​كانت رائحة دم الوزير لا تزال عالقة في ذاكرة لوسيان، لكن مرارة الانسحاب كانت أشد قسوة. لقد كان "كايلوم فيريث" بين أيديهم في تلك القاعة، لولا تلك الأجسام المشوهة التي انقضت من السقف فجأة بحركة غير بشرية، مجبرةً الإخوة على التراجع تحت غطاء دخان ميلكن.

​الآن، خيم الليل فوق الحصن المهجور الذي لجأوا إليه كعباءة ثقيلة، مخمداً كل صوت سوى قطرات الماء الخافتة المتساقطة من الجدران الحجرية.

​جلس لوسيان بهدوء، وسيف والده الفولاذي مستقر فوق ركبتيه، يمسح عنه آثار الاشتباك الأخير. استند درافين إلى الجدار، مغمض العينين، محاولاً طرد صورة المسوخ الذين دافعوا عن الوزير من مخيلته. أما ميلكن، الظل الدائم، فكان يتحرك بينهما بصمت، يتفحص المداخل ويراقب الغابة المحيطة، تحسباً لأي ملاحقة.

​قطع ميرليك الصمت، وكان صوته يحمل ثقلاً جديداً بعد أن رأى الفتية قوة الوزير الحقيقية:

— "يد الوزير التي رأيتموها في القاعة لم تكن سوى البداية. إنه هادئ الآن لأنه يعيد ترتيب قطعه، وحين يضرب مجدداً.. لن يكون الفولاذ سلاحه الوحيد".

​اشتد فك لوسيان وهو يتذكر كيف ارتد سيفه عن جلد أحد حراس الوزير وكأنه يضرب حجراً: "ماذا كانت تلك الأشياء يا ميرليك؟".

​أشار ميرليك نحو رواق مظلم: "لقد أخبرتكم، لديه ابتكارات. تجارب نُفذت في دهاليز 'الحجاب الأخضر'. جنودٌ تم تشويههم وبرمجتهم، عقولهم وأجسادهم مقيدة بإرادته. الرجال العاديون ليسوا نداً لهم، لأنهم كما رأيتم.. لم يعودوا بشراً".

​سرت قشعريرة في عمود درافين الفقري. الحكايات التي سمعوها همساً عن المفقودين بدأت تتجسد في وحوش من لحم ودم.

​تدخل ميلكن بصوت منخفض ومتحكم: "هذا هو السبب في أننا اضطررنا للانسحاب. الاندفاع في القاعة كاد يكلفنا حياتنا. لا يمكن التنبؤ بتحركات كايلوم، وكل خطوة نخطوها الآن يجب أن تكون مدروسة. خطأ واحد.. وسيحولنا إلى تجارب جديدة في مختبراته".

​أغمض لوسيان عينيه لبرهة، مستنشقاً الهواء ببطء. ذكريات طفولته، ووجه أمه، وصورة والده وهو يسلمه السيف.. كلها امتزجت بمرارة الهزيمة المؤقتة. لكنه فتح عينيه بنظرة أشد حدة: "لن ننسحب مرة أخرى".

​في تلك اللحظة، صرّ باب الحجرة. انزلق ظلٌ على طول الجدار، لكنها كانت "لي"، التي لحقت بهم ووجهها شاحب من القلق. قالت بنعومة: "لستم وحدكم. مهما كان ما يملكه.. سنواجهه معاً".

​أومأ لوسيان برأسه، واضعاً يده لبرهة على يدها، مستمداً منها دفئاً يذكره لماذا يقاتلون أصلاً.

​خارج الحصن، قصف الرعد في الأفق، مدوياً كطبل إنذار. تحرك ميرليك نحو الخريطة مجدداً، متتبعاً المسارات المؤدية لـ "برج الصمت"، المصنع الذي تخرج منه تلك المسوخ. وقال بصوت حاد: "نحن نستعد الآن لما نعلم أنه قادر عليه. وصدقوني، المواجهة القادمة ستجعل ما حدث في القاعة يبدو وكأنه نزهة أطفال".

2026/02/06 · 1 مشاهدة · 394 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026