الكائن تحرك.

لم يكن سريعاً بالمعنى التقليدي. كان يتقدم بخطوات بطيئة، متعمدة، كأنه يعرف أن فريسته لا مهرب لها. الخيوط الرمادية التي تخرج من جسده تمددت في الهواء، تتلوى وتبحث.

"ما هذا الشيء؟" صوت ريان كان مرتجفاً للمرة الأولى.

كاين لم يجب. كان يرى ما لا يراه ريان. الخيوط الرمادية لم تكن مجرد امتدادات للكائن. كانت تمتص. كل شيء حولها - الضوء، الدفء، الحياة نفسها - كان يُسحب نحوها ببطء.

"تراجع!" صرخ كاين.

متأخر جداً.

أحد الخيوط اندفع نحو ريان. لم يكن هجوماً عنيفاً، بل لمسة خفيفة على ذراعه. لكن ريان صرخ وتراجع كأنه لُدغ.

"ما-" نظر إلى ذراعه. لم يكن هناك جرح، لكن المكان الذي لمسه الخيط تحول إلى اللون الرمادي الباهت. "شعرت... كأن شيئاً يُسحب مني. برد حتى العظم."

الكائن أصدر صوتاً. ليس صرخة، بل همهمة منخفضة، راضية تقريباً. كأنه تذوق شيئاً لذيذاً.

"إنه يتغذى على الجوهر." قال كاين، الفهم يضربه كالصاعقة. "ريان، لا تستخدم قدرتك!"

لكن ريان كان جندياً. غريزته كانت القتال.

"سأحرق هذا الشيء!" سيفه توهج بالحرارة، وأطلق موجة من اللهب النقي نحو الكائن.

"لا!"

النار اندفعت. لكن بدلاً من أن تحرق الكائن، حدث شيء مرعب. الخيوط الرمادية تحركت، التفت حول اللهب، وبدأت تشربه. حرفياً. رأى كاين الطاقة الحمراء تُمتص داخل الخيوط، تتدفق نحو قلب الكائن.

والكائن... كبر.

ليس كثيراً، لكن بشكل ملحوظ. الخيوط حوله أصبحت أكثر، والبرد المنبعث منه ازداد حدة.

"مستحيل..." همس ريان، عيناه متسعتان. هجومه الأقوى اختفى بلا أثر. بل جعل العدو أقوى.

"قلت لك!" صرخ كاين. "كل جوهر تستخدمه، يمتصه! أنت تطعمه!"

الكائن تقدم خطوة أخرى. الأرض تحت قدميه تجمدت. الهواء حوله أصبح ضباباً بارداً.

"إذن ماذا نفعل؟" صوت ريان كان يائساً. "لا أستطيع قتاله بدون جوهر!"

كاين نظر حوله بسرعة. عقله يعمل بأقصى طاقته. رأى الخيوط، رأى كيف تتحرك، رأى-

هناك.

خيوط أخرى، أعمق، تمتد من الكائن إلى الأرض. إلى المنجم. كان يتغذى على شيء في الداخل. مصدر. إذا قطعوا الاتصال...

"الرافعة!" صرخ كاين، مشيراً للرافعة العملاقة قرب مدخل المنجم. "إذا أسقطناها على المدخل، نحبسه في الداخل ونقطعه عن مصدره!"

"خطة مجنونة!"

"هل عندك أفضل؟"

ريان نظر إلى الكائن الذي يقترب، ثم إلى الرافعة البعيدة. "اذهب. سأشغله."

"لا! إذا استخدمت جوهرك-"

"لن أستخدمه." ريان التقط صخرة من الأرض. "سأفعلها بالطريقة القديمة."

قبل أن يعترض كاين، انطلق ريان في الاتجاه المعاكس، يصرخ ويلوح بذراعيه. "هنا أيها الوحش! تعال!"

الكائن توقف. رأسه - أو ما يشبه الرأس - تحرك نحو ريان. الخيوط تبعته.

"الآن يا كاين!"

---

ركض كاين بكل ما أوتي من قوة.

الرافعة كانت على بعد خمسين متراً. خمسون متراً من الثلج والصخور والخوف. سمع خلفه صوت ريان يصرخ، صوت الصخور تُقذف، صوت الكائن يتحرك.

لا تنظر للخلف. لا تتوقف.

وصل إلى كابينة التحكم. باب صدئ، عتلات قديمة، تروس متآكلة. لم يكن يعرف كيف يشغلها.

أغمض عينيه. ركز.

رأى الأصداء. آثار باهتة من العمال الذين استخدموا الرافعة قبل أيام. رأى أيديهم على العتلات، رأى الترتيب، رأى-

صرخة ريان قطعت تركيزه.

نظر من النافذة. قلبه توقف.

ريان كان على الأرض. الكائن فوقه. الخيوط الرمادية تلتف حول جسده، وريان يصرخ من الألم. كان يُستنزف. جوهره، حياته، كل شيء يُسحب منه ببطء.

"لا!"

كاين سحب العتلة الأولى. صوت صرير معدني. الرافعة بدأت تتحرك، لكن ببطء شديد. بطيئة جداً.

ريان توقف عن الصراخ. جسده أصبح ساكناً. الخيوط تلتف أكثر.

*لا. لا. لا!*

شيء ما انكسر داخل كاين.

لم يكن قراراً واعياً. كان غريزة. يأساً. رفضاً مطلقاً لما يحدث.

نظر إلى الخيوط الرمادية. ليس بعينيه فقط. بشيء أعمق. وصرخ.

ليس بصوته. بإرادته.

**"اتركه!"**

---

الألم كان مروعاً.

كأن أحداً غرز سكيناً من الجليد في دماغه. دم انفجر من أنفه، من أذنيه. رؤيته تشوشت. لكنه رأى.

رأى الخيوط الرمادية تتجمد. تهتز. ثم... تنفصل.

ليس كلها. فقط تلك التي كانت حول ريان. انسحبت، تراجعت، كأن شيئاً أحرقها.

الكائن أصدر صوتاً مختلفاً هذه المرة. ليس رضا. ألم. أو ربما... دهشة؟

تلك كانت الثانية التي احتاجها ريان.

تدحرج بعيداً، نصف واعٍ، يسحب نفسه على الأرض. والكائن، للحظة، بدا مشتتاً.

كاين سحب العتلة الأخيرة.

صوت انفصال معدني. ذراع الرافعة سقطت. أطنان من الفولاذ والحطام انهارت على مدخل المنجم بصوت مدوٍّ. غبار وثلج ملأا الهواء.

والكائن... حُبس في الداخل.

---

الصمت.

كاين سقط من الكابينة، ساقاه لا تحملانه. زحف نحو ريان الذي كان ملقى على الأرض، يتنفس بصعوبة.

"ريان... ريان!"

عيناه مفتوحتان، لكنهما فارغتان. بشرته شاحبة بشكل مرعب، وشفتاه زرقاوان.

"أنا... بخير." صوته كان همسة. "فقط... بارد جداً."

كاين نظر إلى جسده. المناطق التي لمستها الخيوط كانت رمادية، كأن الحياة سُحبت منها. لكنها بدأت تستعيد لونها ببطء.

"ماذا... فعلت؟" سأل ريان. "الخيوط... شعرت بها تنسحب. كأن شيئاً أجبرها."

"لا أعرف." كاين مسح الدم من وجهه. رأسه كان يدور. "فقط... رفضت."

ريان ضحك ضحكة ضعيفة، مؤلمة. "رفضت. بالطبع." حاول الجلوس، وتجهم من الألم. "أنت مجنون يا كاين. مجنون تماماً."

من خلف الأنقاض، سمعوا صوتاً. صوت خدش. الكائن كان حياً، يحاول الخروج.

"علينا أن نذهب." قال كاين. "الآن."

ساعد ريان على الوقوف. كان ضعيفاً، يتكئ على كاين بثقله. لكنهما تحركا. خطوة بعد خطوة، بعيداً عن المنجم الملعون.

---

وجدا الخيول حيث تركاها، مذعورة لكنها سالمة.

الرحلة عائدين كانت أبطأ. ريان كان ضعيفاً جداً ليركب بشكل صحيح، فربطه كاين بالسرج وقاد الحصانين معاً.

في الليلة الأولى، جلسا حول نار صغيرة. ريان كان يرتجف رغم البطانيات.

"ذلك الشيء..." قال أخيراً. "لم يكن طبيعياً. لم يكن مجرد وحش."

"أعرف."

"رأيت أشياء كثيرة في حياتي، كاين. قاتلت قطاع طرق، ووحوش جوهر، وجنود أعداء. لكن هذا..." هز رأسه. "هذا كان مختلفاً. كان... فارغاً. كأنه ثقب في العالم."

كاين فكر في الخيوط الرمادية. في الطريقة التي امتصت بها كل شيء. في العمال المئتين الذين اختفوا.

"أعتقد أنني أعرف ما حدث لهم." قال بهدوء. "العمال. الحراس."

نظر ريان إليه.

"الكائن لم يقتلهم." تابع كاين. "امتصهم. جوهرهم، حياتهم، كل شيء. لهذا لم نجد جثثاً. لم يتبق منهم شيء."

صمت طويل.

"مئتان وثلاثون شخصاً." همس ريان. "في أيام قليلة."

"وكان جائعاً لنا أيضاً."

ريان نظر إلى يديه. المناطق الرمادية اختفت تقريباً، لكنه كان يشعر بها. بالفراغ الذي تركته.

"كاين." صوته كان جاداً. "ما فعلته هناك... كيف أوقفت الخيوط... هذا لم يكن مجرد رؤية."

"أعرف."

"هل تعرف ما يعنيه ذلك؟"

كاين لم يجب. لكنه كان يعرف. شيء ما تغير فيه هناك. شيء ما استيقظ.

وكان يخاف مما قد يعنيه ذلك.

---

وصلا إلى آرغوس بعد ثلاثة أيام.

الجنرال ثورن كان ينتظرهم عند البوابة. وجهه كان بلا تعبير كالعادة، لكن عيناه فحصتا كاين بدقة. الدم الجاف على ملابسه، الشحوب في وجهه، الطريقة التي يتكئ بها ريان عليه.

"تقريرك." قال ثورن. ليس سؤالاً.

"المنجم سقط." قال كاين. "مئتان وثلاثون شخصاً. لم يتبق منهم شيء."

"ماذا وجدتم؟"

كاين تردد. كيف يصف ما رآه؟

"كائن." قال أخيراً. "شيء لم أره من قبل. يمتص الجوهر. يتغذى عليه. الهجمات تجعله أقوى."

شيء ما تغير في عيني ثورن. شيء خفي، سريع، لكن كاين رآه. صدمة. أو ربما... تأكيد لشيء كان يخشاه.

"أين هو الآن؟"

"حبسناه في المنجم. أسقطنا الرافعة على المدخل."

"لكنه حي."

"نعم."

ثورن صمت لحظة. ثم نظر إلى ريان.

"أنت بحاجة للعلاج. اذهب إلى الدكتورة إيلارا." نظر إلى كاين. "أنت. معي. الآن."

---

في مكتبه، أغلق ثورن الباب وأدار مفتاحاً. للمرة الأولى، بدا متوتراً.

"صف لي الكائن بالتفصيل. كل شيء."

كاين فعل. الشكل البشري المشوه. الخيوط الرمادية. الطريقة التي امتص بها هجوم ريان. القلب البلوري المظلم.

ثورن استمع بصمت. ثم سأل:

"كيف أوقفت الخيوط؟"

كاين تردد. "لا أعرف بالضبط. فقط... رفضت. صرخت في عقلي. والخيوط... انسحبت."

"هل شعرت بألم؟"

"نعم. كأن رأسي ينفجر."

ثورن مشى نحو النافذة، يحدق في المدينة تحته.

"ما رأيته، كاين، ليس مجرد وحش. إنه نتيجة."

"نتيجة لماذا؟"

صمت طويل.

"قبل عشرين سنة، كانت هناك تجارب." صوت ثورن كان منخفضاً، ثقيلاً. "تجارب محرمة. حاولوا دمج أكثر من طبيعة جوهر في جسم واحد. خلق أسلحة بشرية."

كاين شعر بقشعريرة.

"معظم الضحايا ماتوا. لكن بعضهم... تحولوا. أصبحوا شيئاً آخر. شيئاً لا يجب أن يوجد." استدار ثورن. "اعتقدنا أننا دمرناهم جميعاً. يبدو أننا كنا مخطئين."

"والشبح؟" سأل كاين. "هل هو-"

"الشبح مختلف." قطعه ثورن. "الشبح كان ناجحاً. نجا من التجارب بعقله سليماً، أو ما تبقى منه. ما رأيته في المنجم كان فاشلاً. وحشاً بلا عقل، يتغذى على الغريزة فقط."

"لكن الشبح-"

"الشبح يفكر. يخطط. يختار ضحاياه بعناية." نظر ثورن إلى كاين مباشرة. "وهو أخطر بكثير مما رأيته اليوم."

كاين ابتلع ريقه.

"سيدي... التجارب... من أمر بها؟"

ثورن لم يجب. لكن شيئاً في عينيه تغير. شيء مظلم. مؤلم.

"هذا سؤال لوقت آخر." قال أخيراً. "الآن، اذهب واسترح. غداً، سنبدأ المرحلة التالية من تدريبك."

"المرحلة التالية؟"

"ما فعلته هناك، إيقاف الخيوط بإرادتك... هذا ليس مجرد رؤية. هذا تدخل مباشر في نسيج الجوهر." ابتسم ثورن ابتسامة باردة. "عين العقدة بدأت تستيقظ حقاً. وعلينا أن نتأكد أنك تستطيع التحكم فيها... قبل أن تتحكم فيك."

---

في تلك الليلة، جلس كاين في غرفته، يحدق في خاتم لينا.

ا

لتجارب. الوحوش. الشبح. كل شيء بدأ يترابط في ذهنه، لكن الصورة كانت مظلمة. مرعبة.

والأسوأ من ذلك، السؤال الذي لم يستطع طرده من رأسه:

*إذا كان الشبح نتيجة تجارب... وأنا أملك قدرة نادرة لا يملكها أحد...*

*هل أنا أيضاً نتيجة لشيء ما؟*

لم ينم تلك الليلة.

---

2026/01/19 · 11 مشاهدة · 1421 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026