---

"لدينا ضيوف."

الكلمات خرجت من فم الطبيب بهدوء مخيف. لم يكن هناك صراخ، لا إنذار، لا استدعاء للحراس. فقط تلك الكلمات الباردة، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه.

كاين شعر بقلبه يتوقف. بجانبه، سمع فاليريوس يلعن تحت أنفاسه.

"لا تتحركوا." قال الطبيب، رافعاً يده في إشارة هادئة. "إذا حاولتم الهرب، سأضطر لاستدعاء الحراس. وصدقوني، هم ليسوا لطفاء مثلي. بعضهم لم يأكل منذ أيام، إذا فهمتم قصدي."

نظر كاين حوله بسرعة، محاولاً إيجاد مخرج. لكن الكهف كان محاطاً بالعمال والمعدات. والممر الذي أتوا منه كان بعيداً جداً. لن يصلوا إليه قبل أن يُمسكوا.

"من أنتم؟" سأل الطبيب، وهو يتقدم نحوهم ببطء. خطواته كانت محسوبة، واثقة، كأنه يتنزه في حديقة وليس يواجه متسللين. "لا، انتظروا. دعوني أخمن."

توقف على بعد أمتار قليلة منهم. عيناه الرماديتان فحصتا كاين بدقة مقلقة، كأنه ينظر إلى عينة تحت المجهر.

"الشعر الأسود. العيون الداكنة. وهذا الشعور الغريب حولك..." مال برأسه قليلاً. "أنت الفتى الذي يرى الخيوط، أليس كذلك؟ الذي أوقف الشبح في هجوم المعهد."

لم يرد كاين. لكن صمته كان إجابة كافية.

"رائع." قال الطبيب، وابتسامته اتسعت. "رائع حقاً. لقد قرأت التقارير عن تلك الليلة. كيف تمكن طالب صغير من إيقاف أحد أفضل إبداعاتي. كنت أتساءل كيف فعلتها." اقترب أكثر. "والآن أنت هنا. في قلب عرشي. كأن القدر يريدني أن أفهم."

"ابتعد عنه." قال فاليريوس، متقدماً ليقف بين كاين والطبيب. كانت يداه تتوهجان بالفعل، والنار تتراقص حول أصابعه.

"آه، الحامي الشجاع." قال الطبيب بسخرية لطيفة. "من عشيرة فالكون، إذا لم أكن مخطئاً. أستطيع أن أشم رائحة النار في دمك." نظر إلى النار حول يدي فاليريوس. "جميلة. لكنها لن تفيدك هنا."

"سنرى." قال فاليريوس.

---

لم يتحرك الطبيب. فقط وقف هناك، ينتظر.

"لن تهاجم؟" سأل بفضول حقيقي. "أنا أعطيك الفرصة. هيا. أرني ما تستطيع فعله."

نظر فاليريوس إلى كاين. كان يبحث عن إشارة، عن خطة. لكن كاين كان يركز على شيء آخر. كان ينظر إلى خيوط الطبيب.

وما رآه جعله يشعر بالبرد.

خيوط الطبيب كانت مختلفة عن أي شيء رآه من قبل. لم تكن مجرد خيوط جوهر عادية. كانت متشابكة مع شيء آخر. شيء أسود، قديم، عميق. كأن الظلام نفسه كان جزءاً من نسيجه.

"كاين؟" همس فاليريوس.

"إنه قوي." همس كاين. "قوي جداً. خيوطه... لم أرَ شيئاً مثلها من قبل."

"كم قوي؟"

"لا أعرف. لكن..." بلع كاين. "لا أعتقد أننا نستطيع هزيمته."

سمع الطبيب همسهم وضحك. ضحكة هادئة، مهذبة تقريباً.

"الفتى ذكي." قال. "يستطيع أن يرى ما لا يراه الآخرون. هذا بالضبط ما يجعلك مميزاً، أليس كذلك؟" تقدم خطوة أخرى. "اسمي الدكتور مالكوم. وأنا أعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك."

"أنت تكذب." قال كاين.

"لماذا أكذب؟ أنت هنا، في قلب مملكتي، محاط بجنودي. ليس لدي سبب للكذب." جلس مالكوم على صندوق قريب، وكأنهم في محادثة ودية بين أصدقاء قدامى. "دعني أخبرك قصة. قصة عن مشروع بدأ قبل ستة عشر عاماً."

---

"في ذلك الوقت، كنت أعمل للإمبراطورية." بدأ مالكوم. "كنت رئيس قسم الأبحاث في مشروع سري جداً. مشروع 'الفجر'. هدفنا كان بسيطاً: خلق بشر يستطيعون رؤية ما لا يراه الآخرون. نسيج الواقع نفسه. الخيوط التي تربط كل شيء."

كاين شعر بقشعريرة تسري في جسده. كان يعرف إلى أين تتجه هذه القصة.

"أجرينا تجارب كثيرة." تابع مالكوم. "على متطوعين في البداية. ثم على سجناء. ثم على... آخرين." لم يحدد من كان هؤلاء 'الآخرون'. "معظمهم ماتوا. بعضهم جُنّ. عقولهم لم تستطع تحمل رؤية ما لا يجب أن يُرى."

"لكن كان هناك استثناء واحد."

نظر إلى كاين مباشرة.

"أنت."

صمت ثقيل ملأ الكهف. حتى العمال توقفوا عن الحركة، كأنهم يشعرون بثقل اللحظة.

"أنت تكذب." قال كاين مرة أخرى، لكن صوته كان أضعف هذه المرة.

"العينة رقم 7." قال مالكوم، متجاهلاً إنكاره. "هكذا كنا نسميك. طفل رضيع، لا يتجاوز عمره بضعة أشهر. لا نعرف من أين أتيت بالضبط. أحد جنودنا وجدك في قرية مدمرة في الغسق. كنت الناجي الوحيد."

الغسق. المكان الذي نشأ فيه كاين. المكان الذي قيل له إنه وُلد فيه.

"أجرينا عليك التجربة. نفس التجربة التي قتلت العشرات قبلك." تابع مالكوم. "لكنك لم تمت. لم تجنّ. بدلاً من ذلك، نجحت. تكيفت. أصبحت قادراً على رؤية الخيوط."

"ثم ماذا حدث؟" سأل كاين، رغماً عنه. كان يكره نفسه لأنه يريد أن يعرف. لكنه لم يستطع إيقاف نفسه.

"ثم جاء الجنرال ثورن." قال مالكوم، وظهر شيء يشبه الغضب في صوته للمرة الأولى. "هو وفريقه. هاجموا منشأتنا. دمروا سنوات من البحث. قتلوا زملائي." توقف. "وأخذوك."

---

كاين شعر بالدوار. ثورن؟ الجنرال ثورن أنقذه؟ لماذا لم يخبره أحد؟

"بالطبع، لم يخبروك." قال مالكوم، كأنه يقرأ أفكاره. "لماذا يفعلون؟ أنت أداة بالنسبة لهم. سلاح. لا يهمهم من أنت أو من أين أتيت. يهمهم فقط ما تستطيع فعله."

"هذا ليس صحيحاً." قال كاين، لكن صوته كان يفتقر إلى اليقين.

"أليس كذلك؟" ابتسم مالكوم. "فكر في الأمر. لماذا أنت في المعهد؟ لماذا يهتمون بك؟ هل لأنك شخص مميز؟ أم لأن قدرتك مميزة؟"

صمت.

"أنا على الأقل صادق معك." قال مالكوم. "أنا أريدك لأنك مفيد. لأن قدرتك يمكن أن تساعدني في فهم أشياء لا يفهمها أحد آخر. لكنني لن أتظاهر بأنني أهتم بك كشخص. هذا هو الفرق بيني وبينهم. أنا لا أكذب."

"كفى!" صرخ فاليريوس فجأة. "كفى كلاماً!"

أطلق كرة نارية ضخمة مباشرة نحو مالكوم. كانت سريعة، قوية، مليئة بكل الغضب الذي كان يشعر به.

لكن مالكوم لم يتحرك.

ببساطة، ظهر حاجز أسود أمامه. ليس جداراً صلباً، بل شيء يشبه الفراغ نفسه. ابتلع الحاجز النار كأنها لم تكن. لم يكن هناك صوت، لا انفجار، لا حرارة. فقط... لا شيء.

"مثير للإعجاب." قال مالكوم بهدوء. "قوة نارية جيدة لشخص في عمرك. لكنها لن تفيدك ضدي."

رفع يده، وظهرت رونية سوداء في الهواء.

---

ما حدث بعد ذلك كان سريعاً جداً.

شعر فاليريوس بشيء يلتف حول جسده. سلاسل من الظلام، باردة كالموت، قوية كالفولاذ. حاول أن يحرق نفسه للتحرر، لكن النار لم تؤثر فيها.

كاين حاول التدخل. حاول أن يمد يده نحو الخيوط، أن يفك السلاسل، أن يفعل أي شيء. لكن عندما لمس خيوط مالكوم، شعر بألم حاد في رأسه. كأن شيئاً ما يدفعه بعيداً، يرفض أن يُلمس.

"لا تحاول." قال مالكوم. "خيوطي محمية. لقد قضيت سنوات في تحصين نفسي ضد أمثالك." تقدم نحو كاين. "الآن، لنكن عمليين. لدي أسئلة كثيرة. وأنت ستجيب عليها."

"لن أخبرك بأي شيء." قال كاين.

"لم أقل إنك ستختار." رفع مالكوم يده، وشعر كاين بضغط هائل على جسده. سقط على ركبتيه، غير قادر على التنفس. "أنا لست بحاجة لتعاونك. أنا فقط بحاجة لجسدك. عقلك. سأستخرج ما أريده، سواء أردت أم لا."

نظر إلى أحد مساعديه. "خذ هذا إلى المختبر." أشار إلى كاين. "وهذا..." نظر إلى فاليريوس المقيد. "اجعله جاهزاً للتجربة. أريد أن أرى كيف يتفاعل جسده مع البذرة."

"لا!" صرخ كاين، محاولاً النهوض. "اتركه! خذني بدلاً منه!"

"سآخذكما معاً." قال مالكوم ببساطة. "لكنه سيكون أولاً. أنت ثمين جداً لأخاطر بك في تجربة غير مختبرة. سأستخدمه لاختبار البذرة الجديدة. إذا نجح، سأعرف أنها آمنة. وإذا فشل..." هز كتفيه. "حسناً، هناك دائماً المزيد من العينات."

سُحب كاين بعيداً. حاول المقاومة، لكن القوة التي تمسكه كانت أقوى بكثير. آخر ما رآه قبل أن يُسحب إلى الممر المظلم كان وجه فاليريوس، شاحباً ومليئاً بالخوف، والسلاسل السوداء تلتف حوله كأفاعٍ جائعة.

---

في الخارج، كان فريق التشتيت ينتظر.

مرت ساعة منذ أن دخل كاين وفاليريوس. ساعة من الصمت المقلق.

"شيء خطأ." قال ريان للمرة العاشرة. كان يسير ذهاباً وإياباً، ويده على مقبض سيفه. "كان يجب أن يعودوا الآن."

"ربما يستغرقون وقتاً أطول مما توقعنا." قالت سيرين، لكن صوتها كان يفتقر إلى اليقين المعتاد.

"أو ربما تم القبض عليهم." قال كيران بهدوء.

نظر إليه الاثنان.

"فكروا في الأمر." تابع كيران. "لقد رأينا كم عدد الحراس هناك. وكم عدد الفخاخ. احتمال أن يتم اكتشافهم كان مرتفعاً منذ البداية."

"إذن ماذا نفعل؟" سأل ريان. "نذهب لمساعدتهم؟"

"إذا ذهبنا الآن، بدون خطة، سنُقبض علينا أيضاً." قالت سيرين. "هذا لن يساعد أحداً."

"إذن نتركهم؟!"

"لم أقل ذلك." قالت سيرين. كانت تفكر، عيناها تتحركان بسرعة كأنها تحسب شيئاً في رأسها. "نحتاج إلى معلومات أولاً. نحتاج أن نعرف ماذا حدث بالضبط. هل تم القبض عليهم؟ أين يُحتجزون؟ كم عدد الحراس؟"

"وكيف نحصل على هذه المعلومات؟"

"نراقب." قالت سيرين. "نختبئ. ننتظر. ونخطط."

---

وجدوا مكاناً للاختباء على تلة صغيرة تطل على مجمع المناجم. كان بعيداً بما يكفي ليكونوا آمنين، لكن قريباً بما يكفي ليروا الحركة.

وانتظروا.

مرت ساعات. شاهدوا الحراس يتبدلون. شاهدوا عربات تدخل وتخرج. شاهدوا أشكالاً مقنعة تتحرك بين المباني.

"هناك." قالت سيرين فجأة، مشيرة إلى مبنى صغير على حافة المجمع. "هل ترون تلك الفتحات في السقف؟"

نظر ريان وكيران. كانت هناك فتحات صغيرة، بالكاد مرئية، منتشرة على أسطح عدة مباني.

"أنفاق تهوية." قالت سيرين. "المناجم القديمة كلها لها نفس التصميم. أنفاق ضيقة لتدوير الهواء في الأعماق. معظم الناس ينسون وجودها."

"هل تقترحين أن ندخل من هناك؟" سأل كيران.

"أقترح أن أحدنا يدخل من هناك." قالت سيرين. "الأنفاق ضيقة جداً. شخص واحد فقط يمكنه المرور."

"أنا سأذهب." قال ريان فوراً.

"لا." قالت سيرين. "أنت كبير جداً. ستعلق."

"إذن أنتِ؟"

"أنا أحتاج للبقاء هنا. للتنسيق. للتخطيط." نظرت إلى كيران. "كيران هو الأصغر حجماً. وهو..." توقفت، كأنها تبحث عن الكلمة المناسبة. "هادئ. يمكنه التحرك بدون أن يُلاحظ."

نظر ريان إلى كيران. كان هناك شيء في عيني الفتى الآخر. شيء لم يستطع ريان تحديده. لكنه عرف، بطريقة ما، أن سيرين كانت على حق.

"حسناً." قال ريان أخيراً. "لكن إذا لم تعد خلال ساعتين، سأدخل بنفسي. حتى لو اضطررت لهدم المكان بأكمله."

ابتسم كيران ابتسامته المعتادة. "صفقة."

---

انتظروا حتى حلول الليل.

عندما أصبح الظلام كاملاً، تحرك كيران. تسلل بين الصخور والظلال، متجنباً الحراس ودوريات المراقبة. وصل إلى أحد المباني الطرفية، وتسلق جداره بصمت مدهش.

وجد فتحة التهوية. كانت أصغر مما توقع. لكنه استطاع أن يضغط نفسه من خلالها.

الظلام ابتلعه.

"أخيراً."

قال صوت في رأسه.

"ظننت أنك ستبقى تختبئ في الخارج للأبد."

"اصمت."

قال كيران بصمت.

"أنا أركز."

"أنا أستطيع مساعدتك على التركيز. أستطيع أن أريك الطريق. أستطيع أن أشم رائحة أصدقائك."

"لا أحتاج مساعدتك."

"بعد."

قال الصوت.

"لا تحتاج مساعدتي بعد. لكنك ستحتاجها. دائماً تحتاجها في النهاية."

زحف كيران في الظلام، متجاهلاً الصوت، متجاهلاً الخوف، متجاهلاً كل شيء إلا الهدف أمامه.

كان سينقذ أصدقاءه.

مهما كلفه الأمر.

2026/01/23 · 8 مشاهدة · 1578 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026