لم ينم كاين تلك الليلة.

جلس على حافة سريره، يحدق في الظلام. الأسئلة تدور في رأسه بلا توقف. التجارب المحرمة. الشبح. الكائن في المنجم. وقدرته هو... القدرة التي لا يفهمها.

مع أول ضوء للفجر، طُرق بابه.

"الجنرال يريدك." صوت حارس من الخارج. "الآن."

---

مكتب ثورن كان مختلفاً هذه المرة.

الستائر مغلقة، والغرفة مضاءة بشموع فقط. على المكتب، ملفات قديمة مصفرة، وصور باهتة، وخرائط عليها علامات حمراء كثيرة.

ثورن كان يقف عند النافذة، ظهره لكاين.

"اجلس."

جلس كاين. انتظر.

"أنت تتساءل." قال ثورن أخيراً، دون أن يستدير. "تتساءل لماذا أنت. لماذا الآن. لماذا كل هذا يحدث."

"نعم."

استدار ثورن. للمرة الأولى، بدا وجهه مختلفاً. ليس بارداً. بل... متعباً. كأن قناعاً سقط للحظة.

"دعني أخبرك قصة." جلس خلف مكتبه. "قصة بدأت قبل أن تولد أنت."

---

"قبل خمسة وعشرين سنة، كانت الإمبراطورية في ذروة قوتها. لكن كان هناك رجال طموحون. رجال يريدون أكثر. يريدون جنوداً لا يُهزمون. أسلحة بشرية."

فتح ثورن أحد الملفات القديمة. صور باهتة لأطفال. عشرات الأطفال.

"مشروع الفجر." صوته كان ثقيلاً. "أخذوا أيتاماً، أطفالاً لن يسأل عنهم أحد. وبدأوا التجارب. محاولة دمج أكثر من طبيعة جوهر في جسم واحد."

كاين نظر إلى الصور. وجوه صغيرة، خائفة، لا تعرف ما ينتظرها.

"معظمهم ماتوا." تابع ثورن. "أجسادهم لم تتحمل. تحولوا إلى... أشياء. مثل ما رأيته في المنجم. وحوش بلا عقل، تتغذى على الجوهر."

"والباقون؟"

"ثلاثة نجوا." ثورن أخرج ثلاث صور. "ثلاثة أطفال تحملت أجسادهم الدمج. لكن عقولهم..." هز رأسه. "الألم غيّرهم. حطمهم."

نظر كاين إلى الصور. ثلاثة أطفال. ولدان وبنت. عيونهم فارغة، ميتة.

"أحدهم مات بعد سنوات. جسده انهار أخيراً." قال ثورن. "الثانية... اختفت. لا نعرف أين هي أو إن كانت حية."

"والثالث؟"

صمت طويل.

"الثالث هو الشبح."

---

كاين شعر بقشعريرة.

"الشبح... كان طفلاً؟"

"اسمه الحقيقي كان إيثان." صوت ثورن كان منخفضاً. "كان أصغرهم. ست سنوات فقط عندما أخذوه. هو وأخوه التوأم."

"أخوه؟"

"نعم. أخذوهما معاً. الأخ الأكبر بدقائق، والأصغر." ثورن وقف، مشى نحو النافذة. "التجربة كانت مختلفة معهم. لم يحاولوا دمج طبيعتين في جسم واحد. حاولوا دمج شخصين."

"ماذا؟"

"الأخ الأكبر كان يملك طبيعة البرق. الأصغر، إيثان، كان يملك طبيعة الظل." استدار ثورن. "أرادوا قوة البرق مع خفاء الظل. فقرروا... دمجهما. حرفياً."

كاين شعر بالغثيان. "كيف؟"

"قتلوا الأخ الأكبر. ونقلوا جوهره، روحه تقريباً، إلى جسد إيثان."

الصمت كان ثقيلاً. مؤلماً.

"إيثان نجا." تابع ثورن. "لكنه لم يعد إيثان فقط. أخوه... جزء منه على الأقل... أصبح داخله. صوت في رأسه. وجود آخر يشاركه جسده."

"شخصيتان في جسم واحد."

"نعم. وقوة لم يرها أحد من قبل. البرق والظل معاً. يتحرك في الظلال بسرعة البرق. يضرب بصمت ويختفي."

---

"لكن..." كاين حاول أن يفهم. "لماذا يقتل الجنرالات؟ لماذا الآن؟"

ثورن عاد إلى مكتبه. فتح ملفاً آخر.

"الشبح لا يقتل عشوائياً. كل ضحية لها علاقة بمشروع الفجر. العلماء الذين أجروا التجارب. الضباط الذين أمروا بها. الجنرالات الذين وافقوا عليها."

"انتقام."

"انتقام بدأ قبل عشر سنوات." قال ثورن. "أول ضحية كانت الدكتور مارين، رئيس المشروع. وجدوه ميتاً في مختبره. سكتة قلبية، قالوا. لكنني عرفت."

"عشر سنوات؟" كاين كان مصدوماً. "الشبح يقتل منذ عشر سنوات؟"

"نعم. ببطء. بصبر. ضحية كل سنة أو سنتين. أشخاص لا يربطهم شيء ظاهرياً. لم يلاحظ أحد النمط." ثورن نظر إلى كاين. "أنا لاحظته. قبل ثماني سنوات، بدأت أبحث. أحاول أن أفهم. أحاول أن أجد طريقة لإيقافه."

"ولهذا كنت تبحث عني."

"كنت أبحث عن أي شيء." صحح ثورن. "أي سلاح، أي أمل. جربت كل شيء. مقاتلون متخصصون، تقنيات قديمة، حتى محاولة التفاوض." ضحك ضحكة مريرة. "لا شيء نجح. الشبح لا يُرى، لا يُتوقع، لا يُوقف."

"حتى وجدتني."

"حتى سمعت عنك." قال ثورن. "شائعات من الغسق عن فتى يرى أشياء لا يراها الآخرون. فتى بلا جوهر، لكنه يتجنب الضربات قبل أن تحدث."

"كنت تبحث عني منذ متى؟"

"ثلاث سنوات." اعترف ثورن. "ثلاث سنوات من البحث والتتبع. وعندما وجدتك أخيراً، عرفت."

"عرفت ماذا؟"

"أنك الوحيد الذي يمكنه رؤيته."

---

كاين جلس في صمت، يحاول استيعاب كل شيء.

"لكن..." قال أخيراً. "لماذا تسارعت الأمور الآن؟ الجنرالات يموتون بسرعة أكبر."

"لأن الشبح يقترب من نهاية قائمته." قال ثورن. "معظم المسؤولين عن مشروع الفجر ماتوا. بقي عدد قليل. وأنا..." توقف.

"أنت؟"

نظر ثورن إلى كاين مباشرة. "أنا كنت ضابطاً شاباً وقتها. لم أشارك في التجارب، لكنني... عرفت. عرفت ولم أفعل شيئاً."

الصمت كان ثقيلاً.

"أنا على قائمته، كاين. ربما لست في القمة، لكنني هناك." ابتسم ثورن ابتسامة حزينة. "لهذا أحتاجك. ليس فقط لحماية الإمبراطورية. بل لأنني أريد أن أعيش طويلاً بما يكفي لإصلاح ما ساعدت في كسره."

---

"سيدي..." كاين تردد. "التجارب... هل انتهت فعلاً؟"

ثورن نظر إليه بحدة. "لماذا تسأل؟"

"الكائن في المنجم. قلت إنه نتيجة تجربة فاشلة. لكن المنجم كان يعمل حتى أيام قليلة. كيف ظهر فجأة؟"

صمت طويل.

"سؤال ذكي." قال ثورن أخيراً. "الحقيقة... لا أعرف. مشروع الفجر أُغلق رسمياً قبل عشرين سنة. لكن..."

"لكن؟"

"هناك من يريد إحياءه." صوت ثورن كان قاتماً. "جهات داخل الإمبراطورية، وربما خارجها. يرون الحرب قادمة مع الغرب، ويريدون أسلحة. لا يهمهم الثمن."

"والكائن في المنجم؟"

"ربما تجربة جديدة هربت. ربما بقايا قديمة استيقظت. لا أعرف بعد." نظر ثورن إلى كاين. "لكنني سأكتشف. وأنت ستساعدني."

---

طُرق الباب. دخلت الدكتورة إيلارا، وجهها متجهم.

"الفحوصات جاهزة." قالت، ونظرت إلى كاين. "ما فعلته في المنجم... كسر الخيوط بإرادتك... كان يجب أن يقتلك."

"لكنه لم يقتلني."

"بالكاد." جلست، وفتحت ملفاً. "نشاطك الدماغي وصل إلى مستويات كان يجب أن تسبب نزيفاً داخلياً. تمزقاً في الأوعية. موتاً فورياً." نظرت إليه. "لكن شيئاً ما حماك. شيء لا أفهمه."

"عين العقدة." قال ثورن.

"ربما." قالت إيلارا. "أو ربما شيء آخر." نظرت إلى كاين بفضول. "جسمك يتكيف بطريقة غير طبيعية. كأنه... مصمم لهذا."

كاين شعر بالبرد. "مصمم؟"

"لا أقول إنك نتيجة تجربة." سارعت إيلارا. "لكن قدرتك ليست عشوائية. هناك نظام. هيكل. كأن شخصاً ما خطط لها."

"أو كأن الطبيعة نفسها خلقت توازناً." قال ثورن. "التجارب خلقت وحوشاً. ربما العالم خلق شيئاً لمواجهتها."

"هذا شعر، ليس علماً." قالت إيلارا بجفاف.

"أحياناً الشعر أقرب للحقيقة من العلم."

---

"بغض النظر عن السبب،" قالت إيلارا، "الحقيقة أن قدرتك خطيرة. كل استخدام لها يضر بك. إذا استمررت هكذا، ستموت."

"إذن ماذا أفعل؟"

"تتعلم." قال ثورن. "تتعلم كيف تستخدمها بدون أن تدمر نفسك. تتعلم حدودك. تتعلم متى تضغط ومتى تتراجع."

"وكيف؟"

"سأدربك." قالت إيلارا. "ليس على القتال. على التحكم. على فهم عقلك وجسمك. على الوصول إلى تلك القوة بدون أن تحرقك."

"وأنا سأدربك على استخدامها." أضاف ثورن. "عندما تكون جاهزاً. عندما تستطيع أن تكسر خيطاً بدون أن تنزف."

نظر كاين إلى كليهما. العالمة التي تريد حمايته. والجنرال الذي يريد استخدامه. وهو في المنتصف، لا يعرف أيهما على حق.

لكنه عرف شيئاً واحداً.

الشبح كان طفلاً يوماً ما. طفلاً

سُرقت منه حياته. وإذا لم يتعلم كاين التحكم في قدرته، قد ينتهي به الأمر مثله. محطماً. ضائعاً. يبحث عن انتقام لن يملأ الفراغ أبداً.

"متى نبدأ؟" سأل.

ابتسم ثورن. "الآن."

---

2026/01/23 · 8 مشاهدة · 1069 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026