تدفق النهر أحمر تحت أقدامنا، حاملاً معه همسات الماضي التي أبت أن تموت. لم تحِد عينا "لوسيان" عن عينيّ قط؛ استطعتُ أن أرى فيهما كل شيء: الكراهية، الألم، وتاريخاً بدأتُ لتوّي في فهمه.
قلتُ، وصوتي لم يكد يتجاوز الهمس:
— "أنت.. أنت كنتَ تعرف كل شيء. طوال هذه السنين.. أصدقائي، المهمات.. الأكاذيب.. لماذا؟".
لم يرمش له جفن، وأجاب ببرود مميت:
— "لقد رأيتُ كل شيء. كنتُ هناك حينما سلب العالمُ براءتك يا 'درافين'. راقبتك وأنت تعاني بسبب صمت والدك، وبسبب مملكةٍ استخدمت دماء أمنا كعملةٍ لها".
دار عقلي في دوامة. أمي.. أبي.. تلك الهمسات التي حاولتُ تجاهلها طوال حياتي بدأت الآن تُشكل صورة مشوهة من الخيانة والموت.
سألتُ ويداي ترتجفان فوق سيفي:
— "تقصد.. أن كل هذا.. الأكاديمية، المهمات، النهر.. كل ذلك كان بسببهما؟".
شق نصل "لوسيان" الهواء قرب كتفي — كان إنذاراً — ثم قال ونبرته تزداد قسوة:
— "كانا ضعيفين. اختارا الراحة على الحقيقة. أمك لم تكن من هذه المملكة؛ كانت أميرة ولدت من رحم المملكة الأخرى. ووالدك.. أحبها، نعم.. لكن الصمت أصبح سلاحه. وبسبب جبنه، عانينا نحن، وكل من أحببنا. حتى معلمك 'فيلان'.. ذاك العجوز الذي كنت تقدسه..".
توقف لوسيان لبرهة، وبريقٌ وحشي يلمع في عينيه:
— "لقد حاول قتل 'إيلارا' في العتمة. لم يكتفِ بالخيانة، بل أراد دماءها. لكنني كنتُ هناك.. لم أكتفِ بطعنه؛ بل غرزتُ يدي في عنقه واقتلعتُ حنجرته بيدي هاتين، تركته يتجرع دماءه ويحاول الصراخ بلا صوت حتى لفظ أنفاسه الأخيرة تحت قدمي. لقد أخرستُ خيانته للأبد".
تجمدت الدماء في عروقي. اجتاحتني الذكريات كالسيل؛ الكِير، دماء "ميرليك" و"ميلكن"، والمعلم "فيلان". كل ندبة، كل فقد.. أصبح لها الآن سبب دموي يفسرها.
سألت بنبرة مهزوزة: "والقرية.. ونهر الدماء؟".
أظلمت عينا "لوسيان":
— "تلك القرية كانت تُدعى يوماً «قرية الأزهار القرمزية». تلك الطفلة التي رأيتها كانت تحمل زهرة نادرة.. كانت الدليل الوحيد، رمزاً للأمل الذي سحقته الحرب. لكن صمت والدك وجشعه للسلام زيف الحقيقة وحوّل الأمل إلى جثث. «نهر الربيع».. ملعب طفولتك.. أصبح الآن «نهر الدماء»".
انزلق سيفي قليلاً في قبضتي؛ كان ثقل الحقيقة أثقل من أي نصل.
همستُ: "أنت.. لستَ عدوي..؟".
هز رأسه، وعيناه تتقدان:
— "أنا أخوك. أنا ما صنعه العالمُ مني. وأنا لا أقاتل إلا من أجل الحقيقة. كل ضربة وجهتُها، كل سرٍ كشفتُه.. كان لأجعل العالم يواجه قبحه. حتى لو استلزم ذلك مواجهتك أنت".
تباطأ الزمن، واصطدمت الذكريات بالواقع. كل صديقٍ فقدتُه، وكل كذبة عشتُها من أبي، كانت تشير إلى هذه اللحظة. أدركتُ حينها أنني لم أكن وحيداً في حزني، ولا في غضبي.
أخَوان. نهرٌ واحد. إرثٌ من الدماء والسيوف. وعالمٌ يطالب بالإجابات.. مهما كان الثمن. عكس النهر وجهينا؛ صورتان متطابقتان، مزقتهما الحياة، وصقلهما الفولاذ، وربطهما الدم. وفي ذاك الانعكاس، فهمتُ شيئاً واحداً: القتال لم ينتهِ بعد. لقد بدأ لتوّه.