كانت مدينة "إيثروس" تئن. للمرة الأولى منذ آلاف السنين، لم يكن الأنين صادراً من أفواه المعذبين، بل من جدرانها ورخام ساحاتها. خلف "خيط اليقين" الذي قطعه إيريك، ترك ثقباً أسود في المنطق؛ فالجاذبية في زقاق "الخيبة" بدأت تتصرف ككائن مخمور، حيث بدأت برك المياه القذرة ترتفع نحو السماء بدلاً من الاستقرار على الأرض، بينما كانت النيران التي اندلعت في منصة الإعدام تشتعل بلون أخضر بارد لا يحرق، بل "يجمد" ما يلمسه.

إيريك فايس لم يكن يركض، كان "ينزلق" بين الأبعاد. كل خطوة يخطوها كانت تجعل جلده يشعر بضغط هائل، كأن ذرات جسده تقاتل لتبقى ملتصقة ببعضها. سقط في زاوية مظلمة، وسعل بعنف، ليخرج من جوفه سائل أسود لزج ليس دماً، بل كان "حبراً أولياً" من بقايا المفاهيم التي امتصها.

> [إشعار النظام: تحذير من المستوى الأحمر! تم رصد 'تلوث مفاهيمي'. الطاقة المستخلصة من 'السلطة المقدسة' تتصارع مع بنية المُريد. خطر الانهيار الجزيئي: 38%.]

>

"اصمت..." زمجر إيريك، وهو يضغط على صدره حيث يقبع [كتاب الحسابات المفقود]. كان الكتاب يرتجف، وجلده البشري يشعر بالدفء كأنه استعاد حياته بعد شرب "يقين" المحقق فاروس.

فجأة، ساد صمت مطبق. تلاشت أصوات صرخات الحراس في الساحة، وانقطع رنين الأجراس. برد الهواء لدرجة أن أنفاس إيريك تحولت إلى بلورات سوداء تساقطت على الأرض. من عمق الضباب النحاسي، ظهرت ثلاثة أطياف لم تكن تشبه البشر في شيء. كانوا يرتدون عباءات منسوجة من "العدم المطلق"، وجوههم لم تكن سوى مرايا دائرية تعكس السماء المحترقة.

"المصححون المنطقيون،" همس إيريك بمرارة. هؤلاء ليسوا جنوداً، بل هم "المناعة الكونية" لمدينة إيثروس. إذا كان إيريك هو "الفيروس"، فهم الوصفة لاستئصاله.

تقدم المصحح الأوسط، وبدأت الأرض تحت قدميه تعود إلى حالتها الصلبة بصرامة ميكانيكية، وكأن وجوده يفرض النظام فرضاً. "المفارقة رقم 009: إيريك فايس،" نطق المصحح بصوت لم يخرج من حنجرة، بل كان تردداً زلزل عظام إيريك. "لقد أدخلت 'قيمة غير محددة' في معادلة اليقين. الحل الوحيد هو الحذف الشامل."

رفع المصحح يده، وانطلقت منها حبال من النور الأبيض، ليست لتقييد الجسد، بل "لإعادة التعريف". في إيثروس، إذا لمسك نور المصحح، فإنه يعيد كتابة تاريخك؛ ستنسى من أنت، وتتحول إلى حجر أو شجرة أو مجرد رقم في سجلات الضرائب.

"أنا لا أخضع لتعريفاتكم!" صرخ إيريك وهو يفتح الكتاب. تفتحت صفحات الكتاب بجنون، وبدأت الرموز الأرجوانية تطير منها لتشكل درعاً حوله.

استخدم إيريك مهارته الجديدة: [عين التجريد]. رأى من خلال المرايا التي هي وجوه المصححين؛ لم يرَ كائنات، بل رأى "أكواداً" من القوانين الفيزيائية. بلمسة من يده التي بدأت تتلاشى أطرافها وتتحول إلى دخان، قام بعملية [المصادرة المفهومية: سلب الوزن].

فجأة، فقد المصححون ارتباطهم بالأرض. في عالم اليقين، الوزن هو قانون، وإيريك جعل هذا القانون "خياراً". طار المصححون في الهواء كبالونات فارغة، وبدأت هالتهم الذهبية تضطرب.

"[العملية: الحذف المنطقي]!" هتف إيريك وهو يغرس خنجره الأسود في الفراغ.

انفجر المكان بنور أسود. الكتاب امتص جوهر المصححين كما يمتص الإسفنج الماء. شعر إيريك بقوة مرعبة تتغلغل في روحه، لكن الثمن ظهر فوراً على جسده. ذراعه اليسرى بأكملها تحولت إلى مادة شفافة، كأنها مصنوعة من زجاج مدخن، وبدأت نبضات قلبه تتباطأ لتتحول إلى "تكتكة" ساعة قديمة.

> [ترقية: تم بلوغ 'المرحلة 8: المحاسب الظلي'. تم فتح مهارة: (كسر المتتاليات).]

>

"أنا أتحول..." قال إيريك وهو ينظر إلى يده الزجاجية برعب ممزوج بالنشوة. "أنا أفقد بشريتي لأصبح السلاح الذي سيحطمهم."

بينما كان يقف وسط حطام الواقع، ظهرت خلفه فجأة فتاة صغيرة بملابس رثة، لكن عينيها كانتا متوهجتين بنور أزرق خافت. كانت تمسك بدمية مقطوعة الرأس، وتنظر إليه لا بخوف، بل بفضول قاتل.

"أنت هو 'الخطأ' الذي تتحدث عنه النبوءة،" قالت الفتاة بصوت هادئ. "أمي قالت إن الظلال ستأكل الشمس يوماً ما. هل أنت هو الظل؟"

نظر إليها إيريك ببرود، لكنه شعر بوخزة في بقايا قلبه البشري. "أنا لست الظل يا صغيرة.. أنا الممحاة."

قبل أن يتمكن من إكمال حديثه، اهتزت السماء بأكملها. "العين المنتحرة" التي تتوسط السماء بدأت تنزف دماً ذهبياً غطى الأفق. صوت بوق جبار تردد صداه في كل شبر من المدينة. لقد أُعلنت [حالة القيامة المنطقية].

"لقد استيقظ المراقبون السبعة،" همست الفتاة وهي تتلاشى كالدخان. "إذا أردت النجاة، عليك الوصول إلى 'مكتبة الأزل' قبل أن يغلقوا أبواب الواقع."

اختفت الفتاة، وترك إيريك وحيداً في الزقاق الذي بدأ يذوب تماماً، ليتحول إلى ممر لا نهائي من المرايا. أدرك إيريك أن المعركة في الساحة كانت مجرد مداعبة، وأن الحرب الحقيقية ضد "خالق القوانين" قد بدأت لتوها.

وضع إيريك قلنسوة معطفه على رأسه، وفتح الكتاب على صفحة لم تكن موجودة من قبل، صفحة مكتوب عليها بدمه: [خارطة العرش المنسي]. انطلق في الممر، تاركاً وراءه مدينة "إيثروس" وهي تحترق بنيران الشك، متجهاً نحو المركز حيث يسكن اليقين المطلق.. ليقتله.

2026/02/12 · 6 مشاهدة · 719 كلمة
ريتسوك
نادي الروايات - 2026