​وُلدتُ في قلب الفرن، بين تطاير الشرار وصليل الفولاذ. كانت رائحة المعدن المصهور هي أول عهدي بالدنيا.

​كان أبي يقول إنها منحتني القوة، أما أمي.. فكانت تقول إنها جعلت مني بشراً.

​كنتُ في الثامنة حين رأيتها للمرة الأخيرة. "ليورا فيران"؛ أمي التي انتُزعت من هذا العالم قبل حتى أن أتعلم كيف أصيغ كلمات الأسى. أما أبي، "داريان آردينت"، فلم يسمح للحزن يوماً أن يطفو على سطحه؛ بل صبّ جام لوعته في المِطرقة، وفي تطويع السيوف.. وفي صقلي أنا.

​نشأتُ وحيداً، أتخذ من النصال ألعاباً، وكان كل تأرجحٍ للسيف بمثابة تدريبٍ صامت على شيءٍ لم أجد له اسماً قط. تعلمتُ التوازن قبل أن أعرف الضحك، وأتقنتُ الدقة قبل أن أذوق طعم الفرح.

​حين بلغتُ الثانية عشرة، جمع أبي كل ما يملك؛ كل قطعة نقدية، وكل جوهرة مخبوءة، ليرسلني إلى "أكاديمية فرسان المملكة". همس لي حينها قائلاً:

— "النخبة للنخبة.. هكذا يليق بابن أمهرِ صانع سيوف".

​لم أكن مجرد صبي هناك. كنتُ "الفتى ذو السيف"؛ ذاك الذي طرقه الحريقُ قبل أن تتاح للحياة فرصةُ تشكيله. لم يرحب بي الجميع؛ فبعض المعلمين —ممن يجهلون مهارة أبي— نظروا إليّ بازدراء. لكن كراهيتهم كانت هباءً لا يُذكر.

​لقد كنتُ طفلاً وُلد من رحم الصلب، ولم يكن على العالم إلا أن يراقبني وأنا أغدو حاداً بما يكفي لتمزيقه. تعلمتُ كل حيلة، وكل حركة، وكل طعنة.. لا رغبةً في ذلك، بل لأن البقاء كان يفرض شروطه القاسية

2026/02/06 · 4 مشاهدة · 220 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026