​لم يفهم العالم ما كان يحدث، وهذا كان الجزء الأسوأ؛ فلم يكن هناك إعلان، ولا نبوءة واضحة، ولا عدو يمكن الإشارة إليه — كانت هناك آثارٌ فقط بلا أسباب ظاهرة.

​اشتد الكسوف الدموي. ضاقت الحلقة القرمزية حول الشمس مثل حبل مشنقة يُسحب ببطء وصبر. لم يعد الضوء يتلاشى، بل أصبح كثيفاً، ثقيلاً، لزجاً وخانقاً. شعر الناس بذلك في عظامهم — ليس كألم، بل كضغط، وكأن السماء قد انحنت لتقترب وتنصت.

​ثم.. حدثت الارتجافة.

​لم تكن زلزالاً؛ فالأرض لم تنشق، والمباني لم تسقط. بدلاً من ذلك، ارتعش كل شيء دفعة واحدة، وكأن الواقع نفسه قد جفل. تساقطت الطيور من الهواء، وتحطمت المرايا بلا صوت. وتجمدت الدماء داخل العروق لنبضة قلب واحدة.

​عبر المدن والقرى والأنقاض، سمعوا ذلك.

اسماً — لم يُنطق، ولم يُصرخ به، بل تم التعرف عليه غريزياً:

"درا—فين"

​صرخ البعض، وانهار آخرون. ومعظمهم وقفوا بلا حراك، وعيونهم تنزف دموعاً حمراء داكنة. لم يكونوا يعرفون من هو "درافين"، لكن شيئاً بدائياً في أعماقهم كان يعرفه.

​في قلب "الحجاب الأخضر"، حيث بدت الغابة أقدم من الزمن، تحركت هيئة بصمت. خطا نحو شعاع قمر باهت، كاشفاً عن وجه تطارده المعرفة: فيكتور زاف، آخر حليف باقٍ للملكة ليورا وحارس أشد أسرارها ظلاماً.

​بالقرب منه، كان لوسيان يربض خلف شجرة سقطت، نصله مستعد. وبجانبه، كان ميلكن، "مهندس الاستراتيجية"، يمسح الظلال. قطع صوت فيكتور الصمت، وكان أمضى من أي نصل:

— "لقد بدأ الأمر من جديد".

​لم يتحدث عن ملوك أو وزراء. نطق فقط باسم واحد جعل الغابة ترتجف:

— "درافين".

​اقترب فيكتور، وكان حضوره يثقل كاهل الأشجار العتيقة. "الكسوف الدموي لا يرتفع لأجل الملوك يا لوسيان. إنه يرتفع عندما يستيقظ 'الحامل'".

​اشتد فك لوسيان. لقد تدربوا على مواجهة المسوخ والحروب، لكن لا شيء أعدّهم لهذا — قوة أقدم من العرش نفسه.

​همس فيكتور، وعيناه باردتان كالقبر: "أمكما لم تحاول تطهير الدماء يا لوسيان.. لقد كانت تحاول تأخير 'ظهوره'".

​حقيقةٌ انكشفت في نبضة قلب: تضحيات ليورا لم تكن لإنقاذ درافين من لعنة، بل لحماية العالم منه. تحولت نظرة فيكتور نحو الأفق: "عندما يسقط درافين.. سيتبعه الحجاب".

​ومع تلك الكلمات، ذاب فيكتور زاف في الظلام، تاركاً خلفه طعم الحتمية. زفر لوسيان ببطء، ونظر إلى ميلكن.

همس لوسيان: "لقد رأينا المرآة.. والآن سنواجه ما يقبع خلفها".

​في الأعالي، خلف الكسوف الدموي، تحرك حضور شاسع وصبور. اتسع التشويه في السماء بما يكفي للكشف عن هيئة — لم تكن جسداً، بل كانت ذكاءً انتظر ضعف الأختام.

​تردد همسٌ عبر الوجود، يحمل معنىً مرعباً:

"الوريث يرتجف. الدماء تتذكر. الانكسار اكتمل".

​بعيداً عن الحشود الصارخة، ارتعش درافين. احترقت جروحه باللون الأرجواني، وتعثر قلبه — ثم نبض مرتين في لحظة واحدة. وللمرة الأولى، الكارثة التي خلف الكسوف.. لاحظته هي الأخرى

2026/02/07 · 6 مشاهدة · 418 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026