​نام الآخرون أخيراً..

كان نَفَس لوسيان ثقيلاً، فإرهاق السنين والانسحاب المرّ من القاعة بدآ يلحقان به. أما درافين فكان ساكناً، وإن ظلت قبضته مطبقة على مقبض سيفه حتى وهو نائم، كأنه يخشى أن تنقضّ عليه ظلال القاعة مرة أخرى.

​لكن ميرليك ظل مستيقظاً، جالساً بجانب الجمر الخابي للموقد.

شمر كُم قميصه ببطء، ليكشف عن جلدٍ لم يعد بشراً، بل خريطة من الخراب. خطوط من الندوب الفضية تمتد من معصمه إلى كتفه — آثارٌ تركتها "التجارب" التي شهدها وعانى منها في دهاليز "الحجاب الأخضر" قبل سنوات طويلة.

​مد يده إلى حجرة مخفية في جسد رمحه وأخرج قطعة صغيرة حادة من عظم متفحم. لم تكن قطعة عظم بشرية؛ كانت تنبض بضوء أرجواني سقيم وخافت، ضوءٌ بدا وكأنه يتغذى على العتمة من حوله.

همس ميرليك للصمت: "لا زلتِ جائعة، أليس كذلك؟".

​لم يكن ميرليك مجرد ناجٍ؛ بل كان لصاً محترفاً. لقد سرق قطعة من "المصدر" الخاص بالوزير — الجوهر السحري المظلم الذي يُستخدم لتحويل البشر إلى وحوش.

​أمسك ميرليك بحجر شحذ وبدأ يسن رمحه. كان الصوت رتيباً ومخيفاً وسط هدوء الحصن:

حك.. حك.. حك..

​كان يعرف ما لا يعرفه الفتيان بعد. يعرف أن "ابتكارات" الوزير التي واجهوها في القاعة لا يمكن قتلها بقطع الأعناق أو طعن الصدور بالطريقة التقليدية. فحياتهم لم تعد في دمائهم؛ بل في "النواة" السحرية المغروسة في أعمدتهم الفقارية.

​نظر إلى الأخوين النائمين، وشعر بوخزة لشيء لم يشعر به منذ عقود: غضبٌ حمائي جارف.

تمتم وهو ينظر إلى سيف والد لوسيان: "يظنان أنهما مستعدان بعد ما جرى في القاعة. لكنهما لا يزالان يخوضان حرب فولاذ، بينما أنا أعدُّهما لحرب أرواح".

​أخرج قارورة صغيرة من زيت رمادي لزج، وبدأ بطلاء أطراف نصالهم وهم نيام بعناية فائقة. كان خليطاً كيميائياً وأسطورياً قضى سنوات في إتقانه — سمٌ مصمم خصيصاً لزعزعة استقرار السحر داخل أجساد جنود الوزير وتفتيت نواتهم.

​سيكلفه ذلك الكثير؛ فالزيت كان ساماً لدرجة أن ملامسته للجلد كانت تحرق كالنار. بدأت يدا ميرليك ترتجفان، والسائل الرمادي يلسع جلده المتشقق، لكنه لم يتوقف.

​همس ورؤيته تضطرب لثانية من أثر السم: "درسٌ أخير يا فتيان. السلاح الأعظم ليس ذلك الذي تحمله علانية، بل هو السلاح الذي لا يعلم العدو أنك تملكه حتى يمزق أحشاءه".

​أنهى طلاء النصل الأخير واتكأ للخلف، ووجهه شاحب كالأموات في ضوء القمر المتسلل من النوافذ المحطمة. بدا عجوزاً.. بدا محطماً. لكن بينما كان يمسك برمحه، شررت عينه الغائمة بضوء بارد، مفترس، ومليء بالحقد.

​لقد ظن الوزير "كايلوم فيريث" أنه تخلص من ميرليك ومحاه من الوجود منذ سنوات

لكنه على وشك أن يكتشف أن الذئب الجريح أخطر بكثير من الذئب الشاب.

2026/02/06 · 1 مشاهدة · 401 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026