كان ثِقل السرِّ أثقلَ من أي درعٍ ارتديتُه قط.

​وقفتُ وحيداً في مؤخرة الكهف، أحدق في انعكاسي على سطح بركة مياه راكدة. لم أعد أرى فارساً من الأكاديمية، ولا تلميذ حدادٍ بسيط؛ بل رأيتُ شبحاً لسلالةٍ كان من المفترض أنها أبيدت.

​— "أنت تُكثر من التفكير".

تردد صدى صوت "لوسيان" على الجدران الحجرية. لم ينظر إليّ وهو يشحذ نصله؛ فهو لا يفعل ذلك أبداً حين يهمّ بقول الحقيقة.

أكمل: "الدماءُ التي في عروقك لا تهتم بألقابك، هي تهتم فقط بالبقاء".

​قلتُ وصوتي متحشرج: "لم يعد الأمر مجرد بقاء يا لوسيان. إذا كان ميرليك محقاً، فأنا لستُ سوى إعلان حرب يمشي على قدمين. كل نَفَسٍ آخذه هو تهديدٌ لهذين التاجين".

​توقف لوسيان عن استخدام حجر الشحذ. ساد صمتٌ مطلق.

— "إذًا أعطِهم سبباً ليرتعبوا".

​خرج ميرليك من بين الظلال، متكئاً بثقل على رمحه. نظر إلينا نحن الاثنين؛ الأخوين، نِصفي الحقيقة المحطمة.

قال ميرليك، وعينه الغائمة مثبتة على البعيد: "يعتقد 'التاج' أنه بمحو الاسم، فقد محا الحق معه. لكن التاريخ لا يُكتب على الورق يا درافين.. إنه يُكتب في النُّخاع. ونخاعُك الآن يصرخ".

​اقترب أكثر، وكان لحضوره هيبةٌ هدأت الطاقة الفوضوية في الغرفة: "يظن الوزير أنه يملك الرواية وحده، ويظن أنه قادر على إبقاء الملك في قفصٍ من الأكاذيب للأبد. لكنه نسي شيئاً واحداً".

​سألتُه: "ما هو؟".

أجاب ميرليك بصرامة: "المطالبة ليست سوى كلمة، حتى ينهض شخصٌ ما لينطق بها. الليلة، تتوقف عن كونك سراً.. وغداً، تصبح أنت الحساب".

​نظرتُ إلى يديّ؛ كانتا تحملان ندوباً من الكِير، وجلداً خشناً من مقبض السيف. يدا عامل، وجندي، والآن.. يدا أميرٍ من سلالةٍ منسية.

همستُ: "أنا لا أريد العرش".

​ابتسم لوسيان بمرارة ورفع رأسه أخيراً: "جيد. فالذين يريدون العرش عادةً هم من لا يستحقونه. لكن العرش هو من يريدك يا درافين. ليس لتجلس عليه، بل لتذكّر العالم بأنه يمكن أن يُحطّم".

​تبدل الهواء في الكهف. الحيرة التي طاردتني منذ "نهر الدماء" بدأت تتصلب لتتحول إلى عزيمة باردة وقاسية. مددتُ يدي ولمستُ خاتم الختم الموضوع على الطاولة. كان بارداً، لكن بمجرد أن لامس جلدي المعدن، سرى دفءٌ غريب في صدري.. رنينٌ من نوع خاص.

​قلتُ وصوتي ثابتٌ أخيراً: "للدماء حقٌّ في المطالبة. ليس بالسلطة.. بل بالحقيقة".

​أومأ ميرليك برأسه في رضا قاتم: "إذاً استعد. نحن لا نضرب رجلاً فحسب، بل نضرب إرثاً كاملاً من الأكاذيب".

​في الخارج، بدأت الرياح تعوي، حاملةً معها رائحة المطر والتغيير الوشيك. لم يكن العالم يعرف ذلك بعد، لكن الكِير كان مستعراً، والفولاذ كان جاهزاً، ودماء "ليورا فيران" كانت في طريقها أخيراً لتعود إلى ديارها.

2026/02/06 · 2 مشاهدة · 393 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026