغ نسبيا، وعند الطاولة الرخامية المثبتة بالأرض، انحنى وهو يضغط بيُسراه على أحد جوانبها. سرعان ما فقدت يده احساسها الجسدي ومزقت طريقها للداخل. رفع نويل الحقيبة في يمناه ودفعها نحو جوف الطاولة الرخامية، تاركا إياها تعبر مثل شيء تلاشت ماديته.
لم يكن للطاولة الرخامية أي أدراج أو أبواب ذلك الجانب، مما ترك الطاولة تعود لحالها كأن شيئا لم يكن، مع نويل هو الوحيد القادر على استخراج النقود بلا تحطيم الرخام.
…
في المعمل بمنزل فينسنت.
كان إلياس جالسا على المقعد الدوار كاشفا عن ساعده الأيسر على الطاولة، مع إبرة محقونة في وريده. عبر السائل القرمزي خلال الأنبوب ببطء، وتقطّر في عبوة بلاستيكية شفافة صغيرة. ظل إلياس يشاهد الدم يملأ نفسه، حين قال:《ألم تقل أنك تحتاج بضعة قطرات فقط، ما الأمر مع العبوة؟》.
فينسنت، الذي وقف على الجانب ممسكا بقارورة زجاجية، التفت نحو إلياس. أجاب:《لا تقلق بهذا الشأن، فما دامت مشكلتك لا تتعلق بدمك، فملئ عبوة أو ثلاث لن يشكل ذاك الفرق ولن يؤثر عليك بقدر ما تعتقد. قد تشعر بالدوخة، الإرهاق، هذا كل شيء》.
《ثلاث؟ من قال أنني سأسمح لك بأخذ المزيد من دمائي الغالية》رد إلياس باعتراض.
لم يحتج فينسنت سوى مقدار قليل من الدم حاليا، لذا تخلى عن الرد ومحاولة الإقناع العابثة. عاد بعيونه نحو القارورة الصغيرة التي تحوي سائلا أزرق باهت اللون، وسدّادته التي هي عبارة عن قطعة مطاطية. كان هذا السائل الأزرق الأثيري هو المحلول الذي طلبه فينسنت. حسب قول إلياس، فهو يتولى علاج أو تقليل تأثير الأعراض التي قد تظهر، يعتمد الأمر غالبا على ما يظهر من أعراض.
تمهل إلياس قليلا قبل أن يطرح السؤال الذي جال ذهنه منذ فترة،《إذن يا.. فينسنت، ما هو عملك بالضبط؟ لأنك حتما تبدو واثقا مما تفعل》.
وضع فينسنت القارورة على الطاولة أمام إلياس، كما أجاب:《يمكنك القول أنني مستكشف.. لكن ليس بالمعنى الحرفي، فأنا عالِم كما يصفني معطفي. درستُ عدة مجالات منها الهندسة والميكانيك، القليل بشأن تاريخ الخوارق أيضا. هذا الأخير بدأتُه مؤخرا فقط. إن أردت وصف عملي باختصار فهو استغلال ما أجيد القيام به لكسب المال. حالة ربح ربح》.
"مستكشف" كرر إلياس داخليا، وشعر أن هذا وصف منمق لما تلاه فينسنت من كلام، لكن فور أن أمعن التفكير، شم رائحة أمر خاطئ. الذهول الذي حمله تعبيره تحول إلى شك وارتياب مع تخمر أفكاره، "هندسة، ميكانيك، وتاريخ.. هذه بالتأكيد الكثير الأشياء، الكثير لدرجة تجعلك تشكك في مصداقية هذا الرجل. رغم أنه محق بأمر المعطف" .
قمع إلياس سيل الأفكار التي لا أساس لها، لكنه لم يترك الصمت يطول، وألقى بسؤال آخر،《كيف تعرف لوسيل بالمناسبة؟》.
《بالنسبة لشخصٍ يحب الثرثرة، فلا يبدو أنها أخبرتك الكثير》سار فينسنت للكرسي في ركن الغرفة، كما قال بنبرة فيها شيءٌ من التسلية. بعد أن جلس، نظر لإلياس متبسما بخفة، وأضاف:《كلماتك، وليست كلماتي》.
رغم قول هذا، لم يمانع فينسنت في الإجابة بصدر رحب،《تعدد المجالات يتركك مع الكثير من المعارف. مثلا كميكانيكي، يأتي إلي البعض في سبيل إصلاح مختلف الآلات والأجهزة، وأحيانا أخرى حتى الصنع حسب الطلب. أختك هي أحد الزبائن المنتظمين إن صح التعبير》.
أومأ إلياس رأسه في تنوير. حينها، سمع فينسنت في اللحظة التالية يقول:《إذن أعتقد أنه دوري. لدي سؤالين بطبيعة الحال》.
《هاه؟》شعر إلياس وكأنه أساء السمع، لأنه احتاج لحظة لاستيعاب كلمات فينسنت. رد بلهجة نصفها متسائل ونصفها ساخط كما لو تعرض للغش:《لم أكن أعلم أن هذه جلسة لطرح الأسئلة؟》.
استجاب فينسنت بنظرة صامتة. استمر هذا الحال خمس ثوان قبل أن يطلق إلياس زفيرا ملطخا بهالة عكرة ويقول:《فقط إسأل ما لديك وخلصني》.
بينما لعب بكرة مطاطية صغيرة بقربه، سأل فينسنت:《بين الفترة التي اكتشفت فيها أنك مستنسخ، والفترة التي بدأت فيها الأعراض بالظهور، كم؟》.
استجاب إلياس:《لا حاجة للف والدوران، إن كان لأسئلتك علاقة بمسألة علاجي فلا أمانع إجابتها على كل حال》.
أومأ فينسنت بخفة مبينا عدم اعتراضه، لذا استرسل إلياس بالقول:《علمتُ بأني مستنسخ بعد فترة ليست طويلة من ولادتي. أما عن الأعراض فكما قلتُ سابقا، كانت بعد سنوات لاحقة، وتحديدا، قبل سنة ونصف》.
《سؤالي الثاني إذن..》قائلا هذا، أخفض فينسنت رأسه للأرض ورفع إصبعين حديديين. أطلق همهمة مسموعة وكأنه يعصر دماغه بحثا عن سؤال لطرحه.
رفع فينسنت رأسه وعلى وجهه تعبير بليد. قال بلهجة متراخية:《ماذا عن.. لماذا صبغت شعرك؟》.
ارتفع حاجب إلياس معربا عن استغرابه. قال:《أي نوع من الأسئلة هذا؟》.
《سؤال بريء لا أكثر》قال فينسنت بهدوء،《إن كان لا بأس بأن تسمع تخميني فسوف أقوله. لقد فعلتها لأنك تتوق لأن تصبح فردا مختلفا عن ذاتك الأصلية، شخصية مستقلة إن صح التعبير. لا أحد يُبقي صورتان متطابقتان في ذات المحفظة بطبيعة الحال. هل أنا قريب من كوني محقا؟》.
بعد لحظة صمت، قال إلياس بامتعاض:《ليس حتى قليلا.. السبب الوحيد لفعلي إياها، هو لأني خسرت رهان مع أحدهم》. وابتسم بمرارة كأنما يستذكر ذاكرة سيئة وقال:《رهان من يستطيع وضع أكبر عدد من حلوى الخطمي في فمه دفعة واحدة.. وكما ترى، أنا خسرت》.
وقف فينسنت فجأة وتوجه لأجل المخرج آخذا الكرة المطاطية معه. قال فينسنت وعليه أثر إبتسامة رآها إلياس كابتسامة متعجرفة:《إذن الأمر كان هكذا.. وأنا الذي أعتقدت أن تخميناتي دائم تصيب》.
عبوس إلياس بدا داخليا أكثر من ظاهريا وهو يرمق فينسنت بعدم إعجاب. قال:《أعتقد أن شاهدت أكثر مما ينبغي من الأفلام فبدأت تظن نفسك طبيبا نفسا أو ما شابه》.
《من الممكن》قال فينسنت بلا مبالاة، ثم اختتم قائلا:《يمكنك نزع الإبرة حالما تمتلئ العبوة》.
في غضون بضع الدقائق التي مرت، امتلأت عبوة الدم بأكملها ونزع إلياس الإبرة من يده، ذلك حين سمع خطى أقدام تقترب. لقد نظر للمدخل وهناك رأى الصبي ذو العيون الزرقاء السماوية.
قال نويل بلا تفاجئ:《أنت مازلت هنا》.
قال إلياس:《الفتى، ما الذي تفعله.. صحيح، قلتَ أنك تعمل هنا》.
كان نويل على وشك أن يسأل عن مكان فينسنت، عندما شعر أن السؤال كان غبيا جدا ولو كان طريقة لخلق حوار. ألقى نويل نظرة عابرة على عبوة الدم، حين قال إلياس:《إذن ما هو عملك هنا؟ هل أنت مثل مساعد لفينسنت ذاك؟》.
《أشك أن شخصا في في كامل قواه العقلية سوف يختار أن يصبح مساعدا لذلك المخبول》أجاب نويل وهو يقترب من حائط الرفوف المعدنية، أخذ كومة من الشموع، البعض مستخدم ونصف ذائب، والبعض الآخر جديد غير مستخدم. ثم، وتحت أعين إلياس، التقط نويل زجاجة السيزا بيرل التي على الطاولة في طريقه للخارج. قال مع توقف قصير:《حسنا.. كان من اللطيف مقابلتك يا أحمر الشعر. ربما أراك لاحقا》.
وقف إلياس وحيدا في المعمل، حين قال بتهكم:《دردشة لطيفة》.
ذهب نويل للطابق السفلي، ليجد فينسنت مستلقيا على الكنبة المزدوجة مع الكرة المطاطية تقفز من يد لأخرى. واضعا رجله اليمنى على اليسرى، عدم حركته جعلته يبدو وكأنه لم يلحظ دخول نويل. بلا مستوى عالي من الاهتمام، بادر نويل بالحديث:《إذن ما هي قصته؟ أحمر الشعر الذي بالأعلى. هل قال اسمه إلياس؟》.
توقف فينسنت عن رمي الكرة المطاطية، نظر لنويل من زاوية عينه وأجاب برسمية:《أهذا شيء تحتاج لمعرفته؟ لأنه لا يمكنني أن أخبرك حتى تُوقع على اتفاقية عدم الإفشاء.. إنها سياسة سرية العميل》.
《لا يمكنك أن تكون جادا》لم يظهر نويل أي لمحة من خيبة الأمل. سار متجها نحو المطبخ الصغير عديم الباب، مختتما بالقول،《إن لم يكن بالأمر الكبير فلستُ مهتما》.
وهو يُعدل جلسته، إنتبه فينسنت لزجاجة السيزا بيرل في يد نويل، فأوقفه بتعبير فاتر،《أنت تعلم بأن هذا الشيء سام، صحيح؟》.
《أنت بالكاد تستخدم المطبخ على كل حال، لذا لا أرى المشكلة حقا》برر نويل.
تنهد فينسنت مجيبا:《لا أعلم إن كنت تعلم هذا، لكن يدي الحديدية لا تجعلني منيعا ضد السموم، أعني.. أتمنى لو أنها تفعل، لكن الحياة ليست عادلة، أتفهم ما أعني؟》.
《لا، ويجب عليك فحص مخك》قال نويل بشكل قاطع، وذهب بلا إنتظار الرد.
تنهد فينسنت بعمق، في حين قام برمي الكرة على الجدار وأمسكها مجددا بعد أن إرتدت. باام! اخترق صوت ارتطام خفيف السقف فرفع فينسنت رأسه غريزيا. في أقل من خمس ثوانٍ، رنّ صوت صرخة مليئة بطعم الألم في آذانه، كانت مصحوبة بضجة صاخبة على أرض المعمل المعدنية، وكأن هناك شخصين يتشاجران من غير اعتبار للعواعق، محطمين كل ما اصطدم بهما.
هرع فينسنت للأعلى بأسرع ما يمكنه، وهناك صُعق من المشهد أمامه. مضرما بالنار، كان إلياس يتلوى على الأرض، يصارع بشدة لإطفاء ألسنة اللهب الصغيرة التي تلتهمه.
تقلص بؤبؤ فينسنت من الذهول والصدمة. لم يراوده الشك بما يجب فعله، لقد اندفع بأقصى سرعته تجاه مجموعة الأغراض الموجودة بجانب حائط الرفوف المعدنية، وأخرج طفاية حريق أعدّها لمثل هذه المواقف. فور أن أشار فينسنت على إلياس الذي توقف عن المقاومة وغاب عن الوعي، ضغط المفتاح وترك الخرطوم القصير يطلق الرغوة البيضاء، التي تولت إخماد كل أثر للنيران في لحظات وجيزة.
《ما الذي حدث هنا؟》واقفا أمام المدخل، قال نويل الذي لم يكن أقل تفاجأً من المنظر، بعد أن جاء على أثر الضجة.
《لقد احترق》بتعبير مضطرب قليلا، أجاب فينسنت تلقائيا بينما عقله منصب على شيء آخر. أسفل طاولة الأوعية الزجاجية، كان هناك العديد من الأغراض التي سقطت أثناء كفاح إلياس. وسط ما تكسر، وبين ما لم يُصب بخدش، كان الفانوس الشبه عتيق محطما، انطفأ قلبه وتبعثرت شظاياه حول المكان. تجعدت حواجب فينسنت وهو يهمس بصوت غير مسموع:《أخبرني أن هذا لا يحدث》.
رد نويل بإنفعال شديد:《هل تهتم بالشرح أكثر؟》.
رمى فينسنت بطفاية الحريق جانبا، ولم يتخلى عن توازن وتيرة أنفاسه، بتعبير يصعب شرحه، قال:《يمكننا مناقشة متى وأين وكيف لاحقا، حاليا.. يجب أن نأخذه للغرفة البيضاء لتولي أمر الحروق》.
《هل جُننت!》قال نويل في استنكار،《أنظر إليه، لا أعلم كم من الوقت وأنت تلعب دور الطبيب، لكن مما أراه فالمكان الذي يحتاج أن يكون فيه هو المستشفى ولا غير، وخصوصا ليس منزلك》.
《لا أعلم ما أقول.. أشعر بالإهانة》هز فينسنت رأسه ببطء كأن كل شيء حوله لا يهم،《أحقا تظن بأني لا أعرف ما أنا بفاعل؟》.
رد نويل بتعبير كان الشك محوره:《أتعلم ماذا تفعل؟》.
غرق الاثنان بموجة من تبادل النظرات لثانيتين أو ثلاث، عندما رد فينسنت:《أنا لن أؤكد أو أنفي هذا السؤال، لكني أستطيع الاتصال بأماندا إن أردت، للحيطة فحسب … الآن، ماذا سوف يكون خيارك يا نويل، التفرج أم المساعدة؟》.
حدق نويل في الجسد المحترق أمامه بتعبير مشدود، لم يكن قد اقتنع بكلمات فينسنت المراوغة المعتادة، لكن بصرف النظر، فهو يؤمن أنه يعرفه كفاية ليدرك أنه لن يترك إلياس للموت. بدون الفرصة للتفكير المتأني، صرّ بأسنانه وألقى بصره على فينسنت قائلا:《من الأفضل لك أن تكون تعرف ما الذي تفعله》.