لم يكن في هذا العالم مدن عظيمة تُحكم بقبضة ملوك، ولا إمبراطوريات ترتجف تحت ظل أباطرة. هنا لا وجود إلا للطوائف، فهي القانون والسيف والسماء.

وأنا — شينغ لي — وُلدت في مدينة صغيرة تدعى قرية الربيع، تتبع لطائفة عريقة تُعرف باسم "طائفة أتباع الداو". ورغم أنني لا أملك موهبة مذهلة، إلا أن الناس في المدينة يعتبرون ولادة الشخص بين عائلة "لي" ضرباً من الحظ الجيد؛ فعائلتنا ليست قوية بين الخالدين، لكنها محظوظة وذات نفوذ بين الفانين، إذ تضم في صفوفها شيخاً خارجياً وثلاثة عشر تلميذاً خارجياً، إضافةً إلى ما يزيد عن خمسة وعشرين خادماً يخدمون شيوخ الطائفة والتلاميذ الداخلين. ورغم أن لقب "خادم" يبدو بسيطاً، إلا أن الجميع يعرف أنه أفضل مصير يمكن لأي فانٍ أن يحظى به، فهؤلاء الخدم يتلقون أدوات زراعية بسيطة، وقد يحصل بعضهم على فرصة لتعلم أساسيات الزراعة من أحد التلاميذ الرحومين.

كان هذا اليوم أشبه ببوابة قدر، فكل خمس عشرة سنة ترسل الطائفة اثنين من تلاميذها الخارجيين لجمع الخدم الجدد، ولتنقية القرى بحثاً عن موهوبين يصلحون ليصبحوا تلاميذ خارجيين مبتدئين.

في ذلك اليوم… اهتز هدوء سماء مدينة الربيع.

ظهر سيف طائر يشق الغيوم، ثم آخر يهبط بجانبه، وعلى متنهما شخصان يرتديان عباءات داو خضراء مطرزة بخيوط لامعة. هبطا بخفة فوق الحلبة الترابية التي أُعدت للاختبار، حيث وُضع عرشان بسيطان فوق منصة خشبية قصيرة. جلس الاثنان على العرشين ببرود، وعيناهما تحدقان في المتسابقين بملل واضح؛ لقد شاهدا مثل هذه الاختبارات آلاف المرات، ولن يتحرّكا ما لم يظهر شخص بموهبة مدهشة. فالمختارون الحقيقيون غالباً ما حُددوا مسبقاً عبر رسائل العائلات ورشاويها، وما سيبقى لهذين تلميذين هو فقط تقرير مَن سيكون خادماً، ومَن يستحق لقب تلميذ خارجي مبتدئ، أما البقية فمصيرهم يعود لعائلاتهم لحياة الفناء.

ارتفعت الهمسات بين أهل مدينة الربيع وهم يقتربون من الحلبة. كل عائلة تُمسك أنفاسها، وكل طفل يبتلع خوفه. أما أنا… فكنت أقف في الصف الثالث، يدي ترتجف رغم محاولتي إخفاء الأمر. لم أكن أطمح لأكثر من لقب خادم. على الأقل سيكون لدي فرصة لرؤية عالم الزراعة عن قرب، وربما… فقط ربما… أفتح باباً صغيراً نحو الخلود.

قال أحد الرجلين الجالسين على العرش، بنبرة باردة:

"ابدأوا."

تقدّم أوّل المتنافسين، شاب من عائلة "يو". رفع صخرة الاختبار، أطلق قليلاً من طاقته البدائية، فتلألأت الصخرة باللون الرمادي الباهت — علامة على موهبة من الدرجة الخامسة. لم يلتفت الرجلان له، وسُجّل مباشرة: خادم.

بعده فتاة بموهبة رابعة… ثم آخر بموهبة سادسة… ولم يرمش أحد التلميذين حتى.

فقط حين تقدم "لي جيان" — الوريث المدلل من عائلتي — تحركت النظرات قليلاً. رفع الصخرة بجهد بسيط، فتوهجت بلون أزرق سماوي؛ موهبة من الدرجة الثالثة. مال التلميذ الأيمن برأسه وقال: "تلميذ خارجي… مقبول." سُجل اسمه، وارتفعت الهتافات والتهاني من جانب عائلتي.

أما أنا فبقيت صامتاً، أراقب الهواء البارد يتكاثف من أنفاسي… واقفاً بين جموع لا تنتظر مني شيئاً، حتى سمعنا المنادي يقول:

"التالي… شينغ لي."

تقدّمت. خطواتي بدت ثقيلة، لكن صدري كان ثابتاً. لم أتوقع مجداً… فقط فرصة.

وضعت يدي على صخرة الاختبار، أغمضت عيني، وجمعت ما في داخلي من شرارة صغيرة للروح. في اللحظة التي لامست فيها طاقتي الحجر… اهتزّت الصخرة. ارتفع ضوء خافت… ليس رمادياً… ولا أزرق. بل خيط نحيل من اللون الفضي خرج منها كوميض برق، ثم اختفى بسرعة قبل أن يلاحظه أغلب الحضور.

لكن الرجلين لاحظاه. انتصبت أجسادهما فجأة بعد أن كانا مسترخيين، وتبادلا النظرات بذهول. همس أحدهما للآخر: "فضي؟ مستحيل… في قرية كهذه؟" ثم قال بصوت مسموع وجاد: "أعد الاختبار مرة أخرى."

ساد الصمت، وتعلقت عيون الناس بي بترقب مكتوم. رفعت يدي وأعدتها على الصخرة من جديد، وركزت كل ما أملك. لكن هذه المرة، لم يظهر أي وميض فضي؛ بل انبعث من الحجر خيط رمادي باهت للغاية، متقطع ومشوش، سرعان ما انطفأ تماماً تاركاً الصخرة مظلمة.

تراجع التلميذان إلى الخلف، وتبدد الحماس من وجهيهما فوراً ليحل محله ملامح الاستياء والملل. تنهد التلميذ الأكبر بقوة وقال لزميله بصوت خافت: "مجرد تداخل شوائب في طاقة الفتى البدائية... ضوء كاذب خدع الحجر في المرة الأولى."

أومأ الآخر برأسه والتفت بعيداً بقلة صبر. ثم أشار الأكبر للمنادي بيده دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلي مجدداً.

صرخ المنادي بنبرته الرتيبة المعتادة:

"شينغ لي… غير مؤهل. التالي!"

لم تكن هناك دراما، ولم تنفجر الحلبة بالضحك أو السخرية؛ ففي عالم الزراعة، الفاشلون كُثر والوقت أثمن من أن يضيع في التشكّي أو الشماتة علناً. تنحيتُ جانباً بهدوء، عائداً إلى صفوف عائلتي. لم أجد في عيونهم سوى نظرات عادية مليئة بخيبة أمل خفيفة، ثم سرعان ما تجاوزوني ليركزوا على تهنئة "لي جيان" بمستقبله الواعد.

انتهى اليوم سريعاً. صعد التلميذان برفقة "لي جيان" والخدم الجدد على متن السيوف الطائرة، وشقوا طريقهم عبر الغيوم نحو الطائفة، تاركين خلفهم غبار الحلبة.

عدتُ مع عائلتي إلى المنزل. وبما أنني لم أكن مؤهلاً حتى لخدمة الطائفة، فقد كان القرار العملي والمنطقي لعائلتي التجارية هو تعييني في إدارة مخازن الأعشاب الطبية البسيطة التابعة للعائلة في المدينة.

في تلك الليلة، كنت أقف وحيداً وسط رفوف الخشب العتيقة، ورائحة الجذور الجافة تميز المكان. ورغم الهدوء الذي لفّ الغرفة، إلا أنني في أعمق نقطة من روحي، كنت لا أزال أشعر بتلك الشرارة الصغيرة التي ظهرت كالتماع الفضة... كانت حقيقية، وكنت موقناً أنها لم تكن شوائب كاذبة كما ظنوا.

نظرتُ إلى يدي، ثم إلى ركام الأعشاب الرخيصة أمامي، وعلمت أن رحلتي ستبدأ من هنا، ببطء، وبعيداً عن أعين السماء.

2026/08/04 · 2 مشاهدة · 827 كلمة
نادي الروايات - 2026