الألم أصبح رفيقاً مألوفاً.
كل صباح، يستيقظ كاين على احتجاج جديد من عضلة لم يكن يعرف بوجودها. كل ليلة، ينام على جسد مثقل بالكدمات والإرهاق. لكن شيئاً ما تغير في نظرته لهذا الألم. لم يعد عقاباً. أصبح ثمناً. ثمناً يدفعه عن طيب خاطر.
في سكون غرفته قبل الفجر، جلس على حافة سريره ونظر إلى يديه. كانتا خشنتين، مليئتين بالجروح الصغيرة والمسامير القاسية. هذه لم تكن يدي فتى من الغسق. في الغسق، كانت الأيدي ناعمة وضعيفة، أيدي أناس ينتظرون. ينتظرون المطر، ينتظرون الموت، ينتظرون شيئاً لن يأتي أبداً.
*"أنتم لا شيء."*
صدى كلمات فاليريوس تردد في ذهنه. لكنه لم يعد يثير غضبه. أثار شيئاً أعمق. تلك الكلمات لم تكن كلمات فاليريوس وحده. كانت صوت العالم كله وهو يتحدث عن شعبه. المنسيون. الظلال. اللا شيء.
*إذا فشلت، فأنا أثبت أنهم على حق. لكن إذا نجحت...*
قبض يده بقوة.
*إذا نجحت، فربما يمكن لأي شخص من الغسق أن يصبح شيئاً.*
لم يكن دافعاً نبيلاً لإنقاذ العالم. كان دافعاً عنيداً، شخصياً، نابعاً من رغبة واحدة: تحطيم القفص الذي وُلد فيه.
---
في غرفة المراقبة المظلمة، كانت الشاشات تعرض بيانات حيوية ورسوماً بيانية معقدة. كلها تخص شخصاً واحداً.
"أنت تدفعه نحو الهاوية، جنرال."
الدكتورة إيلارا كانت تحدق في شاشة تعرض نشاط دماغ كاين. خطوط متذبذبة، ذروات حادة، أنماط لم ترها من قبل.
"أنماط موجاته العصبية بعد جلسة التنبؤ الأخيرة كانت فوضوية. نحن في منطقة مجهولة تماماً. إذا انهار عقله، فإن قاتل الأشباح الذي تحلم به سيصبح مجرد رجل محطم في غرفة مبطنة."
الجنرال ثورن كان يقف وظهره للشاشات، ينظر عبر النافذة إلى العاصمة النائمة. أضواء خافتة تتناثر في الظلام، كنجوم سقطت على الأرض.
"الوقت ليس ترفاً نملكه، دكتورة."
"وما فائدة السرعة إذا كانت النتيجة فشلاً كارثياً؟"
استدار ثورن. وجهه كان أشد قسوة من المعتاد. شيء ما في عينيه بدا مختلفاً. قلق؟ لا. يأس مكبوت.
"لأن الفشل يحدث بالفعل." صوته كان منخفضاً، ثقيلاً. "اغتيل جنرال آخر الليلة الماضية. الجنرال هاردين. في قلعته المحصنة، محاطاً بمئة حارس. وجدوه ميتاً في سريره. لا جروح، لا علامات صراع. فقط... توقف قلبه."
صمتت إيلارا.
"الشبح يزداد جرأة." تابع ثورن. "وفي المجلس الأعلى، بدأت الأصوات تتعالى. فصيل الجنرال الأكبر فاليروس يستخدم هذه الاغتيالات كدليل على فشل أساليبنا. يطالبون بحرب شاملة ضد الإمبراطورية الغربية. هجوم مباشر."
"هذا جنون. سيكلفنا ملايين الأرواح."
"بالضبط." أشار ثورن نحو الشاشات. "هذا الفتى ليس خطتنا الأولى. إنه خطتنا الأخيرة. مقامرة يائسة، وأنا أدرك ذلك. لكنها المقامرة الوحيدة المتبقية لتجنب كارثة أكبر."
اقترب من إيلارا، وخفض صوته.
"ادفعيه. اعصري كل قطرة من إمكانياته. لأن البديل أسوأ بكثير."
نظرت إيلارا إلى الشاشات مرة أخرى. خطوط دماغ كاين ترتفع وتنخفض كأمواج في عاصفة.
كلاهما كان يعرف الحقيقة. هما لا يبنيان بطلاً. هما يصقلان سلاحاً على أمل ألا ينفجر في وجهيهما.
---
"اليوم، لن تقاتل بشراً."
وقف كاين مع الجنرال ثورن أمام باب ضخم من الفولاذ. كان الباب مختلفاً عن أي شيء رآه في المعهد. أثقل. أكثر تحصيناً. كأنه يحتجز شيئاً خطيراً في الداخل.
"ستقاتل نظاماً."
انفتح الباب ببطء، وكشف عن غرفة هائلة الحجم. كانت أشبه بمستودع عملاق، مليئة بالجدران المتحركة والأعمدة التي ترتفع وتنخفض. متاهة حية تتغير باستمرار. وعلى الجدران والسقف، كانت هناك عشرات الأبراج الصغيرة، كل منها يحمل فوهة معدنية موجهة نحو الداخل.
"هذه هي متاهة الأصداء." شرح ثورن. "صممتها الدكتورة إيلارا خصيصاً لك. مهمتك بسيطة: الوصول إلى لوحة التحكم في الطرف الآخر وتعطيل النظام."
"ما الصعوبة؟"
"الأبراج." أشار ثورن إليها. "تطلق مقذوفات من جوهر الصدم. لن تقتلك، لكنها ستشلّ أي جزء تصيبه لعدة ثوانٍ. وفي هذه المتاهة، ثوانٍ قليلة كافية لتغمرك المقذوفات."
بدا الأمر صعباً، لكنه ممكن. حتى أضاف ثورن التفصيل الأخير.
"وهناك قاعدة أخيرة. الأبراج متصلة ببعضها. كل مرة تتفادى فيها مقذوفة، تُرسل معلومات تفاديك إلى جميع الأبراج الأخرى. النظام يتعلم منك. يتوقع حركتك التالية." نظر إلى كاين بتلك العينين الباردتين. "لا يمكنك استخدام نفس المراوغة مرتين."
فهم كاين الآن. هذا لم يكن مجرد اختبار للسرعة أو الرؤية. كان لغزاً قتالياً. كان عليه أن يكون أذكى من الآلة.
"ابدأ."
دخل ثورن غرفة المراقبة العلوية، وأُغلق الباب الفولاذي خلف كاين بصوت مدوٍّ.
---
بدأت المتاهة في التحرك.
الجدران تنزلق، الأعمدة ترتفع وتنخفض، الممرات تتغير. كان الأمر أشبه بكائن حي يتنفس ويتحول.
انطلق كاين إلى الداخل. عيناه كانتا تفحصان كل شيء. رأى خيوط الجوهر الزرقاء الباهتة التي تربط الأبراج، ورأى الأصداء الشبحية لمسارات المقذوفات المحتملة.
في الدقائق الأولى، كان الأمر سهلاً نسبياً. يرى الصدى، يتفادى، يركض. استخدم الجدران كغطاء، والأعمدة كحواجز. تقدم بثبات نحو الهدف.
لكنه لاحظ شيئاً مقلقاً.
كلما تقدم، أصبحت الأصداء أكثر تعقيداً. لم تعد خطوطاً مستقيمة تتجه نحو موقعه الحالي. أصبحت تتنبأ بمسار تفاديه. تطلق المقذوفات إلى حيث *سيذهب*، وليس حيث *هو*.
النظام كان يتعلم. وكان يتعلم بسرعة.
وصل إلى ممر ضيق. أمامه، ثلاثة أبراج. خلفه، اثنان. رأى خمسة أصداء تتشكل في وقت واحد، كلها تتقاطع في النقطة التي يقف فيها.
لم يكن هناك مكان للهروب. أي حركة ستضعه في مسار مقذوفة أخرى.
*لا يمكنك تفادي كل شيء.*
تذكر كلمات ثورن. في ذلك الوقت، ظنها مجرد تحذير. الآن، بدأ يفهم أنها كانت تلميحاً.
نظر إلى الخيوط مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم ينظر إليها كتهديدات منفصلة. نظر إليها كنظام واحد. رأى ليس فقط خيوط المقذوفات، بل خيوطاً أرق، أدق، تربط الأبراج ببعضها. خيوط البيانات. الشبكة التي يستخدمونها للتواصل والتعلم.
*إذا كانوا يتعلمون مني... فربما يمكنني أن أعلمهم شيئاً خاطئاً.*
خطر له تكتيك جريء. مجنون. لكنه الخيار الوحيد.
بدلاً من محاولة تفادي كل شيء، اختار أن يُصاب.
حدد البرج الأقل خطورة على يساره. رأى الصدى يتشكل، خيط أزرق يتجه نحو صدره. وبدلاً من المراوغة، تحرك *نحو* الهجوم. ليس بالكامل، بل بشكل محسوب. سمح للمقذوفة بأن تصيب ذراعه اليسرى.
الألم كان حاداً. صدمة كهربائية اخترقت عضلاته، وارتخت ذراعه بالكامل. مشلولة. عديمة الفائدة.
لكنه كان حراً.
في تلك اللحظة، حدث شيء في النظام. البرج الذي أصابه أرسل بيانات "نجاح الهجوم" إلى بقية الشبكة. الأبراج الأخرى أعادت ضبط خوارزمياتها. لقد "تعلمت" أن هذه هي الطريقة الصحيحة لإصابته.
ركض كاين.
الآن، كانت الأبراج تطلق مقذوفاتها بشكل متوقع. كلها تستهدف ذراعه اليسرى. كلها تتبع النمط الذي "علّمهم" إياه. أصبح بإمكانه توقع كل هجوم، مستخدماً ذراعه المشلولة كطُعم بينما يناور بجسده.
لقد خدع الآلة. ضحى بجزء صغير ليكسب المعركة كلها.
عبر الممرات المتغيرة، قفز فوق الحواجز، انزلق تحت الجدران المتحركة. المقذوفات تمر بجانبه، كلها تخطئ بسنتيمترات لأنها تستهدف المكان الخطأ.
أخيراً، رأى لوحة التحكم. صندوق معدني على الجدار البعيد، يتوهج بضوء أحمر خافت.
عشرة أمتار. خمسة. ثلاثة.
قفز، ومد يده السليمة، وضرب اللوحة بكل قوته.
توقف كل شيء.
الأبراج سكتت. الجدران توقفت عن الحركة. ساد صمت مطلق في المتاهة.
سقط كاين على ركبتيه، يلهث بشدة. ذراعه اليسرى كانت لا تزال مشلولة، متدلية بجانبه كقطعة لحم ميتة. العرق يغطي وجهه، وقلبه يدق بعنف.
لكنه كان يبتسم.
---
انفتح الباب، ودخل ثورن وإيلارا.
نظر ثورن إلى ذراع كاين المتدلية، ثم إلى وجهه المنهك، ثم إلى لوحة التحكم المعطلة.
"لقد فهمت." صوته كان هادئاً، لكن كان هناك شيء فيه. شيء يشبه الاحترام. "لم تحاول هزيمة النظام. تلاعبت به."
"لقد تعلمت الدرس الأهم في أي معركة، يا فتى." قالت إيلارا، وعيناها تلمعان. "أحياناً، أفضل طريقة للفوز هي أن تختار كيف ستخسر."
نظر كاين إلى ذراعه. الإحساس بدأ يعود إليها ببطء، وخز مؤلم يسري في عضلاته.
"النظام كان يتعلم مني." قال. "فأعطيته معلومات خاطئة. جعلته يعتقد أنه يعرف نقطة ضعفي، بينما كنت أنا من يتحكم في ما يراه."
"بالضبط." أومأ ثورن. "هذا هو جوهر القتال ضد عدو أذكى منك. لا تحاول أن تكون أسرع أو أقوى. كن أكثر مكراً. اجعله يرى ما تريده أن يراه."
ساعده ثورن على النهوض.
"هذا ما ستفعله ضد الشبح." قال بصوت منخفض. "لن تستطيع مواجهته بالقوة المباشرة. ستحتاج إلى خداعه. إلى جعله يرتكب خطأً. وعندما يفعل..."
"سأكون مستعداً." أكمل كاين.
للمرة الأولى منذ وصوله إلى المعهد، رأى شيئاً يشبه الابتسامة على وجه ثورن. ابتسامة صغيرة، باردة، لكنها حقيقية.
"ربما."
---
تلك الليلة، جلس كاين مع ريان في غرفة الطعام. كانت الغرفة شبه فارغة في هذا الوقت المتأخر، فقط بعض الجنود يتناولون وجبة خفيفة في الزاوية البعيدة.
"سمعت أنك اجتزت متاهة الأصداء." قال ريان وهو يمضغ قطعة خبز. "في المحاولة الأولى. هل تعرف كم شخصاً فعل ذلك من قبل؟"
"كم؟"
"ثلاثة. في تاريخ المعهد كله." ضحك ريان. "أنت إما عبقري أو مجنون. ربما كلاهما."
ابتسم كاين. "كنت محظوظاً."
"الحظ لا يجتاز متاهة الأصداء." نظر ريان إليه بجدية مفاجئة. "أنت مختلف، كاين. منذ اليوم الأول عرفت ذلك. لكنني بدأت أفهم الآن لماذا يهتم بك الجنرال ثورن بهذا الشكل."
"ولماذا؟"
"لأنك لا تفكر مثلنا." أشار ريان إلى نفسه. "نحن تدربنا على الجوهر منذ الطفولة. تعلمنا قواعد، أساليب، تقنيات. أنت..." هز رأسه. "أنت لم تتعلم أي قواعد. لذلك لا تخاف من كسرها."
فكر كاين في كلماته. كان هناك شيء من الحقيقة فيها. في الغسق، لم يكن هناك قواعد. كان هناك فقط البقاء. افعل ما يجب فعله، بأي طريقة ممكنة.
"ريان." قال بعد صمت طويل. "هل سمعت عن الشبح؟"
تجمد ريان. نظرة الخوف التي مرت في عينيه كانت واضحة، حتى لو حاول إخفاءها.
"الجميع سمع عنه." صوته كان منخفضاً. "يقولون إنه يقتل دون أن يُرى. يقولون إن ضحاياه يموتون وهم نائمون، دون أن يعرفوا حتى أنهم تحت الهجوم." نظر حوله للتأكد من أن أحداً لا يسمع. "يقولون إنه قتل أربعة جنرالات حتى الآن. أربعة من أقوى رجال الإمبراطورية."
"أربعة؟" كان كاين يعرف عن ثلاثة فقط.
"الرابع كان الليلة الماضية. الجنرال هاردين." وجه ريان كان شاحباً. "كان صديقاً لعائلتي. رجل طيب. قوي. والآن..."
صمت ثقيل.
"لهذا أنا هنا." قال كاين أخيراً. "لهذا يدربني ثورن."
نظر ريان إليه بعينين واسعتين. "أنت... ستواجه الشبح؟"
"ربما. يوماً ما."
"هذا جنون." هز ريان رأسه. "لا أحد يستطيع مواجهته. لا أحد حتى يراه."
"أنا أستطيع." قال كاين بهدوء. "أو هذا ما يعتقده الجنرال ثورن على الأقل."
نظر ريان إليه لوقت طويل. ثم، ببطء، مد يده ووضعها على كتف كاين.
"إذا كان أي شخص يستطيع فعلها، فهو أنت." صوته كان جاداً. "لكن كن حذراً، كاين. الشبح ليس مجرد قاتل. يقولون إنه... شيء آخر. شيء لا يجب أن يوجد."
*شيء لا يجب أن يوجد.*
تردد صدى الكلمات في ذهن كاين وهو يعود إلى غ
رفته تلك الليلة. نظر من نافذته إلى سماء آرغوس المظلمة.
في مكان ما هناك، في الظلام، كان الشبح ينتظر.
وكاين كان يعرف، في أعماق قلبه، أن مواجهتهما قادمة.
لم يكن السؤال "إذا". كان السؤال "متى".
---