​استمر النهر في التدفق.

وكأن شيئاً لم يحدث.

وكأن الدماء لم تكن سوى ذكرى أخرى تعلم النهرُ كيف ينساها.

​خفض لوسيان نصله أولاً.

ليس اعترافاً بالهزيمة.

وليس رحمةً.

بل بيقينٍ تام.

قال بهدوء: "لا يمكنك قتلي.. ليس بعد".

​ارتجفت ذراعاي، ليس من الإعياء، بل من الحقيقة التي كانت تنهش طريقي من الداخل. كل غريزة فيّ كانت تصرخ لأضرب، وكل ذكرى كانت تتوسل إليّ لأسمع.

​قلتُ: "لقد استغللتني. استغللت ألمي.. أصدقائي.. موتهم".

اقترب لوسيان خطوة، قريباً بما يكفي لأرى ارتعاشة الندبة تحت عينه.

أجاب: "لقد جعلتُك أقسى. لولا ذلك، لكان العالم قد حطمك".

​كانت الكلمات أثقل من الفولاذ.

ميلكن.

ميرليك.

أسماءٌ نُحتت في روحي كرموزٍ لا يمكنني محوها أبداً.

همستُ: "وتسمي ذلك خلاصاً؟".

أظلمت عينا لوسيان: "أسميه بقاءً".

​ساد الصمت بيننا، ثقيلاً ومخنقاً.

ثم.. تناهى إلينا صوت خطوات.

من خط الأشجار.

بطيئة. ومدروسة.

التفت لوسيان فوراً، ورفع نصله. تبعتُه بعد خفقة قلب واحدة.

خرجت هيئات من بين الظلال؛ مدرعون، منضبطون، ويحملون أختاماً لم أرها منذ طفولتي.

التاج.

جنود المملكة.

​شتم لوسيان بصوت منخفض: "لقد وصلوا مبكراً".

قلتُ بحدة: "إذاً هذه كانت خطتك؟ استدراجهم إلى هنا؟".

رد بصرامة: "لا. كانوا قادمين دائماً.. من أجلك".

​انغرس سهمٌ في الأرض بيننا.

ودوى صوت بارد وآمر:

— "درافين آردنت. بموجب مرسوم من التاج، أنت متهم بالخيانة، والهرطقة الدموية، وبحمل إرث ليورا فيران".

​توقف قلبي عن النبض.

اسم أمي.. يُنطق وكأنه جريمة.

نظر إليّ لوسيان حينها، نظر إليّ حقاً.

قال: "هنا يبدأ خيارك. ليس كفارس، ولا كسلاح".

تراجع نحو الظلال وأكمل:

— "بل كأخي".

​بدأتُ بالقول: "انتظر—".

لكن الأوان كان قد فات.

انفجر الدخان. واصطدم الفولاذ. وابتلع الفوضى ضفة النهر.

قاتلتُ؛ ليس من أجل الأكاديمية، ولا من أجل التاج.. بل من أجل النجاة.

رنت النصال. وسقطت الدماء. وصُرخت الأوامر في الفراغ.

وعندما انقشع الدخان—

كان لوسيان قد اختفى.

​شيء واحد فقط بقي تحت قدمي.

شعار أسود محروق في الأرض.

علامة "القائد المقنع".

​التاج الآن يعرف اسمي.

وحقيقة أمي قد طفت على السطح.

وأخي يسلك طريقاً غارقاً في الظلال.

أغمدتُ سيفي بيدين مرتعشتين.

الكِيرُ جعلني قوياً.

والأكاديمية جعلتني فتاكاً.

أما الآن..

فقد جعلني العالمُ طريداً.

وهذه المرة—

سأتوقف عن الهرب

2026/02/06 · 1 مشاهدة · 333 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026