لا يزال الدخان عالقاً في رئتيّ.
ليس دخان النار—
بل دخان الخيانة.
لا أتذكر سقوطي.
فقط تلك اللحظة التي انعدم فيها الوزن بعد أن رنّ الفولاذ للمرة الأخيرة..
ثم الظلام.
عندما استيقظت، كان أول ما بحثت عنه يدي هو سيفي.
لقد اختفى.
تشنج جسدي على الفور، وصرخ الألم في أضلعي وأنا أحاول النهوض. كانت الجدران الحجرية تطبق حولي؛ خشنة، رطبة، ونُحتت عميقاً تحت الأرض. مخبأ. قديم. ومنسي.
قال صوتٌ مألوف من بين الظلال: "على رِسلك".
"إذا تمزقت غرزُ جراحك، سيجعلك 'ميرليك' تنزف فقط ليثبت وجهة نظره".
تجمدت يدي.
خطا "لوسيان" إلى ضوء المشعل الخافت.
حياً.
بلا ندوب.
وبلا أي شعور بالذنب.
اندفعتُ للأمام رغم الألم، ولطمتُ صدري بقبضتي. لم يتزحزح حتى.
زمجرتُ: "أيها الوغد. تجرني إلى الجحيم، وتختفي، ثم تسحبني للخارج وكأن هذا كان مخططك منذ البداية؟".
أمسك لوسيان بمعصمي دون عناء ولواه— بما يكفي فقط ليذكرني أنه قادر على كسرِه.
قال بهدوء: "لو أردتُك ميتاً، لكان النهر يشرب من دمك الآن".
نزعتُ ذراعي بقوة، وأنفاسي متلاحقة.
طالبتُه: "لماذا إذاً؟ لماذا أنقذتني؟".
شاح بوجهه عني.
وقال: "لأن التاج لا يقتل ما يمكنه استخدامه. وهم يريدونك حياً".
استقرت الكلمات في صدري كالسم.
تردد صدى خطوات من الطرف البعيد للحجرة.
بطيئة. وغير منتظمة.
ظهرت هيئة من الظلام، ملتحفة بعباءة، وقلنسوتها مسحوبة للأسفل. كان يستند بثقل على رمح— ليس كسلاح، بل كعكاز.
توقف قلبي.
"..ميرليك؟"
سقطت القلنسوة للخلف.
كان وجهه أنحل. وأكبر سناً. إحدى عينيه غطاها النسيج الندبي. لكنه كان هو.
حياً.
قال بجفاف: "تبدو أسوأ مما تخيلت. أظن أن الهرب لم ينقذك كثيراً في النهاية".
كادت ركبتاي تخونانني.
همستُ: "لقد متّ. رأيتك تسقط".
ابتسم ميرليك.
لم تكن ابتسامة طيبة.
قال: "لقد سقطت. لكنني لم أبقَ في الأسفل".
امتد الصمت بيننا، ثقيلاً بسنوات من الشعور بالذنب والأشباح.
عقد لوسيان ذراعيه: "لقد نجا لأن المملكة الثانية أخذته. لقد تعلم ما يخفيه التاج.. وما تشترك فيه العروُش في كلتا المملكتين".
نظرتُ بينهما.
"ماذا تقصدان؟"
قسا صوت ميرليك: "هناك مملكتان. تاجان. وعلمان يرفرفان بألوان مختلفة".
نقر برمحه فوق الحجر: "لكن هناك حقيقة واحدة".
تجمدت الدماء في عروقي.
تابع ميرليك: "الحرب التي قتلت أمك لم تكن يوماً بسبب الحدود. كانت تهدف لمحو سلالتها".
انغرزت عينا لوسيان في عينيّ.
قال بهدوء: "أنت.. لم يكن من المقدر لك أن توجد أبداً".
أطبقتُ قبضتيّ.
سألتُ: "وماذا يسمى هذا؟ لم شمل؟ أم اعتراف؟".
اقترب ميرليك خطوة: "إنه الحساب".
استلّ لوسيان خنجراً وغرزه في الطاولة بيننا.
انفردت خريطة تحت يده؛ مدن، أنهار، حدود.. وفي المنتصف:
اسمٌ محفور في الورق.
الوزير الأعلى: كايلوم فيريث.
قال لوسيان: "صوت التاج".
أضاف ميرليك: "مهندس الصمت".
قالا معاً: "الرجل الذي أمر بمحو 'ليورا فيران' من الوجود".
حدقتُ في الاسم.
قتله سيكون سهلاً.
سهلاً جداً.
سألتُ: "وبعد ذلك؟ المملكتان لا تسقطان لأن رجلاً واحداً نزف".
ابتسم لوسيان ابتسامة باهتة؛ تلك الابتسامة الخطيرة العارفة.
قال: "لا. إنهما تسقطان عندما تسقط الحقيقة".
التقى ميرليك بعينيّ.
قال: "لا نريد منك أن تكون سلاحنا".
"نريد منك أن تختار".
تراجع لوسيان عائداً إلى الظلال.
قال: "قف معنا، وأحرق الأكاذيب حتى تغدو رماداً".
أغمضتُ عينيّ.
الكِير.
الأكاديمية.
النهر.
والتاج الذي وصف اسم أمي بالجريمة.
عندما فتحتهما مجدداً، كان صوتي ثابتاً.
قلتُ: "لن أغتال الظلال".
"لكنني سأجر الحقيقة إلى النور— حتى لو دمرنا ذلك جميعاً".
أومأ لوسيان برأسه مرة واحدة.
وزفر ميرليك ببطء.
لقد خُتم التحالف.
ليس بالثقة.
بل بالدم، والندوب..
وبكرهٍ مشترك لتيجانٍ ظنت أنها لا تُمس.
بعيداً فوقنا، لا يزال العالم يعتقد أنني أهرب.
فليعتقدوا ما شاؤوا.
هذه المرة—
أنا قادمٌ من أجل العرش.