لم يتحدث ميرليك إلا بعد أن خبت أنوار المشاعل.
قال: "قبل أن تقرر من ستقاتل، عليك أن تفهم بين مَن ولدت".
بسط الخريطة أكثر.
رُسم تاجان على طرفي الورق المتقابلين؛ أحدهما نُقش بالحديد، والآخر خُتم بالشمع الأخضر.
تابع ميرليك: "يعتقد الناس أن المملكتين تكرهان بعضهما البعض. الفولاذ ضد الحرير.. الحرب ضد الدبلوماسية".
نقر بإصبعه على التاج الحديدي.
— "التاج الرمادي. مملكتك. صُهرت في الغزو؛ دولة عسكرية، فرسان يُربون كأنهم أسلحة. شرفٌ يُنطق بصوتٍ عالٍ حتى لا يسمع أحدٌ الصرخات القابعة تحته".
أضاف لوسيان بهدوء: "إنهم يحكمون علانية. بالرايات.. وبالدماء".
انزلقت إصبع ميرليك إلى العلامة الثانية.
— "الحجاب الأخضر. إنهم يحكمون بالهمس؛ عبر الأنساب، العقود، الزيجات، وحالات الاختفاء. لا أكاديميات هناك، ولا أبطال.. فقط ورثة، وأسرار".
قطبتُ حاجبي: "إذا كانا مختلفين تماماً، فلماذا لم يدمر أحدهما الآخر؟".
نظر إليّ ميرليك بعينين غائرتين: "لأنهما فعلوا ذلك بالفعل. دمروا الحقيقة".
ساد الصمت.
تابع ميرليك: "لقد خاضوا حرباً ذات يوم، قبل زمن طويل من ولادتك. حربٌ لا يعترف أي طرف بوقوعها".
اشتد فك لوسيان.
قال ميرليك: "تلك الحرب انتهت في اللحظة التي وُلد فيها طفلٌ يحمل دماءً من كلا التاجين".
انقبض صدري.
"أتقصد—"
قاطعني ميرليك بحدة: "أقول إن أمك لم تكن مجرد غريبة من مملكة أخرى.. لقد كانت من السلالة الحاكمة. كانت أميرة".
تردد صدى الكلمة في الأرجاء. أميرة.
لم ينظر لوسيان إليّ؛ كان يعرف بالفعل.
قال ميرليك: "تم إخفاؤها. تربت بعيداً عن البلاط. كان 'الحجاب الأخضر' يخشى سلالتها؛ فقد كانت قادرة على توحيد العرشين دون الحاجة لإشهار سيف واحد".
همستُ: "لذا قاموا بمحوها".
هز ميرليك رأسه ببطء: "لا. الوزير هو من محاها".
اتكأ بثقل على رمحه: "الوزير الأعلى 'كايلوم فيريث' لم يكن موالياً لأي من التاجين. كان ولاؤه للقوة فقط".
تحدث لوسيان مجدداً: "الملك وثق به. استمع إليه. وأطاعه".
قال ميرليك: "لقد سمّم الحقيقة. همس بالخيانة في أذن الملك. حوّل الحب إلى تمرّد، وجعل من الأميرة عبئاً خطيراً".
أطبقتُ قبضتيّ: "وأبي؟".
أجاب ميرليك: "مجرد حجر شطرنج. صمتٌ ملائم لمصالحهم".
شعرتُ بالغرفة تضيق حولي.
تابع ميرليك: "لقد أُسرت بعد الكمين. ليس على يد جنود، بل رجال بلا شعارات. لم يطرحوا أسئلة؛ كانوا يعرفون الأجوبة بالفعل. أرادوا أسماءً، أنساباً، ودلائل".
قال لوسيان بصوت بارد: "أرادوا تحطيمه".
ابتسم ميرليك ابتسامة خالية من المرح: "لقد فشلوا".
ابتلعتُ ريقي بصعوبة: "لماذا أبقوك حياً؟".
قال: "لأن 'الحجاب' لا يقتل ما يمكنه دراسته. أرادوا أن يعرفوا ما إذا كانت تلك الدماء قد نجت وتطورت".
سرت قشعريرة في عمودي الفقري.
نظر لوسيان إليّ أخيراً: "هذا هو السبب في أن 'التاج' يطاردك.. والسبب في أن 'الحجاب' يراقبك".
تراجعت خطوة للخلف: "إذاً، ماذا أمثل بالنسبة لهم؟".
التقى ميرليك بعينيّ: "خطيئة".
أضاف لوسيان: "تهديد".
أنهى ميرليك الجملة: "مطالبة بالعرش".
هززتُ رأسي: "أنا لا أريد عرشاً".
أومأ لوسيان برأسه: "جيد".
طوى ميرليك الخريطة: "لأن الأمر لا يتعلق بالحكم.. بل بإنهاء الكذبة التي تبقي هذين التاجين على قيد الحياة".
نظرتُ إلى التاج الحديدي، ثم إلى الختم الأخضر. مملكتان، وحقيقة واحدة مدفونة في الدماء.
سألتُ بهدوء: "والوزير؟".
أظلمت عينا لوسيان: "لقد بنى إمبراطوريته على الصمت.. لذا سنسلبها منه".
أحكم ميرليك قبضته على الرمح: "ليس بالحرب.. ليس بعد".
رفعتُ سيفي من فوق الطاولة: "إذاً سنكشفه. قطعة.. قطعة".
ابتسم لوسيان ابتسامة باهتة: "هذا بالضبط هو سبب نجاتك".
فوقنا، كان تاجان لا يزالان يحكمان العالم.
وتحتهما—
ثلاثة رجال يستعدون لتمزيق الكذبة إرباً.
وفي مكان ما بعيد، كان الملك ينام بسلام..
غير مدرك أن الدماء التي حاول محوها.. كانت تسير الآن نحو عرشه