​عندما نظرت البشرية إلى السماء.. فنظرت السماءُ إليها

​لم يبدأ الأمر بالصراخ.

لقد بدأ بالصمت.

صمتٌ ثقيل — كأن الهواء نفسه قد نسي كيف يتحرك.

​في قرية صغيرة عند أطراف المملكة الثالثة، كان الصباح عادياً.

خبّازٌ يوقد فرنه.

أمٌ توقظ طفلها.

راعي غنم يربط صندله.

ثم..

تلاشى الضوء.

​لم يكن ليلاً.

ولم تكن غيوماً.

كان شيئاً آخر.

رفع الناس رؤوسهم.

السماء.. لم تعد سماءً.

كانت الشمس لا تزال هناك، لكن شيئاً أحمر داكناً انزلق ببطء فوقها — كأنه جرحٌ ينفتح في لحم العالم.

تحول الضوء إلى لونٍ قرمزي.

وصارت الظلال أطول مما ينبغي.. وأقرب.

​همست امرأة:

"هذا.. ليس كسوفاً".

​ثم بدأ الصوت.

لم يكن رعداً.

كان دقة قلب.

كأن قلباً عملاقاً ينبض فوق رؤوسهم.

دم.. دم.. دم..

فأجابتها الأرض.

​سقط الخباز على ركبتيه، ممسكاً بصدره.

"قلبي.. قلبي ليس لي".

نظر الراعي إلى يديه؛ تحولت العروق إلى اللون الأسود، ثم بدأت تتحرك.

صرخ.

لكن الصرخة جاءت متأخرة — كأن شيئاً في حنجرته كان يقرر ما إذا كان يستحق الصراخ أصلاً.

​في المدينة، كان الأمر أسوأ.

فاضت الشوارع بالناس — بين مصلٍ، ولاعنٍ، وباكٍ.

حاول الجنود تنظيمهم.. ثم بدأوا بالتراجع هم أنفسهم.

سقط أول طفل.

لم يكن مصاباً.

هو ببساطة.. توقف.

ظلت عيناه مفتوحتين، تحدقان في الكسوف.

وبعد ثوانٍ قليلة.. ابتسم.

ابتسامةً لا ينبغي لطفل أن يرتديها أبداً.

ثم وقف.

ليس كما يقف الأحياء—

بل كجسدٍ يُسحب من الداخل.

صرخت أمه باسمه.

التفت الطفل إليها، وصوته يخرج في طبقات متعددة، ومزدوجة:

"ماما.. هناك شيءٌ بداخلي ينمو".

​ثم انشق صدره.

لم يكن انفجاراً.

بل تفتحاً بطيئاً.. كزهرة من اللحم.

شيءٌ أسود، مشوك بأشواك قرمزية، شق طريقه للخارج.

عيون بلا جفون.

وفم بلا أسنان.

وهمسٌ يشبه الكورال:

"الكسوف.. قد بدأ".

​في الأزقة، ركض الناس.

لكن الظلال.. لم تبقَ متصلة بأصحابها.

رجلٌ فرّ هارباً، لكن ظله بقي مكانه.

ثم وقف الظل.

ثم تبعه.

وحين التفت الرجل خلفه..

كان ظله أطول، وأنحف، وعيناه تتوهجان بالأحمر.

نطق الظل:

"لماذا تركض؟ أنا أنت".

أمسك به.

وحين صرخ الرجل..

دخل الظل فيه.

تجمد الجسد لبرهة..

ثم أكمل المشي بهدوء، وعيناه تشتعلان بالقرمزي.

​في المعابد، تلا الكهنة النصوص القديمة..

لكن الكلمات تغيرت في أفواههم.

الصلبان، والتمائم، والرموز..

بدأت تنزف.

نظر أحد الكهنة إلى كتابه ووجد صفحة لم تكن موجودة أبداً من قبل.

كُتب فيها:

"عندما يكتمل الكسوف الدموي،

لن تُحاكم الأرواح بنقائها،

بل بمدى سهولة انكسارها".

​رفع رأسه.

كان المصلون يحدقون فيه.

لم تعد لديهم عيون بشرية.

​بحلول الدقيقة السابعة..

بدأت الهمسات.

ليس من مكان واحد، بل من كل مكان.

من الجدران.

من الأرض.

من داخل الجماجم.

"نحن الجوع".

"نحن الثمن".

"نحن ما يتبقى بعد الأبطال".

​أولئك الذين لم يتحولوا..

تمنوا الموت.

لأنهم رأوا.

رأوا ما سيصبحون عليه إذا نجوا.

​في المشهد الأخير..

جلس رجل عجوز أعمى عند حافة المدينة.

لم يرَ الكسوف.

لكنه ابتسم.

وقال بنعومة:

"آه.. أخيراً.

لقد عاد الزمن الذي خاف فيه العالم من السماء".

ثم انحنى، ولمس الأرض، وهمس:

"أخبروا الملوك..

أن الدماء قد بدأت بالعدّ".

2026/02/07 · 6 مشاهدة · 460 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026