​بدت القرية كظلٍ باهتٍ قابعٍ أمام الجبال؛ أسقفها متفحمة، وشوارعها خاوية.. أو هكذا خُيل إليّ. كان ينبغي أن أشعر بالارتياح لرؤية أثرٍ للحياة، لكنني لم أرَ سوى عيونٍ تتربص بي من النوافذ المظلمة، نظراتٍ يثقلها الرعب.

​تقدمتُ بخطواتي، وكان صرير الحصى تحت حذائي يكسر صمتاً يرزح فوق صدري. ركضت طفلة صغيرة نحوي، وفي يدها زهرة وحيدة، زهرة زاهية ونادرة بدت مستحيلة في مكانٍ كهذا يُدعى "مقبرة الدم". وقبل أن تصل إليّ، سحبتها أمها بقوة، وأدخلتها الدار بنظرة تشتعل رعباً.

​قطبتُ حاجبيّ؛ ثمة خطبٌ ما في هذه القرية. لماذا يخشونني؟ لم أرهم من قبل، ومع ذلك كان خوفهم يغرز نصله في قلبي أعمق من أي سيف.

​خرج رجل عجوز من بين الظلال، وتفحصني بنظرة حادة جعلت القشعريرة تسري في جسدي. تمتم وكأنه يحدّث نفسه:

— "من الغريب كيف اختفى الجرح من وجهك..".

رمشتُ بعينيّ غير مصدق. الجرح الذي تركته أنا على وجه القائد المقنع في الغابة.. هل يظنون أنني هو؟ وهل الندبة التي سببتُها له اختفت؟ أهذا واقع، أم جنون أصاب عقول هؤلاء القرويين؟

​وقبل أن أستفسر، تقدم رجل وهو يقبض على ثوبه بيدين مرتعشتين، وقال:

— "الأسود يليق بك أكثر من الأبيض".

أمسكتُه من ياقته، وقلت بصوت منخفض وحاد:

— "من أنت؟ وما هذه القرية؟ ومِمَّ تخافون؟".

حدق فيّ بعينين لا ترمشان، وأجاب بنبرة هادئة ومتهكمة:

— "أأنت خائف من المقبرة.. أم من الدم؟".

​تراخت قبضتي، واجتاحتني الذكريات؛ قصص أبي، وهمسات ماضي أمي، والرسالة التي وجدتها: «تعال وحيداً إن أردت الحقيقة».

​بينما كان درافين يسير نحو النهر، كان مشهدٌ آخر يقع في الظلال بعيداً عنه؛ "فيلان كايليث" —المعلم الذي ظنه الجميع ميتاً— كان قد حاول قتل "إيلارا". وحينها.. ظهر "لوسيان"؛ الأخ، والمرآة.. انبثق من العتمة وضرب بدقة وحشية. وجد نصله مستقره، ليُسكت المعلم للأبد. كانت تلك هي المرة الأولى التي يظهر فيها ما يقدر عليه لوسيان؛ حسابات باردة واستعداد لتجاوز كل الخطوط للحماية.. أو للعقاب.

​وفجأة.. ظهر هو أمام درافين عند ضفة النهر.

بلا صوت، بلا إنذار. مجرد ظل، ثم هيئة خطت من بين الأشجار.

كان هو.. مرآته، ونصفه الآخر.

قال بصوت هادئ، وهو يتتبع بإصبعه أثر الندبة التي خلفها نصل درافين تحت عينه:

— "كأنني أنظر في المرآة.. حسناً، ليس تماماً".

كانت كل حركة منه مدروسة، كأنها تمهيد للعنف. تجمد درافين في مكانه.

— "لوسيان؟ أنت.. أخي؟ كيف؟ ولماذا؟ وأين—".

رفع لوسيان سيفه قبل أن يكمل أخوه جملته.

— "الإجابات تُمنح بالدم والفولاذ"، قالها ببرود. "لغتي هي السيف.. والنهر يتذكر كل شيء".

​جزّ درافين على أسنانِه، وقلبه يطرق صدره بقوة. كان "نهر الدماء" يجري تحت أقدامهما في قلب "مقبرة الدم"، والتاريخ.. كان على وشك أن يعيد نفسه بالنار.

2026/02/06 · 2 مشاهدة · 409 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026