كانت ساحة المعركة عبارة عن أنقاض. امتزج المطر بالدماء، محولاً التربة إلى مستنقع قرمزي. تصاعد الدخان من الأشجار المحطمة، وانتشرت جثث الوحوش والجنود على حد سواء في كل مكان. ولا يزال الكسوف الأحمر الدموي معلقاً في السماء، يلقي بظلال طويلة وسوداوية فوق الناجين.
جثا درافين على ركبتيه وهو يرتجف، وطاقة "هرطقة الدماء" الأرجوانية لا تزال تتردد في عروقه. كل دقة قلب كانت تذكره بأن للقوة ثمناً، وكل نَفَس كان يحمل ثقل الساقطين.
وقف لوسيان بجانبه، سيفه في يده، وجهه شاحب لكنه لم ينكسر. أما ميلكن، فكان لا يزال يقبض على رمحه بقوة رغم الدماء التي تنزف من ذراعه اليمنى المحطمة، وعيناه تشتعلان بتحدٍ لا يلين. وميرليك.. المفترس، ومهندس الندوب، كان يمسح المكان بصمت، يحسب الخطوات القادمة حتى وسط هذه الفوضى.
ثم.. شقت صرخةٌ الهواء.
لم تكن من فيكتور زاف، الذي تحطم وتشتت كشظايا من الطاقة المظلمة. ولم تكن من الوحوش التي أصبحت الآن أشلاءً ممزقة.
كانت منها.. من محبوبة درافين. سقطت على الأرض، ممسكةً بخاصرتها، والدماء تتسرب من بين أصابعها.
همس درافين، والرعب ينهش صدره: "لا.. لا يمكن أن يحدث هذا..".
لم يأتِ الهجوم من أي عدو — فقد رحلوا جميعاً — بل جاء من لعنة فيكتور الأخيرة؛ شظية باقية من كيميائه المظلمة كانت مخبأة في ساحة المعركة، تنتظر بصبر لتضرب من لا حماية له.
نظرت إلى درافين بعينين مليئتين بالحب والخوف، وهمست:
"لقد.. قلت لك.. انجُ.. عِش من أجلنا.. جميعاً..".
امتدت يدها نحوه، وهي ترتجف، ثم.. شهقت شهقة أخيرة، وسكن جسدها تماماً.
مزقت صرخة درافين سكون الغابة، تردد صداها فوق الأشجار الملطخة بالدماء، وفوق أصداء الوحوش، وفوق الكسوف الأحمر نفسه.
اندفع ميلكن ولوسيان إلى جانبها، لكن حتى قوتهما المجتمعة لم تكن قادرة على التراجع عما حدث. وجه ميرليك، الذي كان دائماً تحت السيطرة، تصدع قليلاً؛ مفترسٌ يحزن على ضياع البراءة.
تمتم ميرليك بصوت منخفض، كاد لا يُسمع: "لقد أنقذتكم جميعاً.. ومع ذلك.. كان الثمن باهظاً..".
أطبق درافين قبضة يديه، وانفجرت الطاقة الأرجوانية منه دون سيطرة، تمزق الأرض المشبعة بالمطر، بينما ضرب البرق وكأن العالم نفسه يستجيب لغضبه. تحولت صرخته إلى زئير، وعداً بالانتقام وإنذاراً لكل من يجرؤ على تحديه.
وضع لوسيان يده على كتف درافين، محاولاً تثبيته وإعادته للواقع.
"سنحملها معنا.. في كل ضربة، في كل قتال.. وفي كل قرار. هذا هو سلاحنا الآن".
وقف ميلكن مستعداً برمحه، رغم ذراعه الممزقة، وكان صوته ثابتاً وحازماً:
"وسنتأكد من أن تضحيتها.. لم تذهب سدى".
نبض الكسوف الأحمر، وكأن العالم نفسه يقر بحزنهم وغضبهم. ومن بين الظلال، ابتسم ميرليك ابتسامة باهتة، وعاد بريق الافتراس لعينيه.
"الآن.. تبدأ الخطوة التالية".
نظر درافين نحو الأفق. الممالك لا تزال تنتظر، و"هرطقة الدماء" لا تزال تنبض بداخله، و"الحجاب الأخضر" يلوح في الأفق، مليئاً بالأسرار والأخطار التي لم تُرَ بعد. لكن حقيقة واحدة كانت واضحة: طريقهم القادم سيكون مرصوفاً بالدماء، والفقدان، وعزيمة لا يمكن كسرها.
وفي تلك اللحظة، الحرب الحقيقية.. كانت قد بدأت للتو.