# عهد السقوط
## الفصل الثاني والعشرون:
---
أنفاق التهوية كانت كابوساً.
كيران زحف على بطنه، وكتفاه يحتكان بالجدران الصخرية الخشنة من الجانبين. الهواء كان خانقاً، مليئاً بالغبار القديم ورائحة الصدأ والرطوبة. الظلام كان مطلقاً، كثيفاً لدرجة أنه شعر وكأنه يسبح في حبر أسود.
لكن كيران لم يكن يعتمد على عينيه.
*"يسار."* قال الصوت في رأسه. *"عشرة أمتار، ثم انعطاف حاد."*
تحرك كيران بصمت، متبعاً التعليمات. كان يكره الاعتماد على "الآخر"، لكنه لم يكن لديه خيار. في هذا الظلام، بدون أي نقطة مرجعية، كان سيضيع في دقائق.
*"أنت تتحسن."* قال الصوت بنبرة ساخرة. *"قبل سنة، كنت سترفض حتى الاستماع إليّ."*
*"قبل سنة، لم يكن أصدقائي في خطر."*
*"أصدقاء."* كرر الصوت الكلمة كأنها مفهوم غريب. *"كلمة مثيرة للاهتمام. هل هم حقاً أصدقاؤك؟ أنت بالكاد تعرفهم."*
*"أعرفهم بما يكفي."*
*"تعرف أنهم سيتخلون عنك في اللحظة التي يكتشفون فيها ما أنت عليه حقاً."*
توقف كيران عن الحركة للحظة. ثم استأنف الزحف.
*"ربما."* اعترف. *"لكن هذا لا يغير شيئاً. هم في خطر الآن. وأنا أستطيع مساعدتهم. هذا كل ما يهم."*
صمت الصوت للحظة. ثم: *"أنت غريب. حتى بالنسبة لي."*
---
بعد ما بدا وكأنه ساعات، لكنه كان على الأرجح نصف ساعة فقط، وصل كيران إلى فتحة تطل على ممر مضاء.
توقف وأطل بحذر.
كان الممر فارغاً. جدرانه من الصخر الخام، وأرضيته مغطاة بالغبار. بلورات صغيرة متوهجة كانت مثبتة على الجدران على فترات منتظمة، تعطي ضوءاً خافتاً مزرقاً.
*"اثنان من الحراس على بعد ثلاثين متراً إلى اليمين."* قال الصوت. *"يتحدثان. مشتتان."*
*"وإلى اليسار؟"*
*"واضح. لكن هناك شيء آخر. أشم رائحة... ألم. خوف. قريب جداً."*
*"أصدقائي؟"*
*"ربما. أو ربما مجرد سجناء آخرين. هذا المكان مليء بهم."*
دفع كيران غطاء فتحة التهوية بهدوء وانزلق إلى الممر. هبط بصمت تام، كقطة تقفز من على سور.
تحرك يساراً، ملتصقاً بالجدران، مستخدماً الظلال كغطاء. كل حواسه كانت في أقصى تركيزها. كل صوت، كل حركة، كل تغير في الهواء، كان يسجله ويحلله.
*"باب على يمينك. خلفه شيء حي. ضعيف. يحتضر ربما."*
توقف كيران أمام الباب. كان من الحديد الثقيل، مع نافذة صغيرة مغطاة بقضبان. نظر من خلالها.
ما رآه جعله يشعر بالغثيان.
كانت غرفة صغيرة، أشبه بزنزانة. وعلى الأرض، ملقى في زاوية، كان هناك شكل بشري. أو ما كان بشرياً في يوم من الأيام. الآن، كان مشوهاً. أطراف ملتوية بزوايا غير طبيعية. جلد رمادي متقشر. وعينان فارغتان تحدقان في اللاشيء.
"تجربة فاشلة." همس كيران لنفسه.
*"واحدة من كثيرات."* قال الصوت. *"هذا المكان مصنع للوحوش. يأخذون البشر ويحولونهم إلى... أشياء. معظمهم يموتون. القليل منهم يعيش. لكن الذين يعيشون لم يعودوا بشراً."*
شعر كيران بشيء يتحرك في أعماقه. غضب. اشمئزاز. ورغبة قوية في تدمير كل شيء في هذا المكان.
*"جيد."* قال الصوت، وكأنه يشعر بمشاعره. *"استخدم هذا الغضب. سيجعلك أقوى."*
*"لا."* قال كيران بحزم. *"الغضب يجعلني متهوراً. أحتاج للتركيز."*
*"كما تشاء. لكن تذكر، عندما تفشل طريقتك، طريقتي ستكون في الانتظار."*
---
واصل كيران التقدم في الأنفاق. مر بعدة زنزانات أخرى، كل واحدة تحتوي على مشهد أكثر رعباً من سابقتها. تجارب فاشلة. وحوش نصف مكتملة. وبشر فقدوا كل شيء يجعلهم بشراً.
ثم، وصل إلى مفترق طرق.
*"يسار يؤدي إلى المختبر الرئيسي."* قال الصوت. *"يمين يؤدي إلى زنزانات الاحتجاز. أشم رائحة صديقيك من اليمين."*
*"هل أنت متأكد؟"*
*"متأكد بنسبة 87%. الرائحة مختلطة برائحة الدم والخوف، لكنها هم."*
انعطف كيران يميناً.
الممر هنا كان مختلفاً. أضيق. أكثر ظلمة. وكان هناك شعور بالثقل في الهواء، كأن شيئاً ما يضغط على صدره.
*"سحر حماية."* قال الصوت. *"ضعيف، لكنه موجود. يحاول إبعاد المتسللين."*
*"هل يمكنني تجاوزه؟"*
*"أنت؟ لا. أنا؟ بسهولة."*
*"لا."*
*"إذن ستعاني. اختيارك."*
واصل كيران التقدم، متجاهلاً الضغط المتزايد. كل خطوة كانت أصعب من سابقتها. شعر بصداع يبدأ في مؤخرة رأسه، ينتشر ببطء. لكنه لم يتوقف.
وأخيراً، وصل.
---
كانت هناك زنزانتان متجاورتان في نهاية الممر. مصنوعتان من قضبان سوداء غريبة لا تعكس الضوء.
في الأولى، كان كاين.
كان جالساً على الأرض، ظهره إلى الجدار، وعيناه مغلقتان. كانت هناك ضمادات على ذراعيه، ملطخة بالدم الجاف. وجهه كان شاحباً، منهكاً، لكنه كان حياً.
في الثانية، كان فاليريوس.
وهنا توقف كيران.
فاليريوس لم يكن على ما يرام. كان ملقى على الأرض، جسده يرتجف بعنف متقطع. وكان هناك شيء... خطأ. خطوط سوداء تحت جلده، تنتشر من صدره إلى رقبته وذراعيه. كأن شيئاً ما كان ينمو بداخله، يلتهمه من الداخل.
*"البذرة."* قال الصوت بجدية غير معتادة. *"لقد زرعوا فيه بذرة الفراغ."*
*"ما هي؟"*
*"جوهر مخلوقاتهم. الشيء الذي يحول البشر إلى تلك الوحوش. إذا اكتمل نموها، سيصبح واحداً منهم."*
*"كم من الوقت لديه؟"*
صمت. ثم: *"لا أعرف. ساعات. ربما يوم. يعتمد على قوة إرادته."*
"كيران؟"
الصوت جاء من الزنزانة الأولى. فتح كاين عينيه، ونظر إليه بصدمة ممزوجة بالأمل.
"كيران! كيف—"
"لا وقت للشرح." همس كيران، وهو يفحص القفل. كان معقداً، مليئاً بالرونية السحرية. "أحتاج لفتح هذا."
"لن تستطيع." قال كاين. "إنه مغلق بسحر مالكوم. لا يمكن فتحه إلا بمفتاحه أو—"
"أو بقوة أكبر من سحره." أكمل كيران.
نظر إلى القفل. نظر إلى يديه. ثم نظر إلى كاين.
"سأحتاج منك أن تثق بي." قال. "وألا تسأل أي أسئلة. ليس الآن."
"كيران، ماذا—"
"ثق بي."
صمت كاين. ثم أومأ برأسه.
أغمض كيران عينيه. تنفس بعمق. ثم، ببطء، فتحهما مرة أخرى.
لم تكونا بنيتين بعد الآن.
كانتا ذهبيتين. متوهجتين. وحول يديه، بدأ شيء يتشكل. ليس ناراً عادية. شيء أسود، أعمق من الظلام نفسه، لكنه يتوهج بحواف ذهبية.
"ما هذا؟" همس كاين، وعيناه واسعتان.
لم يجب كيران. فقط وضع يده على القفل.
---
النار السوداء لم تحرق القفل. التهمته. ذابت الرونية السحرية كأنها لم تكن. تآكل المعدن في ثوانٍ. وانفتح الباب.
"اخرج." قال كيران، وصوته كان مختلفاً الآن. أعمق. أكثر رنيناً. "بسرعة."
خرج كاين من الزنزانة، وعيناه لا تزالان على كيران. كان يستطيع أن يرى خيوطه الآن. وما رآه أخافه.
خيوط كيران كانت مزدوجة. كأن هناك شخصين في جسد واحد. أحدهما بشري، عادي، مألوف. والآخر... شيء آخر. شيء قديم. شيء خطير.
"فاليريوس." قال كاين، محاولاً التركيز على الأولوية. "يجب أن ننقذه. مالكوم زرع شيئاً فيه."
"أعرف." قال كيران. تحرك نحو الزنزانة الثانية ووضع يده على القفل. مرة أخرى، التهمت النار السوداء المعدن.
دخل كاين إلى الزنزانة وركع بجانب فاليريوس.
"فاليريوس. هل تسمعني؟"
"كا... ين..." صوته كان ضعيفاً، مشوهاً، كأن شخصين يتحدثان في نفس الوقت. "اهرب... أنا... لا أستطيع... السيطرة..."
"لن أتركك." قال كاين. وضع يديه على صدر فاليريوس، مباشرة فوق قلبه، حيث كانت الخطوط السوداء أكثر كثافة. "سأخرجها منك."
"لا... تستطيع... إنها... جزء مني... الآن..."
"سنرى."
أغمض كاين عينيه وركز.
---
رأى الخيوط.
رأى خيوط فاليريوس، البرتقالية والذهبية، خيوط النار والحياة. لكنها كانت ملتفة، مختنقة، بشيء آخر. خيوط سوداء، كثيفة، تنبض بإيقاع غريب. البذرة.
كانت متجذرة بعمق. جذورها تمتد في كل اتجاه، تلتف حول خيوط فاليريوس الأصلية، تمتص منها، تحولها.
*هذا صعب.* فكر كاين. *أصعب من أي شيء فعلته من قبل.*
لكنه لم يتراجع.
بدأ يعمل. ببطء، بحذر، بدأ يفصل الخيوط السوداء عن الخيوط الأصلية. كان مثل فك عقدة معقدة، حيث كل حركة خاطئة قد تشد العقدة أكثر.
صرخ فاليريوس من الألم.
"استمر!" قال كيران، الذي كان يقف عند الباب، يراقب الممر. "ليس لدينا وقت!"
"أنا أحاول!"
قال كاين من بين أسنانه المطبقة. العرق كان يتصبب من جبهته. كل خيط يفصله كان يستنزف طاقته.
ثم، سمع صوتاً.
خطوات. قادمة من الممر. كثيرة.
"لدينا شركة." قال كيران بهدوء.
---