" فطيرة التفاح من فضلك "

" لماذا تأخرت القهوة التي طلبتها ؟ "

ارتفعت الهتافات المختلفة من أكثر من مائدة في بهو نزل الورقة الزرقاء، المكان إمتلأ أو أوشك وأصبح من الصعب جدا العثور على مقعد شاغر، راحت ذات الشعر البني تتحرك في رشاقة تضاهي الفراش بين الزبائن، محيية هذا، مسجلة الطلبات وموصلة إياها في سيل لا يكاد يتوقف، وعلى الرغم من انشغالها إلا أنها لمحت هبوط الحاصد الهادئ على السلالم قبل أن يتوقف وهو يلقي نظرة مندهشة على الزحام.

أسرعت إليه وهي ترسم على وجهها إبتسامة واسعة فأثر العملات في يدها لم يبرد بعد

" أمل أنك قد قضيت ليلة هادئة يا سيدي "

مال ببصره نحوها

" أجل والشكر للفراش الوثير "

ضحكت في خفوت مع عبارته قبل أن تضيف

" إذا ما رأيك في تناول طعام الفطور ؟ "

هز رأسه رافضا ثم أجاب

" ربما في وقت أخر، لدي أمر أفضل الإنتهاء منه أولا "

اكتفى بهذه الكلمات وهو يتجاوزها نحو المخرج، تبعته بمقلتيها حتى غاب عن بصرها لتعود بعدها إلى عملها على الفور.

كان الحاصد وقتها قد قطع بضع أمتار عن مدخل الفندق في خطوات هادئة وملامح مسترخية لكنه توقف فجأة لثوان رفع رأسه فيها إلى السماء قبل أن يعاود السير وهو يصفر بنغمات لحن كان مشهورا على وقته، متمهلا راح يمشي وهو يستفسر من المارة عن موقع قاعة البلدة، لم يكن الوصول إليها صعبا، ربع ساعة تقريبا هو الوقت الذي احتاجه للوصول، مبنا من طاربقين، لا ضخم ولا صغير، واجهته الخارجية تم تنسيقها وزخرفتها بشكل لا بأس به، خطا إلى الداخل ليجد نفسه في قاعة واسعة احتل مكتب استقبال يقف خلفه رجل كهل الطرف المقابل له منها، مجاورة لسلالم خشبية تقود نحو الأعلى، فيما شغل الجانب الأيسر عدد من المكاتب الصغيرة أو المنفردة في حين اكتفت الجهة اليمنى باحتوائها على عدد من المقاعد والأرائك.

رفع الحاصد حاجبه في شك وهو يتمتم

" تبدو إلى النقابة أقرب من قاعة البلدة "

.

" هل من خدمة أيها السيد ؟ "

ارتفع الهتاف من الرجل الكهل والذي راح ينظر إليه في مودة ، تقدم منه في هدوء حتى وقف بالقرب من حافة المكتب

" أرجو المعذرة ولكن أهذه قاعة البلدة ؟ "

ابتسامة صافية وجدت طريقها إلى فم الرجل ليجيب في لهجة من تعود السؤال وهو يعبث في لحيته التي اختلط البياض بسوادها

" أجل، نحن بلدة صغيرة لهذا نحاول الإستفادة من المساحة قدر المستطاع، قاعة البلدة ونقابة المغامرين في نفس المبنى، نحن تستخدم الطابق الأول للأمور النظامية في حين يستخدمون الطابق الثاني لأعمالهم، والآن أخبرني كيف أستطيع مساعدتك ؟ "

" في الحقيقة وصلت البارحة فقط إلى هنا ونتيجة حادث مؤسف فقدت أوراقي، قابلت أحد الحراس و ... "

قاطعه الرجل فيما ابتسامته تتسع

" إذا أنت السيد فاليس، لا داع للقلق، القائد ألبيرت كان هنا منذ قليل وشرح كل شيء، تعطافي التام مع ما حصل لك، بالتأكيد هي تجربة غير سارة، فقط أحتاج إلى إجابتك على بعض الأسئلة وسننجز الأوراق خلال وقت قصير "

أنهى حديثه وهو يضع ورقة مستطيلة الحجم ذات لون بني وأطراف مزخرفة في المسافة بينهما قبل أن يتناول ريشة أنيقة من جانبه ويبدأ بالكتابة، لم يستغرق الأمر سوى بضع دقائق حتى حصل الكهل على جميع المعلومات التي احتاجها، أعاد كل شيء إلى مكانه ومن ثم لمس طرف الورقة، أضئيت الكلمات المكتوبة بضوء أزرق باهت، أشار الرجل إلى الحاصد بأن يلمس الورقة بدروه ولم يكد يفعل حتى تضاعف الوهج لثانية أو اثنتين قبل أن يعود كل شيء كما كان. 

في خفة قام الكهل بطي الورقة ومن ثم سلمها للواقف أمامه

" وهكذا ينتهي كل شيء، أتمنى لك إقامة مريحة في بلدتنا"

وضعها الحاصد في جيبه وانصرف دون مزيد من الكلام، تابعه الرجل حتى اختفى قبل أن يتمتم في وقار

" يالشباب اليوم، دائما مستعجلون "

قالها وهو يعود إلى عمله في حين غادر ذو الشعر الأبيض المبنى بنفس الخطوات الهادئة، تمطط في كسل

" الطقس جميل، ربما علي القيام بجولة على الأقدام لتزجية الوقت "

بدا صوته مرتفعا بعض الشيء لكنه تحرك مباشرة بعدها، لما يقارب الساعة راح يسير في شوارع البلدة الراقية وهو يكتفي بالتطلع إلى المباني، المتاجر والمعروضات، قاده السير في النهاية إلى الأطراف الجنوبية للبلدة حيث الحقول على مرمى البصر ولكن لا بشر.

توقف عن السير في منتصف الطريق لثوان قبل أن يهتف بصوت مرتفع

" حسنا، لا داع لمزيد من الإختباء، أعرف جيدا أنكم تتبعونني منذ غادرت نزل الورقة الزرقاء، اظهروا لننهي هذه اللعبة السخيفة "

كان الصمت وحده هو الإجابة، ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه فيما يفرقع أصابع يديه في قوة وقد برقت عيناه

" لا بأس، يبدو بأن الفئران تظن أن بقاءها في جحورها سيحميها، دعوني أثبت لكم خطأ هذه الفكرة "

ضرب الأرض بقدمه اليمنى في سرعة، مضت بضع لحظات همس بعدها

" كما توقعت هم ستة أشخاص، الآن لنبدأ عملية صيد الجرذان "

فتح كفه تاركا لكرة من اللهب الأرجواني بالتشكل حتى أصبحت بحجم نصف ذراعه تقريبا، هنا انقبضت عضلات ساعده وهو يقذف الكرة نحو الأعلى والتي ارتفعت لعشرات الأمتار قبل أن تتوقف في الهواء بغتة.

" انسفيهم "

لم تكد هذه الكلمة تغادر فمه حتى انقسمت الكرة إلى ستة أعمدة من اللهب واندفع كل واحد منها في نحو الأرض في اتجاه مختلف و بسرعة فائقة.

أصوات الألم والمعاناة سمعت في وضوح، أحدهم ظهر من خلف إحدى الأبنية وقد تحول إلى كتلة من اللهب، صرخات الألم لم تنقطع منه وهو يركض بلا هدف والنيران تلتهم جسده وقد فشلت كل محاولاته في إخمادها، في النهاية سقط أرضا فاقد الحركة والروح.

حينما خمدت الأصوات تحرك الحاصد في بساطة نحو إحدى البيوت قبل أن يدور حولها، في الجهة الخلفية وجد ضالته، الرجل الواقع على الأرض وقد احترق جزء لا بأس به من جسده ولكنه وعلى عكس البقية قد ظل حيا .

لا شيء يخرج من فمه سوى الأنين وهو لم يعد قادرا على الحراك، دون رحمة انحنى الحاصد ممسكا به من مقدمة شعره وجاذبا رأسه نحو الأعلى، شهق الرجل وهو ينظر بعينين متسعتين نحو خصمه، ابتسامة باردة ظهرت على وجهه ماثلت لهجته القوية

" والآن سنلعب لعبة أنا أسأل وأنت تجيب، ولعلمك أي محاولة للتظاره بالشجاعة سيكون عقابها قاسيا جدا فلست في مزاج للعبث يا هذا هل كلامي واضح؟ "

ببقية قوة هز الرجل رأسه مؤكدا والرعب قد رسم نفسه على ملامحه في وضوح

" من أرسلكم خلفي ولماذا ؟ "

ارتجف جسد الرجل فيما عيناه تدوران في محجرهما في سرعة وقد بدا التردد على وجهه لكن الحاصد أحكم قبضته على مقدمة شعره ليصيح في ألم

" توقف توقف، السيد ميراس هو الذي أرسلنا، لم يخبرنا بالسبب ولكنه كان واضحا بأن هدفنا يقيم في نزل الورقة الزرقاء، هذه كانت الأوامر "

ضيق الحاصد عينيه في عدم تصديق ليهتف الرجل في هلع

" أقسم لك أن هذا ما حدث "

مضت ثوان قبل أن يسأل الحاصد من جديد

" ومن هو ميراس هذا ؟ "

" مساعد رئيس البلدة الجديد، للدقة كان مساعد السيد بلان الرئيس السابق أيضا "

" مساعد الرئيس "

تمتم الحاصد وعقله يستعيد شريط المحادثة بينه وبين بلانس، مساعده كان أحد الذين خانوه، يبدو بأنه هو نفس الرجل

لحظات من الصمت كاد قلب المصاب فيها يتوقف من الرعب والألم فيما الحاصد يكتفي بالنظر إليه

" وكيف عرفتموني بهذه الدقة ؟ "

ظهر التردد على وجه الرجل، ضيق الخاصد عينيه قبل أن يفرقع اصبعه لتظهر من العدم ألسنة من اللهب وتبدأ في التهام ساقي الرجل دون رحمة، عاد المطارد يصرخ من الألم فيما الدموع قد بدأت بالانهمار من عينيه

" هذا فظيع، أرجوك توقف، الألم يقتلني، لدي أطفال وزوجة أهتم بها، سأخبرك بما تريد ولكن أتوسل إليك هذا يكفي "

النظرة الباردة لم تتغير لكن فرقعة الأصابع حدثت من جديد لتختفي النار كما ظهرت فجأة، راح الرجل يلهث من الألم وقد عجز عن السيطرة على دموعه، لكن يبدو بأن كلمة الرحمة ليست في قاموس بطلنا اليوم إذ هتف

" والآن بدون المزيد من إضاعة الوقت، أجب على السؤال "

" هو من أخبرنا، عميلنا في النزل هو ... "

شهقة قوية انطلقت من حلق الرجل قبل أن يهمد جسده مفارق الروح، رفع الحاصد رأسه على الفور ليلمح تلك الإبر الحديدة وقد انغرزت في ظهر وأسف رأس الرجل، قفز إلى الخلف فيما جدار من اللهب قد ظهر أمامه ليلتهم الإبر الحديدة التي أوشكت على إصابته.

استعاد توازنه على الفور وهو ينظر نحو الأمام، على بعد بضع أمتار كان واقفا، بدا له نحيلا وذات قوام ممشوق، الثياب السوداء هيا ما تغطيه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، وقف في ثبات من لا يخشى شيئا، تبادلا النظرات لوهلة قبل أن يتحدث الحاصد في سخرية

" يالها من طريقة فظة لمقاطعة الأخرين يا هذا، لو لم تتدخل لكنت حصلت على بعض المعلومات المهمة، ولكن لا بأس سأنتزع ما أريد منك قبل أن أرسلك إلى العالم الأخر "

اكتفى خصمه بأن أخرج سيفا متوسط الطول من خلف ظهره ليندفع بعدها بسرعة هائلة، تجنب الحاصد الضربة في اللحظة الأخيرة وهو يقفز جانبا، لكن الخصم استدار على الفور وهوى بسلاحه من جديد، تحرك ذو الشعر الأبيض من جديد جانبا لكنه كان متأخر، أدرك هذا مع ذلك الألم الماضي في ذراعه اليسرى.

حاول المهاجم توجيه ضربة ثالثة لكن الحاصد قذف إحدى كرات اللهب نحو الأرض في المسافة القيصرة بنيهما ليدوي انفجار مباغت وتدفع الموجة التضاغطية الاثنين كل واحد في اتجاه.

" ليس سيئا كتحمية ولكن الآن هو وقت الجد "

هتف بالعبارة وهو يتأمل في ضيق نقاط الدم المتساقطة من جرح ذراعه، لم تكن الإاصابة بالغة، كانت أقرب إلى جرح سطحي لكن فكرة أن خصمه قد نجح في إصابته هي مبعث ضيقه، رفع نظره نحو خصمه الذي استعد لهجوم جديد

" أنت من سعى لذلك "

على الفور رفع ذراعه المصابة أمام صدره تاركا للسائل الأحمر بأن ينسكب نحو الأرض قبل أن يضع كفه اليمنى في طريق الدم وهو يهتف

" القلب المظلم "

لم يكد ينهي أخر حرف حتى اشتعلت النيران لتختلط بالدماء، هنا تراقص اللهب لثوان أمام عيني المهاجم المندهشة، مد الحاصد قبضته داخل اللهب جاذبا منها سيفا ماضيا، لونه الأسود كان يثير القشعريرة في النفوس، شفرته راحت تلمع تحت أشعة الشمس في قوة، أمسكه في فخر قبل أن يمسح على في حنان.

خصمه قد توقف في مكانه وراح ينظر إلى سلاح عدوه في حذر

" يبدو بأنك قد أدركت ذلك، هذا ليس سيفا طبيعيا، والآن اسمح لي بأن أبين لك السبب "

ختم حيدثه وهو يرفع سلاحه عاليا، هنا بدا أن التردد قد زال عن صاحب الثياب السوداء ليندفع مهاجما في سرعة

" لا بأس، هكذا أفضل "

صاح الحاصد وهو يندفع بدوره في قوة، ليصطدم النصلان في شدة ويبدأ القتال بينهما من جديد

                                                      نهاية الفصل 

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus