---
الصمت الذي تلا المعركة كان أثقل من المعركة نفسها.
كاين جلس على أرض القاعة المدمرة، ظهره مستند إلى عمود متصدع. جسده كان ينبض بالألم. كل عضلة، كل عظمة، كل شيء.
لكنه كان حياً.
نظر حوله. ثورن كان ملقى على الأرض، يتنفس بصعوبة. إيلارا وصلت مع فريق طبي، يحاولون إيقاف النزيف. وجهها كان شاحباً، لكن يديها ثابتتان.
وإيثان...
إيثان كان ملقى حيث سقط. عيناه مغمضتان. صدره يرتفع وينخفض ببطء. حي. لكنه بدا مختلفاً. أصغر. أضعف. كأن نصفه اختفى مع أخيه.
"يجب أن نقيده." قال أحد الحراس. "قبل أن يستيقظ."
"افعلوا ذلك." قالت إيلارا دون أن ترفع رأسها عن ثورن. "أساور الإخماد. الثقيلة."
---
بعد ساعتين، كان المعهد يحاول لملمة نفسه.
الخسائر كانت فادحة. اثنا عشر حارساً قُتلوا. ثلاثة طلاب. المبنى الشرقي دُمر بالكامل. القاعة الرئيسية ستحتاج شهوراً لإصلاحها.
لكنهم نجوا.
كاين وقف في الممر خارج غرفة ثورن. ريان وفاليريوس كانا بجانبه. كلاهما مصاب، كلاهما منهك، لكنهما رفضا المغادرة.
"كيف حاله؟" سأل ريان.
"مستقر." قالت إيلارا وهي تخرج من الغرفة. "لكنه استنزف جوهره بالكامل تقريباً. سيحتاج أسابيع للتعافي."
"والشبح؟" سأل فاليريوس. "إيثان؟"
"في الزنزانة السفلية. مقيد بأربع أساور إخماد. لن يستطيع إشعال شمعة حتى لو حاول."
"هل سيُعدم؟" سأل كاين.
نظرت إليه إيلارا. شيء في عينيها. ليس غضباً. شيء أقرب للتعب.
"هذا ليس قرارنا. المجلس الأعلى سيقرر مصيره."
---
لم يضطروا للانتظار طويلاً.
في صباح اليوم التالي، وصل الموكب.
كاين كان في الساحة عندما رآهم. خمسون فارساً بدروع سوداء لامعة. أعلام الإمبراطورية ترفرف فوقهم. وفي المقدمة، رجل على حصان أبيض.
لم يكن كاين بحاجة لأن يسأل من هو.
الجنرال الأول. فيكتور.
كان مختلفاً عن ثورن. أطول. أعرض. شعره أبيض رغم أنه لا يبدو عجوزاً. وجهه كان منحوتاً من الحجر - لا تعبير، لا عاطفة، لا شيء.
لكن عيناه...
عيناه كانتا الأسوأ. ذهبيتان. باردتان. تنظران إلى كل شيء كأنه أقل منها. كأن العالم كله مجرد حشرات تنتظر أن تُسحق.
نزل من حصانه. خطواته كانت ثقيلة، واثقة. الأرض نفسها بدت تهتز تحته.
"أين ثورن؟" صوته كان عميقاً. ليس عالياً، لكنه ملأ الساحة بأكملها.
"الجنرال ثورن يتعافى من إصاباته." قالت إيلارا. كانت قد خرجت لاستقباله. "المعركة كانت—"
"لم أسأل عن المعركة." قاطعها فيكتور. "سألت أين هو."
صمت.
إيلارا لم ترتجف. لم تتراجع. لكن كاين رأى شيئاً في عينيها. شيء لم يره من قبل.
خوف.
---
فيكتور لم ينتظر إذناً.
مشى عبر الساحة، عبر الممرات، نحو غرفة ثورن. الحراس ابتعدوا عن طريقه. لم يحاول أحد إيقافه.
كاين تبعه. لم يعرف لماذا. ربما الفضول. ربما شيء آخر.
عندما وصل فيكتور إلى الغرفة، فتح الباب دون أن يطرق.
ثورن كان مستلقياً على السرير. شاحباً. ضعيفاً. لكن عينيه كانتا مفتوحتين.
"فيكتور." قال. صوته كان أجش. "جئت بسرعة."
"سمعت أنك قبضت على الشبح." قال فيكتور. "وأنك تحتفظ به حياً."
"نعم."
"لماذا؟"
"لأنه يملك معلومات. معلومات عن التجارب. عن من كان وراءها."
"التجارب انتهت منذ عشرين سنة."
"هل أنت متأكد؟"
صمت.
فيكتور نظر إلى ثورن. للحظة، شيء تحرك في عينيه الذهبيتين. ثم اختفى.
"الشبح قتل ستة جنرالات. ستة من إخوتنا. المجلس يريد رأسه."
"المجلس يريد أشياء كثيرة."
"وأنا أريد العدالة."
"العدالة؟" ابتسم ثورن. ابتسامة مريرة. "أم الانتقام؟ هناك فرق، فيكتور."
"ليس بالنسبة لي."
---
كاين وقف عند الباب، يراقب.
الجو بين الرجلين كان مشحوناً. ليس عداوة بالضبط. شيء أعقد. تاريخ طويل. خلافات قديمة.
"سأستجوبه أولاً." قال ثورن. "بعد ذلك، يمكنك أخذه للمجلس."
"ومن أعطاك هذه السلطة؟"
"أنا من قبض عليه. أنا من خاطر بحياتي وحياة طلابي. أنا من—"
"أنت من فشل في حمايتهم." قاطعه فيكتور. صوته كان هادئاً، لكن الكلمات كانت كالسكاكين. "اثنا عشر حارساً. ثلاثة طلاب. ماتوا تحت سقفك. في معهدك. هل هذا ما تسميه نجاحاً؟"
ثورن لم يرد. وجهه تجمد.
"الشبح كان يجب أن يُقتل منذ سنوات." تابع فيكتور. "لكنك أصررت على البحث عن 'حلول أخرى'. على إيجاد 'طريقة إنسانية'. والنتيجة؟" نظر حوله. "هذا الدمار."
"إيثان ضحية. ليس مجرماً."
"إيثان قاتل. قتل ستة جنرالات. عشرات الجنود. مدنيين. أطفالاً ربما." اقترب فيكتور من السرير. "الضحايا لا يقتلون، ثورن. الوحوش تقتل."
---
"هو ليس وحشاً."
الصوت جاء من الباب. صوت كاين.
استدار فيكتور. عيناه الذهبيتان وجدتا كاين. فحصتاه. من رأسه إلى قدميه.
"ومن أنت؟"
"كاين."
"آه." شيء تغير في وجه فيكتور. ليس اهتماماً بالضبط. شيء أقرب للفضول البارد. "مشروع ثورن الصغير. الفتى الذي لا يملك جوهراً."
"إيثان ليس وحشاً." كرر كاين. "كان طفلاً عندما فعلوا به ما فعلوه. طفلاً في السادسة. أخذوه وأخاه وحولوهما إلى... إلى هذا. لم يختر أن يكون ما هو عليه."
"وهل هذا يبرر القتل؟"
"لا. لكنه يفسره."
"التفسير لا يهمني." قال فيكتور. "النتائج تهمني. والنتيجة هي أن هذا الشخص قتل أشخاصاً أعرفهم. أشخاصاً قاتلت بجانبهم. أشخاصاً—" توقف. للحظة، شيء بشري ظهر في عينيه. ألم قديم. ثم اختفى. "سيُعدم. هذا هو القانون."
"القانون الذي سمح بالتجارب أصلاً؟"
صمت.
فيكتور نظر إلى كاين. نظرة طويلة. ثم، ببطء، ابتسم. ابتسامة صغيرة، باردة.
"أنت جريء. أعطيك ذلك." استدار نحو الباب. "سأعود غداً. إما أن تسلمني الشبح، أو سآخذه بنفسي. الاختيار لك، ثورن."
ثم خرج. خطواته الثقيلة تردد صداها في الممر.
---
تلك الليلة، لم يستطع كاين النوم.
جلس في غرفته، يفكر. في إيثان. في فيكتور. في كل ما حدث.
*هل إيثان يستحق الموت؟*
السؤال كان يدور في رأسه. لا إجابة واضحة.
نعم، قتل. قتل كثيراً. لكنه أيضاً كان ضحية. طفل سُرقت منه طفولته، حياته، حتى جسده.
*لو كنت مكانه، ماذا كنت سأفعل؟*
لم يعرف. وهذا أخافه.
صوت.
خافت. بالكاد مسموع. لكن كاين سمعه.
خطوات. في الممر. خفيفة جداً. أخف من أن تكون حارساً عادياً.
نهض. أمسك سيفه. فتح الباب ببطء.
الممر كان فارغاً. مظلماً. لكن... هناك. في نهاية الممر. ظل يتحرك.
نحو الزنزانة السفلية.
نحو إيثان.
---
كاين تبعه.
بصمت. بحذر. الظل كان سريعاً، لكن كاين كان أسرع. أو ربما أكثر حذراً.
وصل إلى السلالم المؤدية للزنزانة. الظل اختفى في الأسفل.
نزل.
الزنزانة كانت باردة. رطبة. شعلة واحدة على الجدار تلقي ظلالاً راقصة.
وهناك، أمام زنزانة إيثان، وقف شخص.
ملابس سوداء. قناع يغطي الوجه. سكين في يده. سكين يلمع بضوء غريب - مسموم ربما.
قاتل.
---
"توقف."
صوت كاين ملأ الزنزانة.
القاتل استدار. للحظة، تجمد. ثم، بحركة سريعة، رمى السكين.
كاين تفادى. بالكاد. السكين مر بجانب وجهه، قطع خده. شعر بالحرقة. السم.
*لا وقت للتفكير.*
اندفع نحو القاتل. سيفه قطع الهواء.
القاتل تفادى. سريع. أسرع من أي شخص قاتله كاين. أخرج سكيناً أخرى. هاجم.
كاين صد. السكين ضربت سيفه. شرارات طارت.
*إنه محترف. قاتل حقيقي.*
القاتل هاجم مرة أخرى. ومرة أخرى. كل ضربة كانت دقيقة، قاتلة. كاين تراجع. خطوة. خطوتان.
ظهره لمس الجدار.
*لا مكان للتراجع.*
القاتل رفع سكينه للضربة الأخيرة.
---
كاين فتح عينيه.
ليس عينيه العادية. عينيه الأخرى. التي ترى الخيوط.
رأى القاتل. رأى خيوطه. رأى نقاط الضعف.
*هناك.*
الكتف الأيسر. إصابة قديمة. الخيوط هناك كانت أضعف. أبطأ.
القاتل ضرب.
كاين انحنى. تفادى السكين. ثم ضرب.
سيفه اخترق الكتف الأيسر.
القاتل صرخ. صرخة مكتومة. تراجع. السكين سقطت من يده.
"من أرسلك؟" سأل كاين.
القاتل لم يرد. بدلاً من ذلك، رفع يده إلى فمه. حركة سريعة. صوت طقطقة.
ثم سقط.
ميتاً.
---
كاين وقف فوق الجثة. يلهث. الجرح في خده يحترق.
*سم. قتل نفسه بالسم.*
نظر إلى القاتل. إلى ملابسه السوداء. إلى القناع.
رفع القناع.
وجه عادي. رجل في الثلاثينات. لا شيء مميز. لا شيء يدل على هويته.
لكن على رقبته، وشم صغير. رمز.
عين مغلقة.
*أبناء الظل.*
سمع عنهم. قتلة مأجورون. الأفضل في الإمبراطورية. لا يفشلون أبداً.
*لكنه فشل الليلة. لماذا؟*
ثم فهم.
*لم يكن يتوقع مقاومة. لم يكن يعرف أنني هنا.*
نظر إلى زنزانة إيثان. إيثان كان مستيقظاً. ينظر إليه من خلال القضبان. عيناه - عين واحدة رمادية الآن - كانتا واسعتين.
"أنقذتني." قال إيثان. صوته كان أجش. ضعيفاً. "لماذا؟"
سؤال جيد.
"لا أعرف." قال كاين بصدق. "ربما لأنك لا تستحق أن تموت هكذا. في الظلام. بسكين في الظهر."
"أنا قتلت—"
"أعرف ما فعلت." قاطعه كاين. "لكن هذا لا يعني أنك تستحق الاغتيال. إذا كنت ستموت، فليكن ذلك بعد محاكمة. بعد أن يسمع العالم قصتك."
صمت.
إيثان نظر إليه. طويلاً. ثم، ببطء، أومأ.
"شكراً لك."
---
الصباح جاء بأسئلة أكثر من الإجابات.
الجثة فُحصت. وشم "أبناء الظل" أُكد. لكن من استأجرهم؟ من يريد إيثان ميتاً بهذه السرعة؟
ثورن كان غاضباً. غاضباً بطريقة هادئة، خطيرة.
"شخص ما لا يريده أن يتكلم." قال. "شخص ما يخاف مما يعرفه."
"التجارب." قال كاين. "قال إنها لم تتوقف."
"أعرف." نظر ثورن إلى النافذة. "سألته قبل أن تصل. قال إن هناك مختبراً. ما زال يعمل. تحت حماية شخص في المجلس الأعلى."
"من؟"
"لم يعرف. أو لم يقل." ثورن استدار. "لكن محاولة الاغتيال هذه تؤكد شيئاً. شخص ما في الأعلى متورط. شخص ما لديه ما يكفي من النفوذ لاستئجار أبناء الظل."
"فيكتور؟"
"ربما. ربما لا." هز ثورن رأسه. "فيكتور كثير من الأشياء، لكنه ليس جباناً. إذا أراد إيثان ميتاً، كان سيقتله بنفسه. أمام الجميع."
"إذن من؟"
"هذا ما يجب أن نكتشفه."
---
في تلك اللحظة، فُتح الباب.
فيكتور دخل. خلفه، أربعة جنود.
"جئت لأخذ السجين." قال.
"بعد محاولة الاغتيال؟" قال ثورن. "شخص ما يريده ميتاً. إذا أخذته الآن—"
"سيكون تحت حمايتي."
"حمايتك؟" ضحك ثورن. ضحكة مريرة. "كما كان الجنرالات الستة تحت حماية الإمبراطورية؟"
صمت.
فيكتور نظر إلى ثورن. طويلاً. ثم قال:
"لديك أسبوع. أسبوع واحد لاستجوابه. بعد ذلك، سيُنقل إلى العاصمة للمحاكمة." استدار نحو الباب. "وثورن؟ إذا هرب، أو مات، أو اختفى... سأحملك المسؤولية شخصياً."
ثم خرج.
---
بعد رحيله، جلس ثورن بثقل.
"أسبوع." قال. "أسبوع لنكتشف من يقف وراء كل هذا."
"كيف؟" سأل كاين.
"إيثان يعرف
أشياء. أشياء لم يقلها بعد. يجب أن نجعله يتكلم."
"وإذا رفض؟"
نظر ثورن إليه. "لن يرفض. ليس بعد ما فعلته الليلة الماضية." ابتسم ابتسامة صغيرة. "أنقذت حياته. هذا يعني شيئاً. حتى لشخص مثله."
كاين لم يكن متأكداً. لكنه أومأ.
"سأتحدث إليه."
"جيد." وقف ثورن. "وكاين؟ كن حذراً. شخص ما في الظلال يراقب. شخص ما أقوى مما نتخيل. وأنت الآن على قائمته."
---