استيقظ كاين على ألم.
لم يكن ألماً في جسده هذه المرة. كان في رأسه. ضغط هائل خلف عينيه، كأن شيئاً ما يحاول الخروج من جمجمته. كل ضوء كان ساطعاً بشكل مؤلم، وكل صوت كان حاداً كالإبر.
"أخيراً."
صوت الدكتورة إيلارا. كانت تجلس بجانب سريره في الغرفة الطبية، دفترها في حضنها كالعادة.
"كم... كم من الوقت؟"
"يوم كامل." أجابت دون أن ترفع نظرها عن ملاحظاتها. "هذا هو ثمن النظر إلى ما هو أبعد من الحاضر. عقلك يعالج معلومات لم يُخلق لمعالجتها. إنه يُجهد نفسه، مثل عضلة تُستخدم لأول مرة."
حاول كاين الجلوس، لكن الدوار أجبره على الاستلقاء مرة أخرى.
"متى سيتوقف هذا؟"
"لن يتوقف." قالت إيلارا ببساطة. "لكنك ستعتاد عليه. ستتعلم كيف تتحكم فيه. أو..." نظرت إليه أخيراً. "سيدمرك."
دخل الجنرال ثورن في تلك اللحظة. وجهه كان كالعادة، قناعاً لا يُقرأ.
"استيقظت. جيد." وقف عند نهاية السرير. "لأن نظام تدريبك سيتغير بالكامل بدءاً من الغد."
---
التدريب الجديد كان مختلفاً تماماً.
لم يعد يقتصر على الجري والأوزان والقتال. أصبح أكثر تعقيداً، وأكثر قسوة على العقل من الجسد.
خصصت له إيلارا غرفة خاصة في أعماق المعهد. غرفة معزولة تماماً عن الصوت والضوء. كانت تجعله يجلس في الظلام الدامس لساعات، وتطلب منه أن "يرى" دون استخدام عينيه.
"قدرتك لا تعتمد على بصرك المادي،" كان صوتها يأتي عبر مكبر صوت. "إنها إدراك أعمق. تصور. يجب أن تتعلم فصله عن حواسك الأخرى، وإلا ستُصاب بالجنون من فرط المعلومات في أي معركة حقيقية."
في البداية، كان الأمر مستحيلاً. الظلام كان مطلقاً. لم يرَ شيئاً. لكن شيئاً فشيئاً، بدأ يدرك أن الخيوط لا تحتاج للضوء لتُرى. كانت موجودة في مستوى آخر من الإدراك.
بعد أسبوع، استطاع أن يرى خيط جوهر ذبابة آلية صغيرة تتحرك في الغرفة المظلمة. بعد أسبوعين، استطاع أن يتنبأ بمسارها قبل أن تتحرك.
"ممتاز،" قالت إيلارا عندما أخبرها. "الآن، المرحلة التالية."
---
تدريب ثورن تغير أيضاً. لم يعد الهدف هو الصمود أو حتى الفوز. أصبح الهدف هو "القراءة".
كان يجعله يواجه مقاتلين يستخدمون طبائع جوهر مختلفة. وبدلاً من القتال، كان عليه أن يحلل.
"اقرأه!" صرخ ثورن بينما كان كاين يتفادى كرات نارية من جندي متخصص في الحرق. "لا تتفادى فقط! أخبرني متى سيهاجم، وكيف، وأين نقطة ضعفه!"
كاين ركز على الخيوط الحمراء والبرتقالية التي تتجمع حول الجندي. رأى كيف تتدفق الطاقة من صدره إلى ذراعه قبل كل هجوم. رأى الإيقاع. النمط.
"سيطلق كرة نارية بعد خطوتين!" صاح وهو يتحرك. "يجمع الطاقة في يده اليمنى، جانبه الأيسر مكشوف للحظة بعد كل هجوم! يفضل الهجمات المباشرة، لا يجيد الخداع!"
"جيد!" صوت ثورن دوّى. "الآن استغل ذلك!"
انتظر كاين اللحظة المناسبة. رأى صدى الهجوم القادم، خيطاً شبحياً يتشكل نحو صدره. بدلاً من التراجع، اندفع إلى اليسار، تماماً في اللحظة التي أطلق فيها الجندي كرته النارية.
الكرة مرت بجانبه. وكاين كان بالفعل في الجانب المكشوف للجندي. ضربة واحدة بكف يده على معصم الجندي، وتبددت الكرة النارية التالية قبل أن تتشكل.
"كفى!"
توقف القتال. الجندي كان ينظر إلى كاين بمزيج من الدهشة والإحباط.
نزل ثورن إلى الحلبة. "هذا ما أريده. لا تقاتل الجوهر. قاتل المستخدم. اقرأه، افهمه، ثم دمره."
---
لم تمر هذه التطورات دون أن يلاحظها أحد.
فاليريوس كان يراقب. دائماً يراقب. غيرته تحولت إلى شيء أغمق. شيء أخطر.
ذات يوم، بينما كان كاين في طريقه إلى غرفة التدريب المعزولة، اعترضه فاليريوس في ممر ضيق. لم يكن وحده. كان معه اثنان من رفاقه، شابان بنظرات باردة وأجساد مدربة.
"انظروا من هنا،" قال فاليريوس بابتسامة لا تصل إلى عينيه. "سلاح الجنرال السري. الفلاح الذي يرى المستقبل."
كاين توقف. قرأ الخيوط حول الثلاثة. فاليريوس كان غاضباً، خيوطه الزرقاء تنبض بعنف. الآخران كانا متوترين، لكنهما سيتبعان قائدهما.
"ليس لدي وقت لهذا، فاليريوس."
"أوه، لديك كل الوقت." وضع فاليريوس يده على صدر كاين ومنعه من المرور. "سمعت أنك أصبحت خبيراً في قراءة الناس. اقرأني إذن. أخبرني ماذا أفكر الآن."
نظر كاين في عينيه. رأى الخيوط الزرقاء الحادة، رأى الغضب والغطرسة. لكنه رأى شيئاً آخر أيضاً. شيئاً أعمق. خيط داكن ملتف حول قلب فاليريوس.
خوف.
"أنت غاضب،" قال كاين بهدوء. "لكنك خائف أكثر."
تجمد فاليريوس. الابتسامة اختفت من وجهه.
"خائف من ماذا؟" صوته كان منخفضاً، خطيراً.
"من أن تصبح غير مهم. من أن يأتي شخص من لا مكان ويأخذ كل ما عملت من أجله." مال كاين قليلاً إلى الأمام. "أستطيع أن أرى ذلك فيك. واضح كالشمس."
للحظة، بدا فاليريوس وكأنه سيفقد السيطرة. خيوطه اشتعلت، وبدأت تتشكل في يده.
ثم دوّى صوت في الممر.
"فاليريوس!"
الجنرال ثورن كان يقف في نهاية الممر. نظرته وحدها كانت كافية لتجميد الدم في العروق.
"هل لديك رغبة في قضاء الشهر القادم في تنظيف مراحيض الثكنات؟"
تبدد الجوهر من يد فاليريوس فوراً. "لا، سيدي الجنرال."
"إذن ابتعد عن طريقه. لديه تدريب." نظر ثورن إلى فاليريوس بازدراء بارد. "وأنت أيضاً. تدريبك سيتضاعف بدءاً من الغد. بما أن لديك طاقة فائضة لمضايقة زملائك، فمن الواضح أنك لا تتدرب بجدية كافية."
نظر فاليريوس إلى كاين بعينين مليئتين بالكراهية الصافية. ثم انصرف مع رفاقه دون كلمة.
"لا تستفزه،" قال ثورن لكاين عندما ابتعدوا. "وفي نفس الوقت، لا تدعه يستفزك. فاليريوس خطير، لكن ضعفه واضح. أنت أذكى من أن تقع في فخه."
---
في الأسبوع التالي، وضعه ثورن في اختبار جديد.
حلبة مليئة بالعقبات والآليات. عشرات السهام الخشبية تنطلق من كل اتجاه، من الجدران، من الأرض، من السقف. كان مستحيلاً تفاديها جميعاً.
"لا يمكنك الهروب من كل شيء،" قال ثورن من غرفة المراقبة. "في مرحلة ما، يجب أن تتعلم كيف تؤثر على العالم من حولك. الأسطورة تقول إن عين العقدة تستطيع شد الخيوط. أرني."
بدأ الاختبار.
السهام انطلقت من كل مكان. كاين رأى عشرات الأصداء، عشرات الخيوط الشبحية تتجه نحوه. تفادى الأول، الثاني، الثالث. لكنها كانت كثيرة جداً. سريعة جداً.
سهم من اليمين. تفاداه.
سهم من الأمام. انحنى تحته.
سهمان من الخلف. دار ليتجنبهما.
لكن كان هناك سهم آخر. قادم من الأعلى. لم يكن هناك وقت للمراوغة. لم يكن هناك مكان للهروب.
*لا!*
لم تكن فكرة. كانت غريزة. صرخة صامتة في أعماق عقله. ركز كل إرادته على الخيط الذي يمثل مسار السهم. لم يحاول قطعه. حاول فقط... أن يشده. أن يغيره. أن يجعله ينحرف.
شعر بشيء غريب. كأن يداً غير مرئية امتدت من عقله ولمست الخيط. الخيط اهتز. ارتجف. وفي نفس اللحظة، شعر كاين بألم حاد في صدغه، كأن شيئاً تمزق في دماغه.
السهم انحرف.
ليس كثيراً. سنتيمترات فقط. لكنها كانت كافية. بدلاً من أن يخترق كتفه، خدشه فقط ومر بجانبه.
سقط كاين على ركبتيه. الدم كان يسيل من أنفه. رأسه كان يدور. لكنه كان يبتسم.
*لقد فعلتها. لم أرَ فقط. لقد... أثرت.*
في غرفة المراقبة، كانت إيلارا تحدق بفم مفتوح. "هل رأيت ذلك؟ انحراف المسار. لا يوجد أي متغير فيزيائي يفسره. كان... فعلاً إرادياً."
ثورن لم يبتسم. لكن شيئاً في عينيه تغير. بريق خطير. جائع.
"البداية فقط."
---
تلك الليلة، استدعى ثورن كاين إلى مكتبه الخاص.
كان مكتباً بسيطاً لرجل بمكانته. مكتب خشبي، بعض الكتب، وخريطة ضخمة للعالم المعروف تغطي الجدار بأكمله.
"اجلس." أشار ثورن إلى كرسي أمام المكتب.
جلس كاين. لاحظ أن ثورن يبدو مختلفاً الليلة. أكثر جدية. أكثر... بشرية؟
"لقد أثبت اليوم أن الأسطورة حقيقية،" بدأ ثورن. "عين العقدة ليست مجرد قدرة على الرؤية. إنها قدرة على التأثير. والآن، حان الوقت لتعرف لماذا أنت هنا حقاً."
نهض وتوجه نحو الخريطة. أشار إلى الجزء الغربي.
"الإمبراطورية الغربية. منافسونا منذ قرون. كانت هناك هدنة هشة بيننا لعقود. لكن شيئاً ما تغير في الأشهر الأخيرة."
أشار إلى عدة نقاط على الخريطة. "هنا. وهنا. وهنا. ثلاثة من أفضل جنرالاتنا. ماتوا في ظروف غامضة. لا معارك، لا هجمات واضحة. فقط... ماتوا."
"كيف؟"
"هذا هو السؤال." استدار ثورن لمواجهته. "سكتة قلبية. جلطة دماغية. أسباب طبيعية ظاهرياً. لكننا نعرف أنها ليست كذلك. كلهم كانوا في صحة ممتازة. كلهم كانوا محاطين بحراس. وكلهم ماتوا في نفس الطريقة."
"الشبح."
أومأ ثورن. "هذا ما نسميه. لا أحد يعرف من هو أو ما هو. لا أحد رآه. يظهر، يقتل، ويختفي دون أثر."
"ما طبيعة جوهره؟"
"هذه هي المشكلة." جلس ثورن على حافة مكتبه. "لا نعرف. لا يبدو أنه يستخدم أي طبيعة معروفة. ضحاياه يموتون من الداخل. نظريتنا هي أنه يستخدم شكلاً متقدماً جداً من طبيعة الظل. شكلاً يسمح له بمهاجمة... الروح مباشرة."
صمت ثقيل ملأ الغرفة.
"كيف تقاتل عدواً لا تستطيع رؤيته؟" تابع ثورن. "كيف تصد هجوماً لا يترك أثراً؟ كل مقاتلينا، بغض النظر عن قوتهم، عميان أمامه."
"إلا أنا." همس كاين.
"إلا أنت." أكد ثورن. "أنت لا ترى الجوهر كما يراه الآخرون. أنت ترى الخيوط. الروابط. إذا كانت نظريتنا صحيحة، فستكون قادراً على رؤية هجومه. ستكون الشخص الوحيد في العالم الذي يستطيع رؤية الشبح قبل أن يضرب."
نهض ثورن ووقف أمام كاين مباشرة.
"أنا لا أدربك لتكون جندياً، كاين. أنا لا أدربك لتكون بطلاً. أنا أصنعك لتكون شيئاً واحداً فقط."
نظر في عينيه بتلك النظرة الباردة المألوفة.
"قاتل أشباح."
---
عاد كاين إلى غرفته في وقت متأخر من الليل. جلس على سريره، يحدق في الفراغ.
قاتل أشباح.
قبل شهرين، كان يحرث الأرض في الغسق، يحلم بوجبة دافئة ومكان جاف للنوم. الآن، يُقال له إنه السلاح الوحيد ضد قاتل غامض يصطاد أقوى رجال الإمبراطورية.
أخرج خاتم لينا ونظر إليه.
*هل هذا ما أردته؟ هل هذا ما قصدته عندما قلت "غيّر العالم"؟*
لم يكن لديه إجابة. لكنه عرف شيئاً
واحداً.
لقد بدأ في هذا الطريق. ولم يكن هناك عودة.
وضع الخاتم حول رقبته وأغلق عينيه.
غداً، سيستمر التدريب. وفي يوم ما، سيواجه الشبح.
وعندما يحين ذلك الوقت، يجب أن يكون مستعداً.
--