"وجدته."

كلمتان فقط. لكنهما غيرتا كل شيء.

وقف كاين مجمداً في مكانه، والسلة التي كان يحملها سقطت من يديه للمرة الثانية في ذلك اليوم. حوله، تجمع سكان الغسق في دائرة واسعة، وجوههم مزيج من الخوف والفضول. لم يأتِ أحد بهذه الأهمية إلى قريتهم المنسية من قبل.

الجنرال ثورن تقدم نحوه بخطوات بطيئة ومحسوبة. كل خطوة كانت تبدو وكأنها تهز الأرض تحت قدمي كاين. الخيوط الزرقاء الداكنة التي تحيط بالجنرال كانت تتلوى وتنبض، كأنها كائنات حية تشعر بوجود فريستها.

"أنت كاين، أليس كذلك؟" سأل ثورن. صوته كان هادئاً، لكنه يحمل ثقلاً لا يمكن تجاهله.

"نعم... سيدي." ابتلع كاين ريقه بصعوبة.

"كم عمرك؟"

"تسعة عشر عاماً."

"والداك؟"

"ماتا عندما كنت طفلاً. لا أتذكرهما."

أومأ ثورن برأسه ببطء، كأن هذه الإجابة أكدت شيئاً كان يعرفه مسبقاً. ثم فعل شيئاً لم يتوقعه أحد.

رفع يده.

في لحظة واحدة، تجمعت الخيوط الزرقاء حول كفه وشكلت كرة صغيرة من الطاقة المتوهجة. كانت تنبض بقوة هائلة، قوة يستطيع كاين أن يشعر بها في عظامه. ثم أطلقها ثورن.

ليس نحو كاين.

بل نحو كوخ قديم متهالك على حافة القرية.

الانفجار كان مدوياً. الكوخ تحول إلى حطام وغبار في ثانية واحدة. موجة الصدمة أطاحت بعدة أشخاص من على أقدامهم. صرخات الرعب ملأت الهواء.

لكن كاين لم يصرخ.

كان مشغولاً جداً بما رآه. في اللحظة التي أطلق فيها ثورن تلك الكرة، رأى كاين شيئاً مذهلاً. رأى كيف تجمعت الخيوط من كل مكان، من الهواء، من الأرض، حتى من الناس المحيطين، وتدفقت نحو يد ثورن. رأى كيف ضغطها الجنرال وشكلها بإرادته. ورأى المسار الذي ستسلكه الكرة قبل أن تنطلق.

"مثير للاهتمام."

صوت ثورن جعله يعود إلى الواقع. كان الجنرال يحدق فيه بنظرة فاحصة.

"لم ترمش. لم تتراجع. كنت تراقب." اقترب ثورن حتى أصبح وجهه على بعد شبر من وجه كاين. "ماذا رأيت؟"

كاين تردد. هل يكذب؟ هل يتظاهر بالجهل؟ لكن شيئاً في عيني ثورن أخبره أن الكذب سيكون خطأً فادحاً.

"رأيت... خيوطاً،" قال أخيراً. "خيوطاً زرقاء. تجمعت في يدك. ثم انطلقت."

ابتسامة ثورن اتسعت. لم تكن ابتسامة دافئة. كانت ابتسامة صياد وجد فريسة نادرة.

"كما توقعت."

---

"لا!"

صوت لينا اخترق الصمت. اندفعت من بين الحشد ووقفت أمام كاين، ذراعاها ممدودتان كأنها تحاول حمايته.

"لن تؤذيه! لن أسمح لك!"

الجنود الذين يرافقون ثورن وضعوا أيديهم على مقابض سيوفهم. لكن ثورن رفع يده، وتوقفوا.

"ومن تكونين أنتِ؟" سأل بنبرة مسلية.

"أنا... أنا صديقته. وهو لم يفعل شيئاً خاطئاً!"

"لينا، لا بأس..." بدأ كاين.

"لا! ليس لا بأس!" استدارت إليه، وعيناها الخضراوان تلمعان بالدموع والغضب. "أعرف ما يحدث للناس الذين يأخذهم الجيش. لا يعودون أبداً. لن أفقدك أنت أيضاً!"

ثورن نظر إليها بصمت لفترة طويلة. ثم، بشكل غير متوقع، ضحك. ضحكة قصيرة وجافة.

"شجاعة. غبية، لكنها شجاعة." نظر إلى كاين. "هل هي مهمة بالنسبة لك؟"

"نعم."

"جيد. الروابط تجعلنا أقوى." التفت إلى لينا. "اسمعيني جيداً، أيتها الفتاة. أنا لا آخذ الناس بالقوة. لست بحاجة لذلك. أنا أعرض عليهم فرصة."

استدار ليواجه كاين مرة أخرى.

"كاين. أنت تملك شيئاً نادراً. شيئاً لم أره منذ عقود. عيناك ترى ما لا يراه الآخرون. في الغسق، ستبقى عبداً لرجل مثل..." نظر إلى غارون الذي كان يختبئ خلف الحشد. "...مثل ذلك الخنزير هناك. ستعمل حتى تموت، ولن يتذكرك أحد."

اقترب أكثر، وخفض صوته حتى لا يسمعه سوى كاين ولينا.

"لكن إذا جئت معي، سأعلمك. سأصقل موهبتك. سأجعلك شيئاً أكثر من مجرد قروي بائس. سأجعلك... سلاحاً."

"سلاحاً؟" كرر كاين الكلمة ببطء.

"نعم. سلاحاً ضد أعداء الإمبراطورية. هناك تهديدات في هذا العالم لا تعرف عنها شيئاً. تهديدات تتطلب أدوات خاصة لمواجهتها. أنت يمكن أن تكون تلك الأداة."

صمت كاين. نظر إلى يديه، تلك اليدين اللتين لم تعرفا سوى العمل الشاق والجوع. نظر إلى الغسق من حوله، إلى الأكواخ المتهالكة والوجوه الشاحبة. نظر إلى لينا، التي كانت تنظر إليه بعينين مليئتين بالخوف والأمل في آن واحد.

"ماذا لو رفضت؟" سأل.

"ستبقى هنا. لن أجبرك على شيء." هز ثورن كتفيه. "لكنك ستقضي بقية حياتك تتساءل عما كان يمكن أن يكون. وعندما تموت، ستموت كما عشت. منسياً."

كلمات قاسية. لكنها كانت صادقة. كاين عرف ذلك.

"وإذا قبلت؟"

"ستأتي معي إلى العاصمة. ستتدرب في المعهد الإمبراطوري. ستتعلم أشياء لم تحلم بها. وعندما تكون جاهزاً..." توقف ثورن، وعيناه تلمعان بشيء غامض. "...سأخبرك بالسبب الحقيقي الذي جعلني أبحث عنك."

---

تلك الليلة، جلس كاين ولينا على التلة الصغيرة خارج القرية. كانت نفس التلة التي كانا يجلسان عليها منذ طفولتهما، يراقبان النجوم ويحلمان بعوالم أخرى.

"ستذهب، أليس كذلك؟" سألت لينا بصوت خافت.

"نعم."

لم تقل شيئاً. فقط أسندت رأسها على كتفه.

"لينا، أنا..."

"لا تعتذر." قاطعته. "أنا أفهم. لو كنت مكانك، لفعلت نفس الشيء."

"هل أنتِ غاضبة؟"

ضحكت ضحكة صغيرة حزينة. "بالطبع أنا غاضبة. غاضبة من هذا العالم الظالم. غاضبة من أننا ولدنا في الغسق. غاضبة من أن الفرصة الوحيدة للهروب تعني أن نفترق."

استدارت لتنظر إليه. في ضوء القمر، بدت عيناها الخضراوان كبحيرتين عميقتين.

"لكنني لست غاضبة منك. أبداً."

"سأعود." قال كاين. "أعدك. مهما حدث، سأعود."

"أعرف." ابتسمت. "لأنك كاين. العنيد الذي لا يستسلم أبداً."

مدت يدها وأخرجت شيئاً من جيبها. كان خاتماً بسيطاً، مصنوعاً من معدن رخيص، لكنه كان يلمع في ضوء القمر.

"هذا كان لأمي،" قالت. "الشيء الوحيد الذي تركته لي. أريدك أن تأخذه."

"لينا، لا أستطيع..."

"خذه." وضعته في يده وأغلقت أصابعه عليه. "ليذكرك بأن هناك من ينتظرك. ليذكرك بالعودة."

نظر كاين إلى الخاتم، ثم إليها. شعر بشيء يضغط على صدره، شيء لم يستطع تسميته.

"شكراً لك،" همس. "على كل شيء. على كل هذه السنوات."

"لا تشكرني الآن." مسحت دمعة هربت من عينها. "اشكرني عندما تعود. عندما تصبح قوياً بما يكفي لتغيير هذا العالم."

---

في صباح اليوم التالي، وقف كاين عند مدخل الغسق. كان يرتدي نفس ملابسه البالية، لكنه كان يحمل حقيبة صغيرة فيها كل ما يملكه. وهو لم يكن كثيراً.

الجنرال ثورن كان ينتظره على حصانه. خلفه، كان هناك حصان إضافي، أسود وقوي.

"هل أنت جاهز؟" سأل ثورن.

نظر كاين إلى الوراء. لينا كانت تقف على بعد خطوات، ذراعاها ملفوفتان حول نفسها. لم تبكِ. كانت تبتسم. ابتسامة شجاعة، مؤلمة.

"نعم." قال كاين.

صعد على الحصان بصعوبة. لم يركب حصاناً من قبل في حياته. شعر بعدم التوازن، بالخوف من السقوط. لكنه تمسك.

"الرحلة إلى العاصمة ستستغرق أسبوعاً،" قال ثورن. "سيكون لديك وقت للتفكير. للتساؤل. للندم ربما. لكن تذكر شيئاً واحداً."

التفت لينظر إلى كاين بعينيه الزرقاوين الباردتين.

"من اللحظة التي تخطو فيها قدمك خارج هذه القرية، لن تكون كاين القروي بعد الآن. ستكون شيئاً جديداً. شيئاً يُصنع، لا يُولد. السؤال الوحيد هو: هل ستكون قوياً بما يكفي لتتحمل عملية الصنع؟"

لم ينتظر إجابة. حرك حصانه وانطلق.

كاين نظر إلى الوراء مرة أخيرة. لينا رفعت يدها في وداع صامت. رفع يده هو أيضاً.

ثم استدار، وتبع الجنرال ثورن نحو المجهول.

---

الطريق إلى العاصمة كان أطول مما توقع كاين. ليس فقط بالمسافة، بل بما تعلمه خلاله.

في اليوم الأول، لم يتحدث ثورن كثيراً. كان يركب في صمت، وعيناه تفحصان الأفق باستمرار. لكن في اليوم الثاني، بدأ يتكلم.

"هل تعرف ما هو الجوهر؟" سأل فجأة.

"الطاقة التي يستخدمها الأقوياء،" أجاب كاين. "هذا كل ما أعرفه."

"تعريف سطحي، لكنه ليس خاطئاً." أبطأ ثورن حصانه ليسير بجانب كاين. "الجوهر هو الطاقة الحيوية للعالم. يتدفق في كل شيء. في الأرض، في الهواء، في الماء. وفي البشر."

"لكنني لا أملك جوهراً." قال كاين. "أستطيع رؤيته، لكن لا أستطيع استخدامه."

"صحيح. وهذا ما يجعلك مميزاً." نظر ثورن إليه بنظرة غريبة. "معظم الناس يولدون بكمية معينة من الجوهر. البعض لديهم الكثير، والبعض لديهم القليل. لكن الجميع لديهم شيء. إلا أنت."

"لماذا؟"

"لا أعرف. ربما ستكتشف ذلك بنفسك يوماً ما." هز ثورن كتفيه. "لكن ما أعرفه هو أن غياب الجوهر فيك هو ما يسمح لك برؤيته بهذا الوضوح. أنت مثل... مرآة نقية. لا شيء يشوش على انعكاس ما تراه."

فكر كاين في هذا. كان منطقياً بطريقة غريبة.

"الخيوط التي أراها... ما هي بالضبط؟"

"هذا سؤال جيد." ابتسم ثورن ابتسامة نادرة. "الجوهر عندما يتدفق، يترك أثراً. مثل النهر الذي يحفر مجراه في الصخر. هذه الآثار، هذه المسارات، هي ما تراه. معظم مستخدمي الجوهر يشعرون بها بشكل غامض. لكنك تراها بوضوح تام."

"وما فائدة ذلك؟"

توقف ثورن فجأة. نزل عن حصانه وأشار لكاين أن يفعل الشيء نفسه.

"سأريك."

وقف ثورن على بعد عدة أمتار من كاين. ثم، ببطء، بدأ يجمع الجوهر في يده. كاين رأى الخيوط الزرقاء تتجمع، تتشابك، تتكثف.

"أخبرني ماذا ترى."

"خيوط زرقاء. تتجمع في يدك اليمنى. تشكل... كرة؟ لا، شكل مسطح. مثل القرص."

"جيد. الآن، انظر بعمق أكثر. هل ترى أي شيء آخر؟"

ركز كاين. نظر إلى ما وراء الخيوط الواضحة. وهناك، في قلب التشكيل، رأى شيئاً.

"هناك... نقطة. في المنتصف. أغمق من الباقي."

"تلك هي نقطة التحكم." قال ثورن. "المكان الذي أوجه منه الطاقة. إذا ضربت تلك النقطة بالقوة الكافية، سينهار التشكيل بأكمله."

فجأة، أطلق ثورن القرص نحو صخرة قريبة. اخترقها كالسكين في الزبدة.

"في المعركة، مستخدمو الجوهر يعتمدون على تقنياتهم. يقضون سنوات في إتقانها. لكن كل تقنية لها نقطة ضعف. نقطة تحكم. وأنت، يا كاين، تستطيع رؤية تلك النقاط."

عاد ثورن إلى حصانه.

"هذا هو سبب قيمتك. ليس لأنك تستطيع استخدام الجوهر. بل لأنك تستطيع تفكيكه."

---

في اليوم الخامس، انضم إليهم شخص آخر.

كانوا قد توقفوا في بلدة صغيرة للراحة عندما اقترب شاب من عمر كاين تقريباً. كان طويلاً ونحيفاً، بشعر بني فاتح وابتسامة ودودة.

"جنرال ثورن!" حيّا الشاب بانحناءة محترمة. "تلقيت رسالتك. أنا هنا كما أمرت."

"ريان." أومأ ثورن برأسه. "هذا هو كاين. ستكون مسؤولاً عن مساعدته على التأقلم في المعهد."

نظر ريان إلى كاين بفضول واضح. "إذن أنت الشخص الذي أثار كل هذه الضجة. سعيد بلقائك."

مد يده. كاين تردد للحظة، ثم صافحه.

"وأنا أيضاً."

"ريان هو أحد أفضل المتدربين في المعهد،" قال ثورن. "تخصصه هو الصدم. سيعلمك أساسيات البقاء على قيد الحياة هناك."

"أساسيات البقاء؟" كرر كاين بقلق.

ضحك ريان. "لا تقلق. المعهد ليس بهذا السوء. فقط... لا تغضب الأشخاص الخطأ. ولا تنظر في عيني فاليريوس مباشرة. ولا تأكل الحساء يوم الثلاثاء."

"ريان." قال ثورن بنبرة تحذيرية.

"أمزح، أمزح. حسناً، ليس بخصوص الحساء. الحساء فعلاً سيء يوم الثلاثاء."

رغم التوتر، وجد كاين نفسه يبتسم. كان هناك شيء مريح في حضور ريان. شيء طبيعي وبشري، على عكس الهالة المرعبة التي تحيط بثورن.

"سنصل إلى العاصمة غداً،" قال ثورن. "استعد نفسك، كاين. حياتك على وشك أن تتغير إلى الأبد."

--

2026/01/19 · 11 مشاهدة · 1604 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026