الغسق.

هذا هو الاسم الذي أطلقوه على هذا المكان.

ليس لأن الشمس لا تشرق هنا، بل لأن الحياة نفسها تبدو وكأنها تحتضر ببطء.

اكواخ متهالكة تتكئ على بعضها البعض كعجائز منهكين، وشوارع ترابية تتحول إلى مستنقعات طينية مع كل مطر، ووجوه شاحبة فقدت منذ زمن بعيد أي بريق للأمل.هنا، في أقصى أطراف الإمبراطورية، يعيش المنسيون.

كاين كان واحداً منهم.

استيقظ مع أول خيوط الفجر، كما يفعل كل يوم.

لم يكن هناك سرير حقيقي، فقط حصيرة رقيقة على أرضية ترابية باردة. نظر إلى السقف المتآكل فوقه، حيث تتسلل أشعة الضوء الخافتة من الشقوق.

يوم آخر. يوم آخر من لا شيء.

"كاين!"صوت لينا جاء من الخارج، دافئاً رغم برودة الصباح.

"أنا قادم."نهض ببطء، ولبس ملابسه البالية. قميص رمادي كان أبيض يوماً ما، وسروال بني مرقع في أكثر من مكان.

نظر إلى انعكاسه الباهت في قطعة معدنية صدئة معلقة على الجدار.

شعر أسود أشعث، وعينان رماديتان باهتتان، ووجه حاد الملامح أنهكته سنوات من الجوع والعمل الشاق.

تسعة عشر عاماً. هذا كل ما عاشه.

لكنه شعر أحياناً أنه عاش أكثر من ذلك بكثير.

خرج من الكوخ ليجد لينا تنتظره.

كانت تحمل سلة صغيرة فيها بعض الخبز الجاف وقطع من الجبن.

"الإفطار،" قالت بابتسامة.

"سرقته من مخزن السيد غارون. لا تخبره.

"لينا..."

"لا تنظر إليّ هكذا. هو مدين لنا بأجور ثلاثة أشهر. هذا ليس سرقة، هذا تحصيل ديون."

رغم نفسه، ابتسم كان.

لينا كانت الشيء الوحيد الجيد في هذا المكان.

صديقة طفولته، أخته التي لم تلدها أمه.

كانت أصغر منه بعام، بشعرها البني الطويل وعينيها الخضراوين اللتين لم تفقدا بريقهما رغم كل شيء.

"شكراً،" قال، وأخذ قطعة خبز.

جلسا على صخرة قريبة، يأكلان في صمت بينما يراقبان الغسق يستيقظ ببطء.

أكواخ تفتح أبوابها، وأطفال يخرجون للعب في الوحل، ورجال ونساء يتثاقلون نحو أعمالهم اليومية.

"سمعت أن هناك قافلة تجارية ستمر اليوم،" قالت لينا. "ربما يمكننا بيع بعض الأعشاب.

"ربما."

"أو يمكننا..." توقفت فجأة، ونظرت إليه بقلق.

"كاين، هل أنت بخير؟"

"نعم. لماذا؟"

"تبدو شارداً أكثر من المعتاد."نظر كاين إلى يديه.

كيف يشرح لها ما يشعر به؟ هذا الإحساس الغريب الذي يلازمه منذ أسابيع. الشعور بأن هناك شيئاً ما... مختلفاً.

شيئاً لا يستطيع تفسيره.

"أنا بخير،"

"فقط لم أنم جيداً."

العمل في الغسق كان قاسياً ورتيباً.

كاين كان يعمل في مزرعة السيد غارون، يحرث الأرض ويزرع ويحصد. عمل شاق تحت شمس حارقة أو مطر بارد، مقابل أجر بالكاد يكفي للبقاء على قيد الحياة.

لكن اليوم كان مختلفاً.بدأ الأمر عندما كان يحمل سلة من القمح نحو المخزن. فجأة، شعر بشيء غريب. كأن العالم من حوله... تغير.

لثانية واحدة، رأى شيئاً لم يره من قبل.

خيوط.

خيوط رفيعة، شبه شفافة، تتشابك في كل مكان.

تخرج من الأرض، من الأشجار، من الهواء نفسه. وتتصل بكل شيء حي.

رأى خيوطاً تخرج من العمال الآخرين، نابضة بألوان مختلفة. بعضها أخضر، بعضها أحمر، بعضها أزرق.ثم اختفى كل شيء.

وقع كاين على ركبتيه، يلهث.

السلة سقطت من يديه، والقمح تناثر على الأرض.

"يا فتى! ما الذي تفعله؟"صوت السيد غارون جاء غاضباً.

رجل ضخم في الخمسينات من عمره، بوجه أحمر وعينين صغيرتين قاسيتين

."أنا... أنا آسف، سيدي. شعرت بدوار...

"دوار؟ دوار؟!" اقترب غارون منه، ووجهه يتحول إلى لون أغمق من الغضب.

"أنا لا أدفع لك لتشعر بالدوار! اجمع هذا القمح فوراً، أو سأخصم من أجرك!"

"نعم، سيدي."بينما كان يجمع القمح بيدين مرتجفتين، كان عقل كاين يدور بسرعة. ما الذي رآه؟ هل كان حلماً؟ هلوسة من الجوع والإرهاق؟لكنه بدا حقيقياً جداً.

تلك الخيوط... كانت هناك.

كان يستطيع أن يشعر بها، حتى الآن، كصدى خافت في حواسه.

عندما عاد إلى الكوخ مساءً، وجد لينا تنتظره بقلق واضح على وجهها.

"سمعت ما حدث،"

قالت. "غارون يخبر الجميع أنك مجنون."

"لست مجنوناً."

"أعرف ذلك. لكن..."

اقتربت منه، وخفضت صوتها. "ما الذي حدث حقاً؟"

نظر كاين إليها. لينا كانت الشخص الوحيد الذي يثق به في هذا العالم.

إذا لم يستطع أن يخبرها، فمن يستطيع أن يخبر؟

"رأيت شيئاً،" قال أخيراً. "شيئاً غريباً. خيوطاً... في كل مكان. تخرج من الناس، من الأشجار، من كل شيء."

توقع أن تنظر إليه بخوف أو شك. لكنها بدلاً من ذلك أمسكت بيده."منذ متى؟"

"اليوم كانت المرة الأولى بهذا الوضوح. لكن... كنت أشعر بشيء غريب منذ أسابيع."

صمتت لينا لفترة طويلة. ثم قالت: "جدتي كانت تحكي قصصاً. عن أشخاص يستطيعون رؤية ما لا يراه الآخرون. كانت تسميهم 'عيون القدر'."

"هذه مجرد خرافات."

"ربما. أو ربما لا." نظرت إليه بجدية.

"كاين، إذا كنت تستطيع حقاً رؤية شيء مختلف... يجب أن تكون حذراً. الإمبراطورية لا تحب الأشياء التي لا تفهمها.

"مرت ثلاثة أيام.في كل يوم، كانت الرؤى تزداد وضوحاً. لم يعد كاين يحتاج إلى التركيز لرؤية الخيوط.

كانت هناك، دائماً، في حافة وعيه. يستطيع أن يراها إذا أراد، ويستطيع أن يتجاهلها إذا أراد.

بدأ يفهم بعض الأشياء. الخيوط الخضراء كانت تخرج من النباتات.

الخيوط الزرقاء من الماء.

الخيوط الحمراء والبرتقالية من الناس.

كل لون يبدو مرتبطاً بشيء مختلف.لكنه لاحظ شيئاً آخر.

بعض الناس لديهم خيوط أكثر سمكاً وأكثر إشراقاً من الآخرين.

السيد غارون، مثلاً، كان لديه خيوط برتقالية سميكة تلتف حول ذراعيه.

بينما معظم سكان الغسق كانت خيوطهم رفيعة وباهتة.وهو نفسه؟عندما نظر إلى يديه، لم يرَ شيئاً.

لا خيوط. لا ألوان. فقط... فراغ.

كان هذا أغرب شيء على الإطلاق.

كل شيء حي لديه خيوط.

إلا هو.في اليوم الرابع، جاءوا.

كان كاين يعمل في الحقل عندما سمع صوت حوافر الخيول. نظر ليرى موكباً يقترب من الغسق.

خيول سوداء ضخمة، وفرسان يرتدون دروعاً داكنة، وفي المقدمة...رجل.حتى من هذه المسافة، استطاع كاين أن يشعر بشيء مختلف عنه.

عندما ركز، رأى خيوطه.وتجمد في مكانه.الخيوط حول هذا الرجل كانت... مرعبة.

زرقاء داكنة، سميكة كالحبال، تتلوى حوله كأفاعٍ حية.

كانت أقوى بمئة مرة من أي شيء رآه من قبل.

أقوى حتى من خيوط غارون.

من هذا الرجل؟توقف الموكب في وسط القرية.

نزل الرجل ذو الخيوط المرعبة من حصانه.

كان طويلاً، في الخمسينات من عمره، بشعر رمادي قصير وندبة تعبر عينه اليسرى.

وجهه كان بارداً كالحجر، وعيناه الزرقاوان تفحصان كل شيء بنظرة حادة.

"أين رئيس هذه القرية؟" صوته كان عميقاً، آمراً، لا يقبل الرفض.تقدم رجل عجوز مرتجف.

"أنا... أنا هو، سيدي. كيف يمكنني خدمتكم؟"

"أنا الجنرال ثورن. جئت أبحث عن شخص.

"الجنرال ثورن.

حتى في الغسق، سمع كاين هذا الاسم.

أحد أقوى رجال الإمبراطورية.

قائد عسكري أسطوري.

يقال إنه لم يخسر معركة واحدة في حياته.

ماذا يفعل رجل مثله في مكان مثل هذا؟

"شخص؟" سأل رئيس القرية.

"من... من تبحثون عنه، سيدي؟"

نظر الجنرال ثورن حوله ببطء. عيناه تتنقلان من وجه إلى وجه، كأنه يبحث عن شيء محدد.ثم توقفت عيناه على كاين.شعر كاين بقشعريرة تسري في جسده. تلك العينان الزرقاوان الباردتان كانتا تنظران إليه مباشرة، تخترقانه، كأنهما تريان شيئاً لا يراه الآخرون.

ابتسم الجنرال. ابتسامة صغيرة، باردة، لا تصل إلى عينيه.

"وجدته."

2026/01/19 · 24 مشاهدة · 1048 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026