قاعة المجلس الأعلى كانت باردة كالقبر.
الرخام الأبيض يعكس ضوء الكريستالات المعلقة في السقف، مما يجعل كل شيء يبدو حاداً وقاسياً. حول الطاولة المستديرة الضخمة، جلس أقوى رجال الإمبراطورية. جنرالات، مستشارون، قادة. وجوه متجهمة ونظرات متوترة.
"اغتيال آخر!"
صوت الجنرال الأكبر كاسيوس دوّى في القاعة. كان رجلاً ضخماً، بلحية سوداء كثيفة ودرع فضي مزخرف. يمثل القوة العسكرية التقليدية للإمبراطورية: الجيوش الجرارة والقوة الغاشمة.
"الجنرال أوريليوس قُتل في غرفته المغلقة!" ضرب بقبضته على الطاولة. "خمسة جنرالات الآن! هذا الشبح يسخر منا، ونحن نجلس هنا ننتظر بينما مشروعك السري يلعب في حلبات التدريب!"
الجنرال ثورن لم يتحرك. جلس بهدوء، أصابعه متشابكة أمامه، كأنه يستمع إلى تقرير ممل عن الطقس.
"مشروعي، كما تسميه، هو الحل الوحيد لمشكلة لا تستطيع جيوشك حلها." صوته كان هادئاً، بارداً. "هل سترسل فيلقاً كاملاً لمطاردة ظل؟ هل ستحاصر مدينة بأكملها بحثاً عن رجل واحد؟"
"وما هو حلك المستقبلي؟" سخر كاسيوس. "فتى من الغسق لا يملك قطرة جوهر؟ الشائعات تقول إنه يرى المستقبل. هل رأى مستقبل الجنرال أوريليوس؟"
"هو تقريباً جاهز." قال ثورن. "قريباً جداً، سنصطاد الشبح بدلاً من أن يصطادنا."
"آمل ذلك من أجلك، ثورن." مال كاسيوس إلى الأمام، عيناه تلمعان بتهديد مبطن. "لأن صبري، وصبر المجلس، بدأ ينفد. إذا لم تقدم نتائج قريباً، سأحصل على موافقة لشن هجوم شامل على الإمبراطورية الغربية. وسيحترق مشروعك الصغير مع بقية هذا النهج الجبان."
ثورن لم يرد. لكن شيئاً في عينيه تغير. شيء خطير.
---
"ستذهب في مهمتك الأولى."
كاين وقف أمام مكتب ثورن، قلبه يخفق بقوة. الخريطة الضخمة تلوح خلف الجنرال كالعادة.
"هل هي... لمواجهة الشبح؟"
"لا." قال ثورن. "لست جاهزاً بعد. اعتبر هذه اختباراً ميدانياً. تقييماً لقدراتك تحت ضغط حقيقي، بعيداً عن بيئة المعهد."
أشار إلى نقطة في الجبال الشمالية. "منجم نجمة الشمال. أحد أهم مصادرنا للكريستالات الخام. منذ أربعة أيام، انقطع كل اتصال بالموقع. أرسلنا طائراً استطلاعياً، وعاد بصور لموقع مهجور تماماً. مئتا عامل وثلاثون حارساً... اختفوا."
"اختفوا؟"
"لا جثث. لا علامات قتال واضحة. لا شيء." نظر ثورن إلى كاين. "أريدك أن تذهب وتكتشف ما حدث. مهمتك استطلاع فقط. تذهب، ترى، وتعود بتقرير. لن تشتبك مع أي تهديد. هذا أمر."
"وحدي؟"
"لا. ريان سيرافقك. يمكنه التعامل مع أي مشكلة قد تظهر." وقف ثورن. "استعدوا للمغادرة خلال ساعة."
---
وجد كاين ريان عند البوابة الشمالية، يفحص حصانين مجهزين لرحلة جبلية. كان يرتدي ملابس شتوية ثقيلة فوق درعه الخفيف، ووجهه أكثر جدية من المعتاد.
"إذن، القروي حصل على أول مهمة." قال ريان بابتسامة خفيفة. "لا تقلق، سأعيدك قطعة واحدة."
"لست بحاجة لحماية."
توقف ريان ونظر إليه. "اسمع يا كاين. في المعهد، أنت مشروع الجنرال الثمين. لكن هناك في الخارج، أنت مجرد هدف. تلك الجبال باردة، والذئاب جائعة، وقطاع الطرق لا يرحمون." اقترب منه. "أنا لست هنا لأحميك فقط. أنا هنا لأبقيك حياً حتى تؤدي مهمتك. نحن فريق."
شعر كاين بالخجل. "أعتذر. لم أعتد على هذا."
"لا أحد يعتاد." ابتسم ريان. "هيا، كلما أسرعنا، كلما عدنا أسرع."
قبل أن يركبا، ظهر شخص عند مدخل الإسطبلات. فاليريوس. ذراعاه متقاطعتان ونظرة حادة في عينيه.
"مهمة حقيقية؟" صوته كان مليئاً بالسخرية. "يرسلون حيواناً أليفاً لا يملك جوهراً، بينما يجلس المقاتلون الحقيقيون هنا؟"
"فاليريوس، هذا ليس من شأنك." قال ريان بهدوء.
"بل هو من شأني!" تقدم فاليريوس نحو كاين. "تدربت طوال حياتي لخدمة الإمبراطورية، ثم يأتي هذا اللاشيء من العدم ويسرق الفرص التي هي من حقي!"
نظر كاين في عينيه. رأى الخيوط الزرقاء تهتز بعنف حوله، متشابكة مع خيوط داكنة. غيرة. مرارة. وشيء آخر... خوف عميق من أن يصبح غير مهم.
"مهما كانت قدرتك،" همس فاليريوس، "تذكر: أنت لست واحداً منا. ولن تكون أبداً."
استدار وغادر. كاين راقبه يبتعد بصمت.
"لا تهتم به." قال ريان وهو يركب حصانه. "الغيرة وحش قبيح. هيا."
---
استغرقت الرحلة يومين.
الجبال الشمالية كانت عالماً مختلفاً. الهواء نقي وبارد، والصمت عميق لا يكسره سوى صوت الرياح بين أشجار الصنوبر. كلما صعدا أعلى، كلما شعر كاين بثقل غريب في صدره. شيء ما في هذا المكان كان... خاطئاً.
في الليلة الأولى، جلسا حول نار صغيرة. تحدث ريان عن حياته. يتيم تربى في أكاديمية عسكرية. ثورن هو من اكتشف موهبته في طبيعة الصدم ورعاه.
"الجنرال ليس رجلاً سهلاً." قال ريان وهو يحدق في النار. "لكنه عادل. يرى القيمة حيث لا يراها الآخرون. رآها فيّ، ويراها فيك." نظر إلى كاين. "لا تخيب أمله."
في صباح اليوم الثالث، وصلا إلى ممر جبلي يطل على المنجم.
من بعيد، بدا كل شيء طبيعياً. مبانٍ خشبية متناثرة حول مدخل كهف ضخم. رافعة عملاقة صامتة. عربات محملة بالكريستالات.
لكن الصمت كان هو المشكلة.
لا دخان يتصاعد. لا أصوات عمال. لا حركة. كان المكان ميتاً.
"ابق خلفي." همس ريان، يده على مقبض سيفه. "وأبقِ عينيك مفتوحتين."
---
دخلا الساحة الرئيسية.
كانت فارغة تماماً. الأبواب مفتوحة، الأدوات ملقاة على الأرض، وجبة نصف مأكولة على طاولة خارجية. كأن الجميع تبخروا في لحظة واحدة.
"ماذا ترى؟" سأل ريان بصوت خفيض.
أغمض كاين عينيه وركز. في البداية، لم يرَ شيئاً. ثم بدأ يلاحظها. أصداء باهتة على الأرض والجدران. لكنها كانت غريبة. ليست زرقاء أو حمراء أو أي لون رآه من قبل.
كانت رمادية. باهتة. ميتة.
"أرى أصداء." همس. "لكنها مختلفة. الخيوط رمادية، كأنها... فارغة من الحياة."
تقدم نحو أحد المباني. على الجدار، علامات خدوش عميقة مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد. لمسها بأطراف أصابعه. البرد كان غير طبيعي، حارقاً.
"ريان، انظر-"
لكن ريان لم يكن يستمع. كان يحدق في مدخل المنجم المظلم.
"كاين." صوته كان متوتراً. "هل تشعر بذلك؟"
شعر به. تيار هواء بارد يخرج من الكهف. لكنه لم يكن مجرد هواء. كان يحمل شعوراً بالخواء. كأن كل الدفء والحياة يُمتص من العالم.
ثم رآه كاين.
خيط.
لم يكن صدى. كان حقيقياً. خيط رمادي وحيد، أرق من شعرة، يخرج من ظلام المنجم ويلتف في الهواء ببطء. كأنه ثعبان يستشعر فريسته.
لم يكن يشبه أي شيء رآه من قبل. لم يكن ينبض بالطاقة. كان يمتصها. فراغ على شكل خيط.
"تراجع." صوت كاين كان أجش. "علينا أن نعود. الآن."
"ما الذي-"
"الآن!"
لكن الأوان كان قد فات.
من عمق المنجم، جاء صوت. ليس هديراً. ليس صرخة. كان صوت شيء ثقيل يتحرك. صوت خطوات بطيئة، متعمدة، تقترب.
ثم ظهر.
من الظلام، خرج شكل بشري. رجل. أو ما كان رجلاً يوماً ما.
كان طويلاً، نحيلاً، يرتدي ملابس ممزقة كانت يوماً زي عامل منجم. لكن بشرته كانت رمادية شاحبة، وعيناه... عيناه كانتا فارغتين. بياض خالص بلا قزحية.
وحوله، رأى كاين شيئاً أرعبه.
خيوط رمادية تخرج من جسده في كل اتجاه. عشرات الخيوط، تتلوى في الهواء كأذرع أخطبوط. وكل خيط كان يمتص الضوء والدفء من حوله.
"ما هذا؟" همس ريان، سيفه مسلول الآن.
لم يعرف كاين الإجابة. لكنه عرف شيئاً واحداً.
هذا لم يكن الشبح.
هذا كا
ن شيئاً آخر. شيئاً أسوأ.
الكائن فتح فمه. لم يخرج صوت بشري. خرج صوت أشبه بصرير معدن على معدن، ممزوج بهمسات لا تُفهم.
ثم تحرك.