في مدينة "إيثروس"، لم يكن الموت رفاهية يمتلكها الجميع. كانت السماء بلون النحاس المحترق، وتتوسطها "العين المنتحرة" — شمس جبارة لا تغيب، تراقب كل حركة وسكنة، وتنفث طاقة "اليقين" التي تجعل من القوانين الفيزيائية قيوداً لا يمكن كسرها. في وسط ساحة "التلاشي"، كان الآلاف من البشر يقفون بصدور ضيقة، يشاهدون طقوس "التجريد" الأسبوعية.
على منصة الإعدام المرتفعة، جثا رجل ذو رداء ممزق. لم تكن جريمته القتل أو السرقة، بل كانت "التشكيك المفهومي"؛ لقد تجرأ على القول إن الظل يمكن أن يكون أسرع من الضوء.
تقدم المحقق المقدّس، "فاروس"، ببدلته الذهبية التي تعكس أشعة العين المنتحرة. كان يحمل في يده [مطرقة المنطق]. لم يقل كلمة، بل رفع المطرقة وهوى بها على الفراغ فوق رأس السجين. لم يحدث انفجار، بل حدث ما هو أرعب: بدأ الرجل يتفكك كأنه بناء من الرمال تضربه الرياح. صرخ الرجل، لكن صوته فقد صفة "الرنين"، فبدا وكأنه همس مشوه يتلاشى قبل أن يصل إلى آذان الحاضرين.
"كل من يحيد عن اليقين، مصيره العدم،" نطق فاروس بصوت زلزل الساحة.
بعيداً عن وهج المنصة، في زاوية يلفها ضباب بارد، وقف إيريك فايس. كان شاباً في العشرين من عمره، لكن نظراته كانت تحمل ثقل آلاف السنين. لم يكن يرتعد كالبقية؛ بل كان يراقب تدفق جزيئات "الوجود" التي تتطاير من الرجل المعدوم. بالنسبة للناس، هذا غبار الموت، أما بالنسبة لإيريك، فهو "وقود".
فتح إيريك يده ببطء تحت معطفه الأسود، فظهر كتاب قديم ذو جلد بشري، تنبعث منه رائحة العصور الغابرة. إنه [كتاب الحسابات المفقود].
> [إشعار النظام: تم رصد 50 وحدة من 'جوهر التمرد'. هل تبدأ الامتصاص؟]
>
"امتص،" تمتم إيريك ببرود.
فجأة، انحرفت جزيئات الرماد المتطايرة في الهواء. بدلاً من أن تتبدد في الفراغ الكوني، بدأت تنجذب نحو إيريك في خيوط غير مرئية. شعر بحرارة تسري في عروقه، وبدأت ملامحه تتصلب أكثر. لقد سرق "مفهوم التمرد" من الرجل قبل أن يمحوه الكون.
"توقف مكانك!" صرخة حادة قطعت حبل أفكاره.
كان حارسان من "فيلق الثبات" يتجهان نحوه، رماحهما مشحونة بطاقة "الجمود" الزرقاء. في هذا العالم، إذا طعنك رمح الثبات، فلن تموت فقط، بل سيتجمد زمنك الداخلي للأبد، لتبقى تمثالاً حياً يشعر بالألم دون قدرة على الصراخ.
"أنت تسرق من قرابين العين الساهرة؟" قال الحارس الأول بغضب، ورفع رمحه. "سلم نفسك لتنال تجريداً رحيماً."
ابتسم إيريك ابتسامة لم تصل لعينيه. "الرحمة هي مفهوم اخترعه العاجزون لتبرير ضعفهم. أنا لا أسرق.. أنا أسترد ما أهدرتموه."
اندفع الحارس الأول بسرعة البرق، ونصل رمحه يشق الهواء. في الحالة العادية، لا يمكن لإنسان تفادي هذا الهجوم، لكن إيريك فعل شيئاً غير منطقي. لم يتنحَّ جانباً، بل مد يده العارية ليقبض على نصل الرمح المتوهج.
"ماذا؟!" ذهل الحارس، لكن ذهوله تحول إلى رعب عندما رأى الرمح يذوب بين أصابع إيريك كأنه شمع.
"لقد فعلت عملية بسيطة،" قال إيريك بهدوء مرعب وهو يشد قبضته. "[المصادرة المكانية: طرح الصلابة]. رمحك الآن يمتلك صلابة الماء."
قبل أن يستوعب الحارس ما حدث، ركله إيريك في صدره بقوة أرسلته طائراً لعشرة أمتار، حيث تحطم جسده ضد جدار حجري. الحارس الثاني، الذي تملكه الذهول، حاول استخدام قدرة [الجمود] لإيقاف إيريك، لكن إيريك كان أسرع.
تحرك إيريك كظل لا يلحق به الضوء. في لمح البصر، كان خلف الحارس الثاني، ويده مغروسة في ظهره، لا يلمس لحماً بل يلمس "الجوهر".
"أنت تملك مسار 'الجندي'، المرحلة التاسعة،" همس إيريك في أذنه. "سأأخذ منك 'مفهوم الإطاعة'. لن تتبع أمراً بعد اليوم.. ولن تتحكم في جسدك أيضاً."
سقط الحارس على الأرض وهو يتشنج، بينما شعر إيريك بقوة جديدة تتدفق في كتابه. ارتفع مستوى إدراك إيريك فجأة، وبدأت رموز الكتاب تتوهج باللون الأرجواني.
> [ترقية: تم بلوغ 'المرحلة 9: المُريد'. تم فتح مهارة: (عين التجريد).]
>
نظر إيريك حوله، فصار يرى العالم بطريقة مختلفة. لم يعد يرى مبانٍ وأشخاصاً، بل رأى "خيوطاً" تربط كل شيء ببعضه. الخيمة التي فوقه كانت مرتبطة بخيط "الجاذبية"، والمحقق فاروس على المنصة كان مرتبطاً بخيط ذهبي سميك يصل مباشرة إلى العين المنتحرة في السماء.
"إذن هذا هو نظامكم،" قال إيريك لنفسه. "خيوط من الأوهام تسمونها قوانين."
فجأة، هبط ضغط هائل على الساحة. فاروس، المحقق المقدّس، لاحظ الفوضى. قفز من على المنصة وحطّ على الأرض بقوة جعلت الرخام يتشقق تحت قدميه. كان يحيط به هالة ذهبية كثيفة لدرجة أنها كانت تحرق الهواء.
"لص مفاهيمي؟" قال فاروس، وعيناه تشتعلان بنور مقدس. "لم أرَ أحداً بجرأتك منذ قرون. أنت لست مجرد متمرد، أنت 'تآكل' يمشي على قدمين."
رفع فاروس مطرقته، وهذه المرة وجهها مباشرة نحو إيريك. "باسم اليقين، [الحجر المنطقي: السجن الأبدي]!"
انطلقت موجة من النور الذهبي نحو إيريك، محولة الهواء في طريقها إلى جدران صلبة من الياقوت. لم يكن هناك مهرب. لكن إيريك لم يحاول الهرب. فتح كتابه على صفحة بيضاء تماماً، وغمس أصابعه في الحبر الأسود الذي بدأ ينضح من مسامه.
"أنت تؤمن باليقين،" قال إيريك وهو يرسم رمزاً غامضاً في الهواء. "لكنني أؤمن بـ [التناقض]. إذا كان هذا السجن أبدياً، فإنه لا يمكن أن يحتوي على شيء 'غير موجود'."
استخدم إيريك مهارته الجديدة: [التلاشي المؤقت]. لثانية واحدة، جعل إيريك "مفهوم وجوده" يساوي صفراً. مرّ سجن الياقوت من خلال جسده وكأنه هواء، ليصطدم بالمبنى الذي خلفه ويحوله إلى ركام.
صدمة فاروس كانت كافية ليتحرك إيريك. في حركة واحدة، استل خنجراً أسود من العدم، نصله مصنوع من "بقايا نجوم ميتة".
"دوري الآن،" قال إيريك.
اندلع قتال ملحمي في وسط الساحة. كان فاروس يضرب الأرض بمطرقته فيخلق زلازل منطقية تغير تضاريس المكان، بينما كان إيريك يتلاعب بالمسافات؛ يقفز من مكان لمكان وكأنه يطوي الواقع. كلما حاول فاروس لمسه، كان إيريك "يحذف" المسافة بينهما أو "يضاعفها" في لحظة.
"لماذا تفعل هذا؟" صرخ فاروس وهو يلهث، وقد بدأ درعه الذهبي يتشقق. "العالم يحتاج للنظام! بدون اليقين، سيلتهمنا الجنون الكوني!"
توقف إيريك على بعد خطوات منه، ونظرة من السخرية الفخمة تعلو وجهه. "النظام الذي يحتاج لقتل الأبرياء للحفاظ على نفسه هو سجن، وليس حماية. أنا لا أخشى الجنون، فقد ولدت فيه. أنا هنا لأثبت أن 'العدم' هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكنكم إعدامها."
بضربة أخيرة، غرس إيريك خنجره في "خيط اليقين" الذي يربط فاروس بالسماء. صرخة فاروس كانت مرعبة، حيث بدأ النور الذهبي يخرج من جسده بشكل عنيف، والعين المنتحرة في السماء بدأت ترمش بغضب كوني.
امتص إيريك كل الطاقة المنبعثة من فاروس، وشعر بروحه تتوسع لدرجة الألم. لقد سلب "مفهوم السلطة المقدسة".
بينما كانت المدينة تشتعل بالإنذارات، والحراس يتدفقون من كل حدب وصوب، وقف إيريك وسط الركام، ودم المحقق يلطخ معطفه. لم يكن ينظر للخلف، بل كان ينظر للأعلى، نحو العين التي تراقبه.
"هذه مجرد البداية،" قال إيريك وهو يختفي في ظلال الزقاق، تاركاً وراءه مدينة فقدت يقينها. "سأفكك هذا العالم خيطاً خيطاً، حتى أصل إلى العرش المنسي."