الألم.

هذا كان أول ما تعلمه كاين في المعهد. ليس الجوهر، ليس التقنيات، ليس الاستراتيجيات. الألم.

"انهض!"

صوت الجنرال ثورن دوّى في ساحة التدريب الخارجية. كان الفجر قد بدأ للتو يلون السماء بالبرتقالي، وكاين كان بالفعل على الأرض للمرة العاشرة.

نهض ببطء، كل عضلة في جسده تصرخ احتجاجاً. كان يرتدي ملابس تدريب بسيطة، وحول كاحليه وزنان من الرصاص يجعلان كل حركة عذاباً.

"مرة أخرى!" أمر ثورن. "عشر لفات حول الساحة. إذا توقفت، تبدأ من الصفر."

بدأ كاين يركض. أو بالأحرى، يتعثر إلى الأمام. الأوزان كانت تسحبه للأسفل، والتعب كان يثقل جفونه، لكنه استمر. خطوة بعد خطوة. لفة بعد لفة.

هذا كان روتينه اليومي منذ أسبوعين.

يستيقظ قبل الفجر. يركض حتى تنهار ساقاه. يتدرب على السيف حتى تنزف يداه. يتلقى الضربات من جنود ثورن حتى يصبح جسده كتلة واحدة من الكدمات. ثم، في المساء، يذهب إلى فصول الدكتورة إيلارا ليتعلم النظرية.

"عيناك أسرع من جسدك بعشر مرات!" كان ثورن يصرخ كل يوم. "ما فائدة رؤية السيف قادماً إذا لم تستطع رفع ذراعك لصده؟ أنت الآن مجرد متفرج على موتك المحتوم!"

كلمات قاسية. لكنها كانت صحيحة.

في قتاله مع فاليريوس، نجح كاين بسبب الحظ والمفاجأة. لكن ذلك لن ينجح مرتين. إذا أراد البقاء على قيد الحياة في هذا العالم، كان عليه أن يبني جسداً يستطيع مواكبة عينيه.

---

بعد الظهر، كان الجحيم يتغير شكله.

جلس كاين في غرفة الدراسة الخاصة بالدكتورة إيلارا. كانت غرفة مليئة بالكتب والخرائط والرسوم البيانية. على الجدران، كانت هناك لوحات تصور أشكالاً مختلفة من الجوهر. وفي الوسط، كانت إيلارا تقف أمام لوح طباشيري ضخم.

"الجوهر ليس طاقة عشوائية،" بدأت، صوتها جاف ومنهجي كالعادة. "إنه يمتلك طبائع. ميول. مثلما يميل الماء للتدفق لأسفل، يميل الجوهر للتعبير عن نفسه بطرق معينة."

رسمت ستة رموز على اللوح.

"هناك ست طبائع أساسية للجوهر. كل مستخدم يولد بميل طبيعي نحو واحدة أو أكثر منها."

أشارت إلى الرمز الأول. دائرة بداخلها موجة.

"**الصدم**. الطبيعة الأكثر شيوعاً وبدائية. قوة حركية نقية. تُستخدم للدفع، للتحطيم، لإنشاء حواجز. بسيطة، لكنها فعالة في الأيدي الصحيحة. صديقك ريان متخصص فيها."

الرمز الثاني. لهب.

"**الحرق**. طبيعة الفوضى والدمار. النار، الحرارة، الانفجارات. قوية هجومياً، لكنها تستهلك كميات هائلة من الجوهر. مستخدموها غالباً ما يكونون عدوانيين بطبيعتهم."

الرمز الثالث. بلورة.

"**التجميد**. نقيض الحرق. طبيعة السكون والسيطرة. تُستخدم لإبطاء الأعداء، لخلق جليد، لامتصاص الحرارة والطاقة. مستخدموها غالباً ما يكونون هادئين ومنهجيين."

الرمز الرابع. شفرة.

"**النصل**. طبيعة التركيز والحدة. تشكيل الجوهر في أشكال حادة وقاطعة. سيوف فاليريوس مثال ممتاز. تتطلب دقة وتحكماً فائقين، لكنها مميتة في القتال القريب."

الرمز الخامس. ظل ملتوٍ.

"**الظل**. طبيعة الخداع والإخفاء. تُستخدم للتسلل، للتمويه، لخلق أوهام. طبيعة نادرة ومحتقرة من قبل البعض لأنها تعتمد على الخداع لا المواجهة المباشرة."

الرمز السادس. صاعقة.

"**البرق**. أندر الطبائع وأكثرها فتكاً. تجمع بين سرعة الصدم وقوة الحرق. أصعب طبيعة يمكن إتقانها. المستخدمون الحقيقيون لها نادرون جداً، ويُعتبرون أسطوريين تقريباً."

توقفت إيلارا ونظرت إلى كاين.

"الجنرال ثورن يستخدم الصدم بشكل أساسي، مع قدرة ثانوية على البرق. هذا المزيج هو ما يجعله أحد أقوى المحاربين في الإمبراطورية."

"وأنا؟" سأل كاين. "أي طبيعة أستطيع استخدامها؟"

"لا شيء." قالت إيلارا ببساطة. "أنت لا تملك جوهراً لتشكيله. لكن..." اقتربت منه، عيناها تلمعان بفضول علمي. "أنت ترى كل هذه الطبائع، أليس كذلك؟ صف لي كيف تبدو."

فكر كاين للحظة. "الصدم... خيوط سميكة ومستقيمة. زرقاء عادة. الحرق... خيوط متفجرة وفوضوية. حمراء وبرتقالية. التجميد... خيوط بطيئة وبلورية. بيضاء مزرقة. النصل... خيوط رفيعة وحادة جداً. زرقاء لامعة. الظل..." توقف. "الظل صعب. الخيوط ملتوية وباهتة. أحياناً لا أراها إلا في آخر لحظة."

"والبرق؟"

"لم أرَ أحداً يستخدمه بعد. لكنني رأيت بقايا خيوط حول الجنرال ثورن أحياناً. متعرجة. تنبض. سريعة جداً."

كتبت إيلارا بسرعة في دفترها. "مذهل. أنت لا ترى الجوهر فقط. أنت ترى البصمة الفردية لكل طبيعة. هذا يعني..."

"يعني ماذا؟"

"يعني أنك تستطيع التمييز بين المستخدمين حتى لو استخدموا نفس الطبيعة. كل شخص له توقيع فريد." نظرت إليه بجدية. "هذا أكثر قيمة مما تتخيل."

---

مرت ثلاثة أسابيع أخرى.

جسد كاين بدأ يتغير. العضلات التي لم يعرف أنها موجودة بدأت تظهر. سرعته تحسنت. قدرته على التحمل ازدادت. لم يعد يسقط بعد خمس لفات. الآن يستطيع إكمال العشرين.

لكن الأهم من ذلك، بدأ يفهم كيف يستخدم عينيه بشكل أفضل.

في أحد أيام التدريب، وقف أمام ثلاثة من جنود ثورن في الحلبة. كانوا يحملون سيوفاً خشبية، وكان هدفه الصمود لمدة خمس دقائق دون تلقي ضربة قاضية.

"ابدأ!" صرخ ثورن من منصة المراقبة.

تحرك الجنود كوحدة واحدة. كانوا متناسقين، محترفين، يضغطون عليه من ثلاث جهات. كاين رأى خيوطهم تتحرك، رأى نية كل هجوم.

لكن كان هناك الكثير.

ثلاثة مهاجمين يعني ثلاث شبكات من الخيوط تتحرك في وقت واحد. بينما يتفاعل مع واحد، يصل الآخران. تلقى ضربة على كتفه. ثم على ظهره. ثم على ساقه.

*هذا لا يعمل. أنا أتفاعل فقط. لا أتوقع.*

تذكر شيئاً قالته إيلارا. *"الجوهر يترك أثراً قبل أن يتشكل. مثل الموجة التي تسبق العاصفة."*

أغلق عينيه.

ليس استسلاماً. تركيزاً.

حاول أن يتجاهل الألم، أن يتجاهل الخوف، أن يتجاهل كل شيء إلا الخيوط. ركز على الإيقاع. على التدفق. على النمط.

وفجأة، رأى شيئاً جديداً.

لم يكن مجرد الخيوط الحالية. كان هناك شيء آخر. خيوط باهتة، شبه شفافة، تظهر قبل الخيوط الحقيقية بجزء من الثانية. كانت مثل... أصداء. انعكاسات لما سيحدث.

*صدى.*

فتح عينيه.

الجندي على يساره بدأ يتحرك. لكن كاين رأى الصدى أولاً. خيط شبحي يتشكل من كتف الجندي، متجهاً نحو رأسه. قبل أن تبدأ الحركة الفعلية، كان كاين قد انحنى بالفعل.

السيف الخشبي مر فوق شعره.

الجنديان الآخران هاجما معاً. رأى صداهما. خيط من اليمين نحو ساقه، خيط من الخلف نحو ظهره. بدلاً من التراجع، تقدم إلى الأمام، بين الهجومين. السيفان اصطدما ببعضهما خلفه.

لم يتوقف.

للمرة الأولى، كان هو من يتحرك أولاً. ليس رداً على الهجمات، بل توقعاً لها. كان يرى أين ستكون الضربات قبل أن تنطلق، ويتحرك إلى حيث لن تصل.

دقيقة مرت. دقيقتان. ثلاث.

الجنود كانوا مرتبكين. هجماتهم تضرب الهواء. يتعثرون في بعضهم. لم يفهموا كيف يتفادى كل شيء.

أربع دقائق. خمس.

"توقفوا!"

صوت ثورن أوقف كل شيء.

كاين وقف في وسط الحلبة، يلهث بشدة. جسده كان منهكاً، لكن شيئاً ما في داخله كان يتوهج. شعور لم يعرفه من قبل.

*لقد فعلتها.*

ثم انهار.

---

استيقظ في غرفة بيضاء. سرير مريح، وضوء خافت، ورائحة أعشاب طبية.

"أخيراً."

صوت إيلارا. كانت تجلس بجانب سريره، دفترها في حضنها كالعادة.

"ماذا... حدث؟"

"أنهكت نفسك." قالت ببساطة. "عقلك عالج معلومات أكثر مما يستطيع جسدك تحمله. انهار نظامك العصبي مؤقتاً."

"لكنني... رأيت شيئاً. قبل أن يحدث."

"نعم." عيناها لمعتا. "لقد حللنا تسجيلات أجهزة الاستشعار في الحلبة. موجات دماغك تغيرت بشكل جذري في الدقائق الأخيرة. لم تكن تتفاعل مع الهجمات. كنت تتنبأ بها."

دخل الجنرال ثورن الغرفة. وجهه كان جاداً، لكن كان هناك شيء في عينيه. شيء يشبه... الرضا؟

"كيف تشعر؟" سأل.

"كأن رأسي سينفجر."

"طبيعي. ما فعلته كان يتطلب جهداً هائلاً." جلس على كرسي قريب. "صف لي ما رأيته."

"خيوط... لكن مختلفة. باهتة. شفافة. كانت تظهر قبل الخيوط الحقيقية. مثل..."

"مثل صدى؟" أكملت إيلارا.

"نعم. بالضبط."

نظر ثورن وإيلارا إلى بعضهما. كان هناك شيء في نظرتهما، شيء لم يستطع كاين قراءته.

"دكتورة،" قال ثورن. "أخبريه."

أومأت إيلارا برأسها. نهضت وأحضرت كتاباً قديماً من رف قريب. كان مغلفاً بجلد متشقق، وصفحاته صفراء من العمر.

"منذ وصولك، كنت أبحث في الأرشيفات القديمة،" قالت وهي تفتح الكتاب. "كنت أبحث عن أي شيء يصف قدرة تشبه قدرتك. معظم ما وجدته كان أساطير وخرافات. لكن كان هناك شيء واحد..."

توقفت عند صفحة معينة. كانت هناك رسمة لعين غريبة، عين تتوسطها تموجات دائرية، وحولها خيوط متشابكة.

"هذا النص يعود لأكثر من ألف عام. يتحدث عن قدرة نادرة جداً. قدرة تظهر مرة كل عدة أجيال."

قرأت من النص القديم:

*"عين لا ترى الجوهر كما يراه الآخرون. عين ترى الخيوط التي تربط كل شيء. ترى صدى الماضي، وهمس المستقبل. سيدها لا يتلاعب بالجوهر، بل يدركه في أصفى صوره. وفي النهاية، يستطيع أن يشد هذه الخيوط... أو يقطعها."*

نظرت إلى كاين.

"النص يسميها **عين العقدة**. العين التي ترى الروابط الخفية في كل شيء."

صمت طويل.

"ماذا يعني هذا؟" سأل كاين أخيراً.

"يعني أن ما رأيته اليوم ليس نهاية قدرتك،" قال ثورن. "إنه مجرد البداية. الصدى الذي رأيته... هو المرحلة الأولى فقط."

"المرحلة الأولى؟"

"وفقاً للنص،" قالت إيلارا، "سيد عين العقدة الكامل لا يرى الهجمات قبل حدوثها فقط. يستطيع رؤية نقاط الضعف في أي تقنية جوهر. يستطيع رؤية الروابط بين الأشياء والأشخاص. وفي أعلى مستوياته..."

"يستطيع قطع تلك الروابط،" أكمل ثورن. "تخيل أن تستطيع قطع الرابط بين مستخدم الجوهر وجوهره. أن تجعله عاجزاً بنظرة واحدة."

شعر كاين بقشعريرة تسري في جسده.

"لهذا أحضرتني،" قال ببطء. "ليس فقط لأنني أستطيع رؤية الخيوط. بل لأنك تعتقد أنني أستطيع..."

"أن تصبح السلاح المثالي ضد مستخدمي الجوهر،" أكمل ثورن. "نعم."

نهض الجنرال ووقف أمام النافذة، ظهره لكاين.

"هناك تهديد قادم، كاين. تهديد لا تستطيع الجيوش العادية مواجهته. شخص... أو شيء... يصطاد أقوى مستخدمي الجوهر في الإمبراطورية. واحداً تلو الآخر. يختفون دون أثر. أو يُعثر عليهم... فارغين."

"فارغين؟"

"جوهرهم يُسرق منهم. يُمتص. يتركون كقشور بشرية فارغة." استدار ثورن لمواجهته. "نسميه 'الشبح'. لا أحد يعرف من هو أو ما هو. لا أحد رآه وعاش ليخبر عنه."

"وتريدني أن أواجهه؟"

"أريدك أن تكون مستعداً لمواجهته. عندما يحين الوقت." اقترب ثورن من السرير. "عيناك هي المفتاح. أنت الوحيد الذي قد يستطيع رؤيته. رؤية ما يفعله. وربما... إيقافه."

نظر كاين إلى يديه. تلك اليدين اللتين لم تعرفا سوى الفقر والعمل الشاق. الآن، يُقال له إنهما قد تحملان مصير الإمبراطورية.

"متى يبدأ التدريب الحقيقي؟" سأل.

ابتسم ثورن. تلك الابتسامة الباردة التي بدأ كاين يعتاد عليها.

"غداً. استرح الليلة. ستحتاج كل قوتك."

---

تلك الليلة، جلس كاين وحده في غرفته. أخرج خاتم لينا ونظر إليه طويلاً.

*الشبح. عين العقدة. مصير الإمبراطورية.*

كل هذا كان أكبر منه. أكبر من أي شيء تخيله عندما غادر

الغسق.

لكنه لم يشعر بالخوف. أو ربما كان الخوف موجوداً، لكنه مدفون تحت شيء آخر.

عزيمة.

*سأصبح أقوى. سأتقن هذه العين. وسأعود إليك، لينا. أعدك.*

وضع الخاتم حول رقبته وأغلق عينيه.

غداً، سيبدأ فصل جديد من حياته.

--

2026/01/19 · 13 مشاهدة · 1566 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026