القاعة الرئيسية كانت ساحة حرب.

كاين وصل إلى الباب ورأى ما لم يكن مستعداً لرؤيته.

ثورن. الجنرال الذي بدا دائماً كجبل لا يتزعزع. الرجل الذي لم يرَ كاين فيه أي ضعف.

كان ينزف.

قطع عميق في كتفه الأيسر. آخر في فخذه. ملابسه ممزقة. وجهه شاحب. لكنه ما زال واقفاً. ما زال يقاتل.

وأمامه، الشبح.

إيثان.

---

كان مختلفاً عما تخيله كاين.

ليس وحشاً. ليس كائناً مرعباً. كان شاباً. ربما في العشرينات من عمره. شعر أسود، ملامح حادة، جسد نحيل.

لكن عينيه.

عين رمادية، باردة كالحجر. وعين زرقاء، متوهجة كالبرق في عاصفة.

وفي يده، سيف. لا. ليس سيفاً. شق في الواقع. خط أسود يقطع الهواء، يمتص الضوء، يبتلع كل شيء يلمسه.

"أنت متعب، ثورن." صوت إيثان كان هادئاً. صوتان متداخلان. "عشرون سنة من الذنب. عشرون سنة من الكوابيس. ألا تريد أن ترتاح؟"

"الراحة تأتي بعد الموت." قال ثورن. صوته أجش، متعب، لكنه ثابت. "ولست مستعداً للموت بعد."

"لا أحد مستعد." ابتسم إيثان. ابتسامة حزينة. "لكن الموت لا ينتظر استعدادنا."

هاجم.

---

كاين لم يرَ شيئاً كهذا من قبل.

إيثان تحرك. لا. اختفى. ذاب في الظلال كأنه لم يكن موجوداً. ثم ظهر خلف ثورن. سيف الفراغ يقطع الهواء.

ثورن استدار. سيفه التقى بسيف الفراغ.

صوت. ليس صوت معدن. صوت أعمق. كأن الواقع نفسه يصرخ.

ثورن تراجع. خطوة. خطوتان. قدماه حفرتا الأرض الحجرية.

"قوي." قال ثورن. "أقوى مما توقعت."

"قتلت ستة جنرالات." قال إيثان. "كل واحد منهم علمني شيئاً. كل واحد منهم جعلني أقوى."

"وماذا علمتك أنا؟"

"لم تعلمني شيئاً بعد." إيثان رفع سيفه. "لكن الليلة ستنتهي."

---

ثورن هاجم.

ليس بالسيف فقط. بكل شيء.

يده اليسرى أطلقت برقاً. أزرق، ساطع، يصرخ عبر الهواء. إيثان تفاداه. بالكاد. البرق ضرب الجدار خلفه. الحجر انفجر.

ثورن لم يتوقف. تقدم. سيفه قطع الهواء. ضربة. ضربتان. ثلاث. كل واحدة أسرع من السابقة. كل واحدة أقوى.

إيثان صد. تراجع. للمرة الأولى، بدا مضغوطاً.

"هذا هو الجنرال ثورن." قال إيثان. شيء في صوته. إعجاب؟ "هذا هو الرجل الذي لم يخسر معركة."

"ولن أخسر الليلة."

ثورن ضرب. ضربة واحدة. كل قوته. كل جوهره. كل ما لديه.

السيف اصطدم بسيف الفراغ.

---

للحظة، بدا أن ثورن سيفوز.

سيفه اخترق دفاع إيثان. اقترب من صدره. سنتيمترات فقط.

ثم ابتسم إيثان.

"دورك انتهى."

العين الزرقاء توهجت.

البرق الأسود.

خرج من جسد إيثان كموجة. ليس من يده. من كل مكان. من جلده، من عينيه، من الهواء حوله.

ضرب ثورن.

---

كاين رأى كل شيء.

رأى البرق يضرب ثورن في صدره. رأى جسده يتجمد. رأى السيف يسقط من يده. رأى الجنرال العظيم يسقط على ركبتيه.

"ثورن!"

صرخ قبل أن يفكر. ركض قبل أن يقرر.

إيثان استدار. عيناه وجدتا كاين.

"أنت." قال. "الفتى الذي لا يملك جوهراً. كنت أتساءل متى ستظهر."

كاين توقف. عشرة أمتار بينه وبين إيثان. عشرة أمتار بينه وبين ثورن الساقط.

"كيف تعرفني؟"

"أعرف كل شيء عن مشروع ثورن الصغير." ابتسم إيثان. "الفتى الذي يرى الخيوط. الفتى الذي يظن أنه يستطيع إيقافي."

"أنا لا أظن. أنا أعرف."

ضحك إيثان. ضحكة حقيقية. ضحكة إنسان، لا وحش.

"أعجبتني ثقتك. تذكرني بنفسي. قبل أن يأخذوا كل شيء مني."

---

كاين نظر إلى إيثان. نظر بعينيه الحقيقيتين.

رأى الخيوط.

خيطان في صدر إيثان. متشابكان. متصارعان. الرمادي - الظل. الأزرق - البرق. ملتفان حول بعضهما كأفعيين.

لكن كان هناك شيء آخر.

الخيط الأزرق كان... مختلفاً. ليس جزءاً من إيثان. كان شيئاً منفصلاً. شيئاً مزروعاً. شيئاً لا ينتمي.

*الأخ. هذا هو جوهر أخيه.*

"أنت تراه، أليس كذلك؟" صوت إيثان تغير. أصبح أنعم. أحزن. "ترى ما فعلوه بنا."

"أرى خيطين. أنت وأخوك."

صمت.

إيثان نظر إليه. للحظة، العين الزرقاء خفتت. العين الرمادية فقط. إيثان فقط.

"اسمه كان ليو." قال بهدوء. "كان أصغر مني بدقيقتين. كان يخاف من الظلام. كان يحب الرسم. كان..." صوته انكسر. "كان كل ما لدي."

"ماذا حدث؟"

"أنت تعرف ماذا حدث. ثورن أخبرك. التجارب. الدمج. أخذوا طفلين وجعلوهما واحداً." لمس صدره. "ليو هنا. داخلي. لكنه ليس ليو بعد الآن. هو غضب. هو ألم. هو كل ما تبقى من طفل مات وهو يصرخ."

---

"يمكنني مساعدتك."

الكلمات خرجت قبل أن يفكر كاين.

إيثان نظر إليه. مفاجأة حقيقية في عينيه.

"مساعدتي؟"

"أستطيع رؤية الخيوط. أستطيع لمسها. ربما..." تردد كاين. "ربما أستطيع فصلكما."

صمت طويل.

ثم ضحك إيثان. لكنها لم تكن ضحكة ساخرة. كانت ضحكة مريرة. ضحكة رجل سمع نكتة قاسية.

"فصلنا؟ بعد عشرين سنة؟" هز رأسه. "لا تفهم. ليو ليس سجيناً هنا. أنا السجين. هو الذي يتحكم. هو الذي يقرر. أنا فقط..." نظر إلى يديه. "أنا فقط الجسد الذي يتحرك."

"هذا ليس صحيحاً."

"كيف تعرف؟"

"لأنك تتحدث معي الآن." قال كاين. "لأنك أخبرتني عن ليو. لأنك حزين. الغضب لا يحزن. الألم لا يتذكر. أنت ما زلت هنا، إيثان. أنت ما زلت تقاتل."

---

شيء تغير في وجه إيثان.

للحظة، بدا كطفل ضائع. طفل يبحث عن مخرج من كابوس.

ثم توهجت العين الزرقاء.

"كفى."

الصوت تغير. أعمق. أبرد. ليس إيثان.

ليو.

"كفى من هذا الهراء." قال ليو بفم إيثان. "جئنا لننهي ما بدأناه. ليس للحديث."

"ليو—"

"لا تنطق اسمي!" البرق الأسود تجمع حول يد إيثان. "أنت لا تعرفني. لا تعرف ما عانيته. لا تعرف كيف يكون أن تموت وأنت طفل، أن تُحبس داخل جسد أخيك، أن تشاهد العالم من خلف عينين ليستا لك!"

"أنت على حق. لا أعرف." قال كاين. "لكنني أعرف أن هذا ليس ما يريده إيثان. وأعرف أنك تحبه. لهذا ما زلت هنا. لهذا لم تختفِ."

"أنا هنا للانتقام!"

"أنت هنا لأنك لا تستطيع تركه وحده."

---

صمت.

البرق الأسود تذبذب. اهتز. خفت قليلاً.

"اصمت." صوت ليو. لكنه كان أضعف.

"إيثان." قال كاين. "أعرف أنك تسمعني. أعرف أنك هناك. قاتل. قاتل من أجل نفسك. من أجل أخيك. من أجل—"

"قلت اصمت!"

ليو هاجم.

---

البرق الأسود انطلق نحو كاين.

لم يكن هناك وقت للتفادي. لم يكن هناك وقت للتفكير.

لكن شيئاً حدث.

ثورن.

من الأرض، من حيث سقط، الجنرال تحرك. يده امتدت. برقه الأزرق خرج. التقى بالبرق الأسود في منتصف الطريق.

الانفجار.

كاين طار للخلف. ارتطم بالجدار. رأى نجوماً.

عندما استعاد بصره، رأى ثورن واقفاً. بالكاد. يتكئ على سيفه. دم يسيل من أنفه وأذنيه.

"لم أنتهِ بعد." قال ثورن. صوته كان همسة. "لم أنتهِ..."

"أنت ميت بالفعل." قال ليو. "جسدك فقط لم يدرك ذلك بعد."

"ربما." ابتسم ثورن. ابتسامة غريبة. ابتسامة رجل قبِل مصيره. "لكنني سآخذك معي."

---

ثورن رفع يده.

ليس نحو إيثان. نحو السقف.

كاين لم يفهم. ثم رأى.

الخيوط. خيوط البرق في السقف. في الجدران. في كل مكان. ثورن كان يجمعها. يسحبها. يضغطها.

"ماذا تفعل؟" صوت ليو. للمرة الأولى، كان هناك خوف.

"شيء كان يجب أن أفعله منذ عشرين سنة." قال ثورن. "أدفع ثمن صمتي."

البرق تجمع فوقهم. كرة زرقاء ضخمة. تكبر. تكبر. تصرخ.

"إذا أطلقت ذلك، ستموت!" صرخ ليو.

"أعرف."

"والمعهد سيُدمر!"

"لا." ثورن نظر إلى كاين. "هو سيوقفك قبل ذلك."

---

كاين فهم.

ثورن كان يشتت ليو. يجبره على التركيز على التهديد الأكبر. يمنح كاين فرصة.

*فرصة واحدة.*

تحرك.

ليس نحو ثورن. نحو إيثان.

ليو رآه. حاول الاستدارة. لكن البرق فوقه كان يكبر. إذا تجاهله، سيموت. إذا تجاهل كاين، سيموت أيضاً.

للحظة، تجمد.

تلك اللحظة كانت كافية.

---

كاين وصل إلى إيثان.

مد يده. لمس صدره. وجد الخيطين.

"إيثان!" صرخ. "الآن! قاتل الآن!"

شعر بهما. الرمادي والأزرق. متشابكان. متصارعان.

وشعر بشيء آخر.

إيثان. الحقيقي. المدفون تحت كل الغضب والألم. يحاول الصعود. يحاول الوصول.

"ليو..." صوت إيثان. ضعيف. من بعيد. "ليو، أرجوك... توقف..."

"لا!" صوت ليو. "لن أتوقف! لن—"

"أنا أحبك."

صمت.

"أنا أحبك، ليو. دائماً أحببتك. لكن هذا يجب أن ينتهي. نحن نؤذي بعضنا. نؤذي الآخرين. هذا ليس ما أردته لنا."

"أنا... أنا فقط أردت..."

"أعرف." صوت إيثان أصبح أقوى. "أردت أن نبقى معاً. أردت أن تحميني. لكن هذا ليس حماية. هذا سجن. لكلينا."

---

كاين شعر بالخيط الأزرق يرتجف.

ليو كان يتردد. للمرة الأولى منذ عشرين سنة، كان يتردد.

"إذا... إذا فصلتنا..." صوت ليو. صوت طفل خائف. "سأختفي. سأموت حقاً هذه المرة."

"لن تختفي." قال كاين. "ستُحرر. ستذهب إلى حيث كان يجب أن تذهب منذ البداية."

"أنا خائف."

"أعرف." قال إيثان. "أنا أيضاً. لكننا سنفعل هذا معاً. كما فعلنا كل شيء."

صمت.

ثم، ببطء، شعر كاين بالخيط الأزرق يسترخي. يتوقف عن المقاومة.

"حسناً." همس ليو. "حسناً."

---

كاين سحب.

ببطء. بحذر. الخيط الأزرق بدأ ينفصل عن الرمادي. سنتيمتراً بسنتيمتر.

الألم كان هائلاً. ليس ألمه. ألمهما. إيثان وليو. عشرون سنة من الاندماج تنفك في لحظات.

إيثان صرخ. ليو صرخ. صوتان يصبحان واحداً ثم ينفصلان.

فوقهم، البرق الذي جمعه ثورن بدأ يتبدد. لم يعد هناك حاجة إليه.

ثورن سقط على الأرض. منهك. لكنه حي.

وكاين استمر في السحب.

---

اللحظة الأخيرة.

الخيط الأزرق انفصل تماماً.

ضوء. ضوء أزرق ساطع ملأ القاعة. ليس برقاً. شيء أنقى. أجمل. أكثر حزناً.

شكل ظهر أمام كاين.

طفل. ست سنوات. شعر أسود، عينان زرقاوان، وجه يشبه إيثان لكن أصغر. أنعم.

ليو.

"شكراً." قال الطفل. صوته كان صدى. "شكراً لتحريرنا."

"ليو..." صوت إيثان. كان على ركبتيه، دموع تسيل على وجهه. "ليو، أنا آسف. آسف على كل شيء. آسف أنني لم أستطع حمايتك. آسف أنني—"

"لا تكن آسفاً." ابتسم ليو. ابتسامة طفل. ابتسامة بريئة. "أنت أفضل أخ في العالم. دائماً ك

نت."

"سأفتقدك."

"أعرف. وأنا سأفتقدك." اقترب ليو من إيثان. مد يده الشفافة. لمس وجهه. "لكن الآن، يمكنك أن تعيش. حقاً تعيش. ليس من أجلي. من أجلك."

"لا أعرف كيف."

"ستتعلم." ابتسم ليو مرة أخرى. "وداعاً، إيثان. أحبك."

"أحبك أيضاً. دائماً."

ثم تلاشى ليو. صعد نحو السقف. اختفى في الضوء.

وللمرة الأولى منذ عشرين سنة، كان إيثان وحده.

---

2026/01/23 · 6 مشاهدة · 1478 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026