ساد الصمتُ أرجاء الغابة بعد أن توارى "ميلكن" في غياهب الظلال. كان صدري يعلو ويهبط من فرط الإعياء، بينما امتزج العرقُ بدمائي فوق كفّي. ازدحمت التساؤلات في عقلي، وكان كل سؤال منها يرزح بثقلٍ أشد مما سبقه.
نظرتُ إلى نصل سيفي، كان لا يزال يحمل أثر الصدام الأخير. لقد تركتُ علامتي عليه؛ وسمٌ ناله القائد من نصل سيفي، جرحٌ شعرتُ في أعماقي أنه لن يندمل أبداً.
لماذا كان صديقي "ميلكن" هناك؟ ولماذا الآن؟ وأيُّ سرٍ ذاك الذي كانت تخبئه عيناه خلف ذاك القناع؟
نظرتُ حولي؛ إلى جثث الجنود المتناثرة، وإلى الأشجار الساكنة.. وأدركتُ حينها أن الغابة نفسها تبدو وكأنها قد حبست أنفاسها. لم تنتهِ المهمة بعد؛ بل إنها لم تقترب حتى من نهايتها.
بينما كنتُ أستجمع شتات نفسي، ترددت أصوات كلمات "ميرليك" في مخيلتي كصدىً بعيد:
«الحقيقةُ لا تزالُ في أولِ فصولِ انكشافها».
سرت قشعريرةٌ في عمودي الفقري. لم أكن أعلم حينها أن الظلال التي واجهتُها لتوّي لم تكن سوى استهلالٍ لما هو آت. ففي الأفق، ينتظرني نهرٌ خُضبته الدماء والذكريات؛ نهرٌ سيطلب مني ما هو أكثر من مجرد براعةٍ في ضرب النصال.. سيطلب مني إجاباتٍ، وشجاعةً لستُ واثقاً أنني لا أزال أملكها.
خطوتُ إلى الأمام، وأطبقتُ قبضتي على مقبض سيفي بقوة. كان الطريقُ إلى القرى القابعة خلف الجبال ينتظرني. وهناك، في مكانٍ ما من ذاك الطريق.. ينتظرني ماضيّ، ونهرٌ شهدَ من الموتِ أكثر مما شهدَ من الحياة.
كانت هذه هي البداية.. فحسب.