في رواق عريض ذو سقف شاهق، حيث حكم الظلام وساد الصمت. وجد إلياس نفسه واقفا يحدق في الفراغ بأعين واسعة وفمٍ متدل، مثل فزاعة جامدة، يشعر بأطرافه تأبى التوقف عن الارتعاش. كان الألم قد تلاشى كما لو لم يكن موجودا، لكن الشعور الموجع بالاحتراق بدا مطموسا في جسمه بطريقة ما. كانت ربطة العنق وباقي ملابسه سليمة من أي ضرر.
هل أنا ميت؟
عبرت فكرة باله، لكن لم تمر برهة وجيزة حتى دحضها؛ فقد أحس بالهواء الدافئ يدخل ويخرج عبر أنفاسه، وقلبه ينبض بحيوية بشكل طبيعي.
"ولكن أين أنا؟" استجمع إلياس جزءا من أفكاره المشتتة وسأل نفسه. ألقى نظرة متفحصة على الرواق الكبير الفارغ، لينتبه وقتها للدليل الذي قد يساعده على معرفة مكانه- النوافذ العالية التي لا يُرى من خلالها شيء.
حرك إلياس أقدامه بلا تراخي ناحية النوافذ العالية، وهناك ألقى بصره. بجانب العتمة المسيطرة، كل ما استطاع رؤيته هو أنوار متوهجة باللون الفيروزي الغير منتظم، تشبه أضواء الشفق، تطوف في الأفق مثل سحابة غبار بلا وجهة ولا مظهر محددين.
تحرك إلياس ناحية النوافذ العالية وأخذ نظرة. بجانب العتمة المسيطرة، كل ما استطاع رؤيته هو أنوار متوهجة باللون الفيروزي، تشبه أضواء الشفق، تطوف في الأفق مثل سحابة غبار بلا وجهة ولا مظهر محددين. عند هذه النقطة، بدا وكأن عقله أفلت لوهلة، لم يكن له إلا أن تكلم بتهكم لاذع وجد طريقه بأعجوبة عبر شخصيته:《هذه ليست الجنة، صحيح؟ لا يمكن أن تكون. أين كل ال.. البهجة، والألوان المشرقة؟ لست متأكدا عن ما أبحث، لكنه حتما ليس بأمر شبيه من هذا》.
…
في غرفة الجلوس بمنزل فينسنت.
جلس نويل يستريح على الأريكة الأرضية، الإرهاق مكتوب في جميع أنحاء وجهه، نفسيا أكثر من جسديا، حيث إنتهى منذ فترة من مساعدة فينسنت في مداواة الإصابات التي تلقاها إلياس. لم يكن التعامل مع الحروق من الدرجة الثالثة أمرا بسيطا ولا مهمة سهلة، وتطلبت عدة أشخاص، بصرف النظر، كون نويل هو الوحيد معه حاليا، فينسنت استعان به للمساعدة.
من خلال الباب الذي يجاور باب المطبخ، دخل فينسنت غرفة الجلوس، حاملا معه دفتر كبير كتب فيه الملاحظات عن حالة إلياس.
رأى نويل أن فينسنت لم يكن يخطط لقول أي، لذا بادر بالسؤال:《كيف هو الآن؟》.
دون الخوض في التفاصيل، أجاب فينسنت:《ليس جيدا. أنت رأيته، تلك الحروق التي تلقاها ليست بالهينة، سوف يستغرق الأمر أشهراً لتلتئم وندوب بشعة ستظل بلا زوال. على كلٍ فأنا شاكر لوجودك هنا معي》.
《لماذا، هل تحتاج لدعم عاطفي أيضا؟》لم يفوت نويل هذه الفرصة للاستهزاء ورد بلا كلل.
فينسنت لم يمانع، بل ابتسم عوضا، قال:《هذه ليست بمهمة رجل واحد، وخصوصا ليس واحد بيد حديدية مثلي. أيضا، بهذه الطريقة، عندما يموت صاحبنا بالداخل فمن الجيد أن يكون هناك من يشاركك اللوم》.
"أنت تتمنى" رد نويل سرا، رافضا أن يكون للإستفزاز العكسي تأثير عليه. قاوم التغيير في تعبيره وصحح كلمات فينسنت السابقة من "عندما يموت" إلى "إذا مات" .
تغاضى فينسنت عن الرد، ولم يرفع رأسه عن الدفتر بين يديه. قلب الورقة المصفرة للأخرى، وأخذ القلم عن معطفه، لقد كتب:
"وضعت محلول رينغر اللاكتيكي لأجل استعادة السوائل المفقودة"
"الحروق أسوأ مما تصورت، الظهر، المعدة والجذع، سأقول أن نسبتها في جسده 35%، يبدو هذا منصفا"
"لا يمكن إجراء الفحوصات العادية أو حتى تلك المخطط لها، وإلا فسوف أكون ألعب رهانا خاسرا أمام احتمال نشر العدوى، خصوصا في المناطق الحافلة بالبكتيريا. بالنسبة إلى مهمة (إصلاح العطب) فلا محال من تأجيلها"
"رغم أن الغرفة البيضاء غير مجهزة بشكل كامل لمثل هذه الحالات، إلا أنني إستطعت تدبر أمري، تركت نويل يحضر ما ينقصني وأخذت غفوة"
"سبب الاحتراق..".
عند هذه النقطة، توقف فينسنت عن الكتابة، تمعن بما كتبه بعمق وأفكاره لغز. ذلك حين تكلم نويل الجالس بالجانب الآخر من الغرفة، يقول:《من كان يعلم بأنك بارع في دور الطبيب لهذه الدرجة، هل يعلمون الطب 101 في المرحلة الإعدادية بمدارس رانوبيل وأنا لا أعرف》.
تذكر نويل الطريقة التي تعامل فيها فينسنت مع حالة الاحتراق، ووجدها أقرب للاحترافية، في صوته إشارة غير واضحة للانبهار والتقدير.
《ليس شيئا بهذه الرفاهية》فينسنت نفى، مع إعطاء إبتسامة تجاه المبالغة المقصودة.
استأنف قائلا:《طفل في العاشرة هو طفل في العاشرة، هناك بعض الاستثناءات مثل أولئك الذين يملكون معدل ذكاء عالي، ولكن كيف يمكن لشخص لم يتجاوز الخامسة عشر أن يسمى نابغة حقا؟ إن كنت سوف تحشر هذا النوع والحجم من المعلومات في عقل طفل فسوف ينفجر، صانعا دوووش دوووش بااا!》ولوح بيديه في الهواء محاكيا أصوات مفرقعات.
قال نويل:《دووش دووش ماذا؟》.
رد فينسنت وكأن الإجابة جلية:《أنت تعلم.. صوت الألعاب النارية》.
...
في الرواق الذي بدا كأنه ينتمي لأحد القصور القديمة، أكمل إلياس السير سبيلا في استطلاع المكان، مع اليقظة بجانبه، وتعبير مشوش يغلبه الارتباك على وجهه. يعرف الإله وحده كم الفترة التي مرت عندما دخل شيئا أخيرا مرمى بصر إلياس.
على بُعد عشرات الخطوات للأمام، جلس شخصٌ على عتبات درج متفرع الجهات. بعد توقف مؤقت، اتخذ إلياس القرار الجلي، إلا وهو الذهاب إليه، متخليا في ذات الوقت عن فكرة الصياح بصوت عالي مقدما وتنبيهه. شعر أن العجلة والتهور قد لا يكونون أفضل طريقة للتعامل مع موقفه الحالي؛ لم يعرف ما الذي ينتظره بعد كل شيء.
تكونت الصورة البشرية للشخص في الأمام وصار أكثر وضوحا كلما زاد إلياس - الذي لم يغير وتيرة خطاه - قربا. مع علامة استفهام كبيرة على رأسه، توقف إلياس فجأة حين رحبت به الإطلالة التي واجهها الرجل على الدرج. كان في الخلفية قاعة هائلة الحجم. واقفا عند أعتاب الدرج متفرع الجهات، رأى إلياس عددا من الأعمدة التي ترفع السقف ذو القبة الضخمة. بدا الصرح فخما ونبيلا وقديما في ذات الوقت، ولكن الأكثر من ذلك، فقد كان اعجازيا.
مع تعبير منبهر، فُتحت عيون إلياس على نطاق واسع أمام منظر لم يشهد له مثيلًا من قبل، لدرجة أنه نسي ما كان مقبلٌ على فعله. في اللحظة التالية، سمع إلياس الصوت الذي أعاد قطار أفكاره لمساره، فالتفت باتجاهه فورا.
《مرحبا بك》رافعا يده في تحية، قال الرجل الجالس على الدرج متبسما.
كانت المسافة التي تفصل الإثنان بضعة أقدام قبل أن يدرك إلياس. تحدث بنبرة حاول أن تبدو قوية:《من تكون أنت؟》.
《مرحبا بك أيضا》لم يبدو الرجل منزعجا وهو يرد تحية نفسه. بدا مظهره في الثامنة والعشرين، كان يرتدي بزة سوداء أنيقة تعطيه مظهرا ناضجا. نظر لإلياس بعيون ذهبية لامعة تشبه الأجرام السماوية في الظلام، وسأل:《لما لا تتفضل بالجلوس؟》.
ولم يكن قد نفض الشك عن قلبه، عندما أخذ إلياس راحته بالجلوس هو التالي. حينها، أخذ الرجل المبادرة لكسر الجليد، قائلا بنبرة يصعب التفريق إن كانت سخرية أم مديح:《ربطة عنق جميلة، أنها تلائمك جدا》.
لم يكلف إلياس نفسه عناء تبادل المجاملة، وقال:《شكرا، كانت بنصف السعر》.
أسند الرجل يديه للأرض وهو يميل للخلف، يتأمل القصر البديع. أوشك إلياس على إعادة توجيه سؤاله السابق، عندما تحدث الرجل فجأة:《هل أنت مُلم بماهية أرواح بوهيموس؟》.
《أرواح بوهيموس.. أشعر أني سمعت بها من قبل》وجد إلياس الإسم مألوفا وانغمس في محاولة التذكر، لم يتأخر كثيرا بالإجابة، إذ اتسعت عيناه وقال بلا تأكيد:《المتسببة في واقعة نوڤوتيل؟》.
كان تعبير الرجل معقدا، حيث لم تحمل ابتسامته أثرا للعواطف مثل الفرح أو الحزن، أجاب معيدا بصره للأمام:《هي بالفعل المعروفة بأنها المتسببة فيها. قبل ثلاثة عشر سنة حلّ فيضان على نوڤوتيل ونسف نصف البلد، أكثر من النصف في الحقيقة، فقط الجزء الشرقي تمكن من تفادي أكبر قدر من الأضرار بسبب الحواجز الموضوعة. مئات الآلاف من الناس لقوا حتفهم ذلك اليوم. الأمواج ارتفعت حتى السماء وضربت كل ما وقع عليها كالجبل. يشاع أن روح بوهيموس التي تحتفظ بها العائلة الحاكمة خرجت عن السيطرة، لكن هذه الفرضية لم يتم تأكيد صحتها》وأضاف بصوت منخفض:《يصعب الأمر حينما لا يكون هناك أي ناجين》.
أخفض أليس رأسه قليلا، يشعر بالرثاء نحو الضحايا. وفقط حين تذكر أن الرجل بجانبه من جاء على ذكر هذا الموضوع، قال:《إذن ماذا بشأن أرواح بوهيموس هذه؟ لما تخبرني بكل هذا؟》.
ابتسم الرجل برفق، وقال متصنعا الحكمة وعدم الاكتراث:《يمكنك اعتباره تذكيرا مبكرا إن شئت، أنت الآن تعلم أن قوة أرواح بوهيموس تعتبر سلاحا ذو حدين. إن تم إستخدامها في غرض الخير فيمكن جلب النعم، وإن كان العكس، فلن يطول الأمر قبل أن يتكرر ما حدث لـ نوڤوتيل مرة أخرى، وربما أسوأ هذه المرة … كل ما علينا فعله هو الإنتظار ورؤية أيهما ستكون أنت، لن يضر الأمر إن أردت أن تكون الطرف المحايد》.
سأم إلياس وقال بلهجة بغيضة:《لا أعلم إن كنت تفعلها عن عمد أم ماذا، لكن الأمر بدأ يزعجني لذا سأقولها- لا أعلم بتاتا عن ماذا تتحدث، تستمر بالقفز من موضوع إلى آخر لكني لست أتبعك. إلى أين تحاول الوصول بكلامك؟》.
《أنت لست من النوع الذي يحب الأقوال المبتذلة، أنا أفهم》فوجئ الرجل للحظة قبل الرد.《حسنا، إن كنت لا تعرف فسوف أخبرك. أنت الآن هو حائز روح بوهيموس النار، سيلفاتور. تهانينا》. ولم تكن تهنئته سوى كلمة فارغة من الفرحة الحقيقة.
مع نظرة غبية على وجهه، لبث إلياس معقود اللسان لفترة طويلة قبل أن يقول:《أنا لا أرى كيف يكون هذا شيئا جيدا لتهنئتي عليه》.
أجاب الرجل بلهجة تشبه إلقاء مزحة:《بهذه الطريقة، إن كنت تريد إشعال سيجارة فلن تحتاج إلى ولاعة.. رغم أنك لا تبدو لي من النوع المدخن》.
رد إلياس بتهكم:《أنت لا تقول》.
عزّى الرجل بنغمة متفائلة:《ابتهج، فعندما تعطيك الحياة ليمونة، اصنع منها عصير ليمون》.
قال إلياس بإبتسامة لا فرح فيها:《بفف اعفني من هراء "الحياة السعيدة" الخاص بك. الشيء التالي الذي سوف تقوله هو: عندما تكون الحياة بائسة فيجب أن نرقص ونغني.. أيضا ليس معي ليمون إن كان هذا ما تعنيه》.
تكثفت إبتسامة الرجل مرتين وهو يجيب في نبرة مهتمة:《ليس إلى هذا الحد. أعتقد أنك فهمت ما أحاول إيصاله، لكنك ترفض تقبله، ينتابني الفضول لما هذا》.
هز إلياس رأسه وضحك، قال:《إعذرني إن كانت حياتي "الرائعة" لا تجعلني..》.
《صمتا》أتى صوت الرجل وقاطعه.
سكت إلياس كما رأى نظرة الرجل، أثر البسمة قد اختفى، وتحول إلى جدية لا تشوبها شائبة. اعترى إلياس الفضول واليقظة، وتردد قبل السؤال:《ماذا، ما الأمر؟》.
أقفل الرجل بصره للأمام، وقال بتعبير جامد:《بغض النظر عن أي شيء، لا تنظر للوراء》.
كان القصر في حالة صمت قاتل. عدا عن حوار الاثنان السابق، فحتى أثر لهبوب الرياح لم يوجد، إن أمعنت السمع جيدا فهناك احتمال أن تتمكن من سماع نبضات قلبك.. أما الآن، بعد أن سكت الاثنان، دخل صوت آخر محيطهم.
كان صوت خطى أقدام!
ارتفع وقع الأقدام الخافت الرتيب ناحية الاثنان. تعبير الرجل وتحذيره جعلا إلياس يصدق بشكل شبه تام بأن شيئا غير سار يقترب من ورائه، لكن لم يكن بإستطاعته منع نفسه بهذه السهولة.. الفضول والحذر شيئان لا يتشاركان ذات الطبق، حيث هزت الأفكار كيانه وخفق قلبه أقوى وأسرع.
تاب.. تاب.. ما لبث الصوت أن تعالا مع اقتراب صاحبه.
كان رأس إلياس مائل تجاه الرجل، لكن دون وعي منه، التفت رقبته أكثر وعينه انطلقت تحاول اختلاس نظرة خاطفة من أعلى كتفه.
فجأة، تقلص بؤبؤ إلياس بحجم دبوس، وشعر بألم شديد تغلغل لصدره، كأن هناك سكين حادة اخترقت قلبه. لم يستطع أن يستجمع نفسا كاملا حتى، وأطلق زفيرا حادا وهو يحرك رأسه لينظر للأمام.
الصورة التي انعكست في عينيه كانت صورة الرجل في البزة السوداء، حيث كان قريبا لدرجة أن أجسامهم بدت متلاصقة. تذبذب تعبير إلياس في ألم وتفاجئ، كما شاهد ذراع الرجل مغروسة بعمق في جسده.
برقت عيون الرجل الذهبية بوميض حاد، وقال برزانة غير متأثر:《قلت لك.. لا تنظر》.
غير قادر على احتواء الصدمة والدهشة، امتزجت العديد من المشاعر في وجه إلياس. بدا وكأنه يحاول بصعوبة فتح فمه لينطق بشيء ما، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل. أخيرا، عيناه اللتان ينبضان بالحياة قد اخفقا في مواكبة هذا الحدث، وتدلت جفونه مثل شخص نعسان لتسدل الستار على رؤياه.