ساد الهدوء ساحة المعركة. توقف المطر، تاركاً الأرض مشبعة بالدماء والذكريات. تلاشى النهر القرمزي ببطء، عائداً إلى تدفقه الطبيعي الخافت، وكأن الأرض تحاول التنفس أخيراً بعد قرون من المعاناة.
وقف درافين عند حافة النهر، غارساً سيفه بعمق في التربة. حمل جسده علامات هرطقة الدماء، والكسوف، والمعارك التي لا تنتهي. لكن خلف الإرهاق والندوب، كان هناك سكون؛ إدراكٌ لما أصبح عليه. لم يعد فتى الكيـر، ولا فارساً في الأكاديمية.. بل صار ظلاً في العالم الجديد، حارساً غير مرئي، مارقاً يسير بين الممالك. اختار طريقه وحيداً، ليحمي الممالك المتحدة من أي ظلام قد يجرؤ على النهوض مجدداً.
ارتاح لوسيان بجانبه، واضعاً يده على كتفه. عيناه اللتان كانتا حادتين ومحللتين دائماً، حملتا الآن شيئاً نادراً: القبول. لقد تقلد مكانه كملك للممالك، ملك لم يصقله الحق الشرعي وحده، بل صقله الدم والنار والحقيقة. وقف ميرليك قريباً منه؛ المفترس الذي أصبح الآن مستشاره الخاص، العقل المدبر الذي سيضمن بقاء المملكة قوية بدهائه السياسي وعينه التي لا تنام.
أما ميلكن، فرغم جراحه وفقدان يده اليمنى، فقد ابتسم ابتسامة باهتة:
— "سأعود إلى الأكاديمية، لأعلمهم.. كل ما نجونا منه. لأصقل الجيل القادم من المحاربين، ليقاتلوا بشجاعة، لا بدافع القتل، بل بدافع الوفاء.. تماماً كما فعلنا".
أومأ لوسيان، وثقل القيادة يبدو ثابتاً على كتفيه، ثم خفض صوته وهو ينظر إلى السيوف التي صاغها والدهم:
— "سأعيد بناء كير والدي (داريان). لن يكون مجرد مكان للحدادة، بل سيكون قلباً للمملكة، مزاراً يحكي قصة الرجل الذي صاغ النصال التي أنقذت العالم. سنكرم ذكرى أمي وأبي.. نصبٌ تذكاري يُظهر داريان وهو يطرق الفولاذ، وليورا وهي تحتضن الحجاب. العالم سيعرف أن الحرية بدأت من شرارة في كير حداد بسيط".
نظر لوسيان إلى درافين بعمق:
— "منزل والدينا سيكون دائماً مفتوحاً لك، يا أخي. الكير سينتظرك إن قررت يوماً العودة للنار".
ومضت عينا درافين بمزيج من الامتنان والعزيمة، وهو يلمس نصله الذي صاغه والده:
— "النار في داخلي الآن يا لوسيان.. يجب أن أسير في طريقي وحيداً. لكن اعلم هذا.. سأحمي هذه الممالك من الظلال، وفاءً لدم والدي الذي لم يرتجف يوماً أمام المطارق".
مشهد الوداع الأخير: الجنازة الصامتة
بعد أيام، اجتمعت الممالك الثلاث في مشهد لم يسبق له مثيل لتشييع محبوبة درافين. ملوكٌ، وفرسان، وعامة الناس وقفوا في صمت جنائزي مهيب أمام نعشها المغطى بزهور الحجاب الأخضر.
كان لوسيان يقف بوشاحه الملكي، وميلكن يقف شامخاً بذراعه المبتورة، وميرليك يراقب الحشود من الخلف بوقار. كان الجميع هناك لتكريم التضحية التي مهدت للفجر الجديد. الجميع.. باستثناء شخص واحد.
بعيداً عن الحشود، فوق قمة جبلية تطل على وادي الجنازة، وقف درافين وحيداً. لم يحضر المراسم، لم يذرف الدموع أمام الملوك، ولم يسمع كلمات الرثاء. كان يقف في مهب الريح، ينظر إلى النعش الصغير من بعيد، وشعر بنبض "هرطقة الدماء" يهدأ في عروقه بفضل ذكراها.
استل سيفه، "نصل القضاء" الذي صنعه والده، ورفعه نحو الشمس المشرقة في تحية صامتة ووحيدة. ومع شروق الشمس فوق الأفق، غامرةً الأرض بالذهب بعد الكسوف القرمزي، استدار درافين واختفى وسط ضباب الجبال. لقد رحل "ابن النصل" ليصبح "أسطورة الظل".
تغيرت الممالك. غيّرها أبناء الفولاذ. لوسيان الملك؛ ميرليك المستشار؛ ميلكن المدرب؛ ودرافين الحارس الصامت.. وعاد اسم داريان ليُحفر على بوابات التاريخ، كالأب الذي لم يلد أبطالاً فحسب، بل صاغ مصير عالم بأسره.