---
في كافيتيريا المعهد، كانت الضوضاء هي نفسها كالعادة، لكن على طاولة واحدة في الزاوية، كان هناك عالم جديد يتشكل.
"...ثم، هل رأيتم ذلك؟ قفزت في الهواء، مثل نسر، والتفت حولي ثلاث مرات،" قال ريان، وهو يمثل الحركة بذراعيه، وكاد أن يوقع طبق حساء فاليريوس. "ونزلت مثل نيزك من العدالة! *كراااك!* لقد كانت ضربة شعر بها أسلاف الغولم في قبورهم الحجرية!"
"تحليل: لقد قفزت مسافة 1.8 متر في الهواء، ولم تقم بأي دورات،" قالت سيرين دون أن ترفع عينيها عن طبقها، الذي كانت قد رتبت فيه الخضروات حسب اللون. "قوة ضربتك كانت كافية لكسر الرونية الضعيفة، لكنها لم تكن 'نيزكية'. كما أن الغولمات ليس لديها أسلاف أو قبور. إنها تُصنّع."
"أنتِ تقتلين متعة القصة!" اشتكى ريان.
"القصص التي لا أساس لها من الصحة هي شكل من أشكال التضليل." ردت سيرين. "نسبة الدقة في روايتك للأحداث هي 12%."
"هذه أفضل نسبة حصلت عليها حتى الآن!" قال ريان بفخر.
"هيا يا أصدقاء،" قال كيران، وهو يدفع قطعة بروكلي باتجاه طبق ريان. "لا تتقاتلوا. كل قصة لها جمالها الخاص. تماماً مثل هذه الشجرة الصغيرة اللذيذة. إنها تريد أن تمنحك قوتها!"
حدق ريان في البروكلي. "إنها تحدق فيّ. لا أثق بها."
فاليريوس، الذي كان صامتاً طوال الوقت، تنهد بصوت مسموع ونهض. "لدي تدريب إضافي." قال بصرامة وغادر، وكأنه لا يستطيع تحمل دقيقة أخرى من هذا الجنون.
"ما خطبه؟" سأل ريان.
"مستويات التوتر لديه مرتفعة." قالت سيرين. "ربما يجب أن يجرب البروكلي. الأبحاث تشير إلى أن الألياف الغذائية يمكن أن تحسن المزاج."
ضحك كاين. نظر إلى كيران، الذي كان لا يزال يبتسم ابتسامته المشرقة. "تكتيك الحصى، كيران. من أين أتيت به؟"
"أوه، هذا؟" قال كيران. "عندما تكون الناجي الوحيد من هجوم، تتعلم أن القوة ليست دائماً الحل. أحياناً، تكون الإزعاج هو أفضل سلاح. لا أحد يتوقع أن يزعجه أحد حتى الموت."
قالها بابتسامة، لكن للحظة، رأى كاين شيئاً آخر في عينيه. بريقاً بارداً، حاداً، اختفى بالسرعة التي ظهر بها. كان مثل النظر إلى سطح بحيرة هادئة ورؤية وحش يمر تحتها للحظة.
---
في وقت لاحق من ذلك اليوم، وجد كاين سيرين في المكتبة. لم تكن تقرأ، بل كانت تحدق في جدار فارغ.
"هل كل شيء على ما يرام؟" سأل كاين بهدوء.
"أنا أعالج البيانات." قالت دون أن تلتفت. "تجربة الأمس. تفاعلات الفريق. نقاط القوة والضعف. هناك الكثير من المتغيرات."
"لقد كنتِ مذهلة بالأمس." قال كاين. "جدار الجليد ذاك أنقذ ريان."
"لقد كان الإجراء المنطقي. كان احتمال وفاة ريان 88% لو لم أتدخل."
"أنا لا أتحدث عن المنطق." جلس كاين بجانبها. "لقد تصرفتِ بسرعة. لقد حميته." نظر إلى يديها. "خيوطك... عندما تستخدمين قوتك، فإنها تتصادم. لهذا السبب تفقدين السيطرة أحياناً، أليس كذلك؟"
نظرت إليه، ولأول مرة، رأى كاين شيئاً يشبه المفاجأة الحقيقية في عينيها الزرقاوين. "كيف تعرف ذلك؟"
"أنا أراها." قال ببساطة. "بالأمس، عندما هدأتُها... كانت مجرد فوضى. لكن إيثان... قال إن قوتك ليست قوتك. قال إن شيئاً ما زُرع فيك."
تجمدت سيرين. لم يكن جمودها المعتاد، بل كان صدمة حقيقية. كأن كلماته كانت حجراً حطم جدارها الزجاجي.
"إيثان؟ الشبح؟"
"لقد تحدثت معه. قال إنكِ مثله."
وقفت سيرين فجأة. "هذا... هذا غير ممكن. أنا من عشيرة غلاسيا. قوتي هي إرثي." بدأت تسير ذهاباً وإياباً. "صحيح أنها غير مستقرة. صحيح أنني لا أستطيع التحكم فيها دائماً. قالوا إنها مجرد أثر جانبي لقوتي الهائلة. قالوا إنني بحاجة إلى التدريب..."
توقفت، ووضعت يدها على صدرها. "لكن... هذا يفسر الكثير. الفجوات في ذاكرتي. الكوابيس... عن البرد... والظلام... وشيء... يهمس."
نظرت إلى كاين، وعيناها الواسعتان تحملان خوفاً حقيقياً لأول مرة. "إذا كان هذا صحيحاً... فماذا أنا؟"
قبل أن يتمكن كاين من الإجابة، انفتح باب المكتبة ودخل ثورن.
"كاين. سيرين. تعاليا معي. لدينا مهمة."
---
في غرفة الاجتماعات، كان الفريق بأكمله مجتمعاً. عرض ثورن خريطة على الطاولة.
"تقرير استخباراتي." قال بصرامة. "نشاط مشبوه في منطقة مناجم مهجورة على بعد يوم واحد من هنا. شهود عيان أبلغوا عن رؤية أشكال مقنعة تدخل وتخرج من المناجم ليلاً. نفس الأوصاف التي قدمها الناجون من هجوم الفجر الأسود."
"إذن، نعتقد أنهم هناك؟" سأل فاليريوس.
"نعتقد أنهم يستخدمون المناجم كقاعدة مؤقتة أو نقطة التقاء." قال ثورن. "مهمتكم هي التسلل، المراقبة، وجمع المعلومات. أريد أن أعرف كم عددهم، ماذا يفعلون، ومن يقودهم. هذه ليست مهمة هجومية. لا تشتبكوا إلا إذا لم يكن هناك خيار آخر. هل هذا واضح؟"
"واضح تماماً، سيدي!" قال ريان. "عملية سرية! سأحضر طلاء الوجه الأسود!"
"لا يوجد طلاء وجه أسود." قال ثورن بصرامة.
"حسناً، لكنه كان سيجعل الأمر أكثر دراماتيكية." تمتم ريان.
"كاين،" قال ثورن. "أنت عيوننا. استخدم قدرتك لتحديد مواقعهم وتقدير قوتهم. سيرين، أنت العقل. قم بتحليل دفاعاتهم وابحث عن نقاط ضعف. فاليريوس، كيران، أنتما الدعم الناري. ابقيا بعيدين عن الأنظار. وريان..."
توقف ثورن ونظر إلى ريان. "حاول ألا تكسر أي شيء."
"لا وعود!" قال ريان بابتسامة عريضة.
"تغادرون خلال ساعة." قال ثورن، ثم استدار ليغادر. عند الباب، توقف ونظر إلى كاين. "وتذكر، كاين. أنت ترى الخيوط. لكن لا تدعها تقودك. أنت من يقودها."
---
بعد ساعة، كان الفريق يسير عبر الغابة، متجهين نحو الجبال. كان الصمت يلفهم، وهو تناقض صارخ مع فوضى تدريبهم.
كان كاين يمشي في المقدمة، وعيناه مغلقتان، وهو يركز على الخيوط من حوله. خلفه، كانت سيرين تدرس الخريطة، وتقارنها بالتضاريس. ريان كان يحاول المشي بهدوء، ويفشل فشلاً ذريعاً، ويتعثر في كل جذر شجرة تقريباً.
"هل يمكنك أن تكون أكثر هدوءاً؟" همس فاليريوس بغضب.
"أنا أحاول!" همس ريان بصوت عالٍ. "هذه الغابة مليئة بالفخاخ الطبيعية! إنها مؤامرة من السناجب، أقول لك!"
وفجأة، توقف كاين، ورفع يده.
"ماذا؟" همس كيران، الذي كان يسير في الخلف بهدوء مدهش.
"خيوط." قال كاين. "أمامنا. ليست طبيعية. إنها... فخاخ." أشار إلى الأمام. "خيوط جوهر رقيقة، ممتدة بين الأشجار. إذا لمستها، ستطلق إنذاراً سحرياً."
"كيف نتجاوزها؟" سأل ريان.
"لا يمكننا." قال كاين. "إنها في كل مكان." نظر إلى سيرين. "هل يمكنكِ تجميدها؟"
"إذا جمدتها، فإن التغير في درجة الحرارة قد يطلقها." قالت سيرين. "الخطر كبير جداً."
"إذن، ماذا نفعل؟ نعود؟" سأل فاليريوس.
"لا." قال كيران بابتسامته المعتادة. تقدم إلى الأمام ووقف بجانب كاين. "أعتقد أن لدي فكرة." انحنى والتقط ورقة شجر كبيرة. "إذا لم نتمكن من تجاوزها، وإذا لم نتمكن من تجميدها... فلماذا لا نعطيها شيئاً لتلمسه؟"
وبدأ يلوح بورقة الشجر بلطف شديد، مقترباً من أحد الخيوط غير المرئية. كان الأمر يتطلب تركيزاً ودقة لا يصدقان. حبس الجميع أنفاسهم.
لامست حافة ورقة الشجر الخيط.
للحظة، لم يحدث شيء. ثم، توهج الخيط بضوء خافت... واختفى.
"لقد امتص الشحنة السحرية دون أن يطلق الإنذار!" همست سيرين، وعيناها متسعتان. "هذا... عبقري."
ابتسم كيران. "أحياناً، ألطف لمسة هي الأقوى." نظر إلى كاين. "أرني أين هي البقية. لدينا الكثير من أوراق الشجر لنلوح بها."
وبينما كان الفريق يعمل معاً في صمت، يتسللون عبر حقل الألغام السحري، أدرك كاين شيئاً. لم يكونوا مجرد فريق فوضوي. كانوا شيئاً آخر. كانوا مجموعة من الأفراد الغ
رباء، كل منهم مكسور بطريقته الخاصة. لكن بطريقة ما، كانت قطعهم المكسورة تتلاءم معاً بشكل مثالي.
---