كانت الغابة صامتة. صامتة أكثر مما يجب. حتى الكسوف القرمزي بدا وكأنه متوقف، كأنه يحبس أنفاسه.
سحقت أحذية درافين الأوراق المتفحمة. كانت رائحة الهواء تشبه الحديد والدخان — وهي رائحة عرفها منذ طفولته، في "كيـر" والده (المصهر). كل خطوة كانت تتردد بأصداء ذكريات لم يرغب في تذكرها: الشرر المتطاير، رنين الفولاذ تحت مطرقة داريان آردينت، ضحكة أمٍ رحلت منذ زمن.. وصراخ ميلكن وميرليك الذي طارده منذ ذلك الحين.
كان لوسيان وميلكن يحيطان به، وعيونهما حادة كالنصال. لكن الاضطراب في صدر درافين لم يكن بسبب الوحوش التي تنتظرهم في الأمام — بل بسبب الحقيقة التي تنتظرهم في قلب "الحجاب".
تحرك ظلٌ في الأمام. ظهر فيكتور زاف، هادئاً، ووجهه لا يمكن قراءته.
قال فيكتور، وصوته يشبه النصل في صمت المكان: "لقد وصلتم إلى مكان بعيد".
"لكن بعض الدروس.. لا يمكن تعلمها بالفولاذ وحده".
أطبق درافين قبضته على سيفه بقوة أكبر، وفي تلك اللحظة، ومضت ذكرى "الأكاديمية" أمامه: المهمات، الفخاخ، أول دماء أراقها. ثم ضربه إدراكٌ كالصاعقة:
المهمة الأولى.. الكمين الذي قتل ميلكن وميرليك (أو هكذا ظن).. لم يكن مجرد اختبار.
لقد كان فيكتور هناك. يراقب. يوجه. ويشكلهم جميعاً من الظلال.
ضاقت عينا ميلكن. وتشنجت يد لوسيان على نصله.
زمجر درافين: "فيكتور.. أنت.. أنت من دبرت كل شيء؟".
ابتسم فيكتور ابتسامة باهتة، تكاد تكون حنونة.
"ليس كل شيء"، قال. "فقط الأجزاء التي كانت تحتاج للكسر.. لكي توقظك".
ارتجفت الأرض. والتفّ مزيجٌ من الضوء والظلال حول الأشجار. نبضت عروق درافين، واستيقظت "هرطقة الدماء" بداخله بالكامل لأول مرة. ارتجفت يداه. انعكاسه في أقرب بركة ماء لم يكن وجهه — كان وجه الوزير، ممتزجاً بعيني أمه، وهو يصرخ بصمت.
كشف فيكتور الحقيقة:
ليورا نجت — وهي مختبئة في أعماق "الحجاب الأخضر"، تستخدم دماءها لاحتجاز شيء أقدم بكثير من الممالك.
أما هوس الوزير؟ لم يكن سوى شظية من التهديد الحقيقي. الكسوف، المسوخ، الحروب.. كلها كانت مجرد ملهيات عما كانت دماء ليورا تقمعه وتكبحه.
ترنح درافين للخلف، والرعب والغضب يلتفان في صدره.
همس: "لم تمت.. طوال هذا الوقت.. أمي.."
اخترقته نظرة فيكتور:
"لقد تركت قطعاً من نفسها فيك. وقطعاً في إخوتك. قطعٌ تستيقظ الآن لأن كير طفولتكم.. والخيارات التي ظننتم أنها ملككم.. كانت جميعها ضرورية. الكيـر.. الفولاذ.. الدماء.."
تقدم لوسيان خطوة، وصوته منخفض:
"إذاً الأكاديمية.. والمهمات.. وكل شيء.. لم نُدرب لنحارب الوزير. لقد دُربنا لنحمل الدماء".
كان وجه ميلكن صارماً وهو يهمس:
"والآن.. يبدأ الاختبار الحقيقي".
أنت الأشجار. وتلتوي حجاب الخضرة إلى أشكال من نار ومخالب. ومن أعماق الظلام، تردد صدى صوت — ليس صوت فيكتور، ولا صوتاً بشرياً:
"الدماء تتذكر".
وقف الأشقاء الثلاثة معاً، سيوفهم مستعدة، وقلوبهم تدق بعنف. لكن الحقيقة كانت أثقل من أي نصل:
العدو لم يكن الوزير.
العدو لم يكن الممالك أبداً.
العدو.. كان إرث دمائهم.
وفي تلك اللحظة، همست الغابة بأسمائهم: درافين.. لوسيان.. ميلكن..
لقد بدأ الاستيقاظ.