من الممتع سماع هذه التعويذات بعد فترة... لكنه يزعج سباتي.
كشيطان سفلي، لم اكن مهتما حقا بما يفعله البشر لتحضيري، فقد مللت بعد كل السنوات التي عشتها بين جشعهم الغير منطقي، لديهم الكثير من العيوب الاخلاقية و العاطفية... لم يكونو مستقرين حتى مع انفسهم.
لذلك اردت ان انسحب هذه المرة ايضا.
(سيبان) : لكن ينتابني بعض الفضول حول الطاقة السحرية التي تنبعث منه... انها رائحة قوية.
شعر سيبان بهالة السحر التي تنبعث من أرياس و كأنها طبق شهي يجذبه لأكله؛ فالسحر يعتبر طعاما يشبع شهية الشياطين لسنوات.
بعد ان اقترب سيبان من الرائحة، ادرك انه بحاجة لعد تفويت هذا الطبق، لكن سيبان فكّر في...
'ماذا لو اصبح هذا الطبق اكثر نضجا'
(سيبان) : كنت اريد ان اغير من روتيني على اي حال.
و هكذا قرر سيبان الخروج و عقد صفقة تضفي على غمارها شيئا جديدا له، لكنه ليس نفس الشيئ الذي ينتظر ارياس. الصفقة التي تضمن الربح لأحد الطرفين، و للآخر تضمر مستقبلا مجهولا... حيث انه ليس معروفاً حتى مالذي يريده سيبان من ارياس بمقابل تحقيق الانتقام.
____________________________________
تسارعت خطوات سيبان كالشبح بين أشجار غابة في ليلة مظلمة، يبدو ان قصر البارون ليبانون كان في ضواح قرية بعيدة تفصل بينها و بين العاصمة امتار تعد بالساعات لعبورها.
فكان الوضع ان يحمل سيبان سيده الجديد الذي يدير ذراعيه النحيلتين حو عنقه و يرمي بخطواته ليصل به بسرعة، فلو خالف امر سيده بالوصول الى القصر قبل الفجر سوف يعاقب تلقائيا حسب قانون الختم.
(سيبان): لم يبقى الكثير لنصل...
(ارياس) : الست شيطانا؟ من المفترض ان تصل الى اي مكان في لحظة واحدة.
القى ارياس بكلماته و كان لها وقع ساخر، مما جعل كبرياء الشيطان يجرح قليلا.
(سيبان) بابتسامة متكلفة : هاها بالطبع استطيع! لكن جسد سيدي الصغير لن يتحمل الضغط من كل هذا البعد على عكس جسدي الذي هم مجرد تجسيد.
(ارياس) : هممم... اشكرك على مراعاتك.
كانت كلمات ارياس للشكر مهذبة، لكن ما افسد لطفها هو نظراته اللامبالية التي تقول عكس كلامه.
(سيبان) : yes my lord
(أرياس) : اه سيبان! ما كان اسمك في الاصل؟
(سيبان) : سوف أخبرك لاحقا، عندما استطيع.
استمرا بعد ذلك لدقائق ليصلا للعاصمة تبادلا خلالها أطراف الحديث مع قليل من شرارة التنافس بين شيطان و انسان.
(سيبان) : مرحبا بك مجددا في مسقط رأسك، العاصمة تبدو مشرقة ليلا كما هو متوقع! ماذا عنك هل اشتقت لمنزلك ؟
(ارياس) : منزلي...
لمح ارياس أجواء المدينة مع خيبة الامل، يبدو ان خبر اغتيال الإمبراطور هو و عائلته لم تنشر بعد حتى بعد ليلة و يوم.
(ارياس) : سوف ادخل القصر مع طلوع الفجر... كم تبقى للفجر؟
(سيبان) : حسب منطقكم، ظل خمس ساعات.
ظل سيبان يحمل ارياس طوال الخمس ساعات يجولان المدينة هنا و هناك، بما أن جميع الفنادق و الحانات لم تناسب دوق ارياس الذي كبر في اكبر قصر في الامبراطورية... حتى لو ان ذلك ازعج مزاج سيبان لكن لم يكن له حل غير تحمل ذلك.
مع طلوع الفجر كانت الاجواء هادئه جدا و حتى حيوانات الشوارع لا يسمع لها صوت...
______________________
حارسي باب القصر اللذان يتثاءبان كاد ان يغدرهما النعاس واقفين حتى باغتهما رجل بضربة على الرأس لكي يستفيقا، انه قائد حرس البوابة.
(القائد) : ان ارتكبتما اي تهاون اخر سوف اطردكما مع عقاب لن تنسوه أبداً...
(الحارسين) مع انتفاضة تحية صارمة صرخا : نعم سيدي.
(القائد) : يبدو انكما لا تدركان الوضع الذي نحن فيه، اتسائل اذا كان ما حدث للعائلة المالكة سببه ضعف الفرسان و الحراس، انا حقا اشعر بالعار.
(الحارس ١) : متى ستقام الجنازة سيدي؟
لكم الحارس الثاني رفيقه على هذا السؤال الوقح، ثم اعتذر عنه.
(القائد) : لا يسمح لنا بالحديث عن هذا الموضوع لكن يبدو ان اخ الامبراطور ينوي اقامتها بعد العثور على الجثث اولا.
تنهد القائد لقلة حيلته مع ان العار الذي يحمله على كتفيه ليس فقط لانه لم يستطع حماية احد بل لانهم لم يستطيعوا امساك ولو شخص واحد من فيلق الاغتيال الذي اقتحم القصر.
(القائد) : 'كان اقتحاما متقونا و كأنه مخطط له من داخل القصر، لم يتركو اثرا و الاكثر رعبا من ذلك ان الحراس جميعهم لم يتذكروا شيئا... ان هذا بالتأكيد خيانة داخلية، و السحر الاسود له نصيب ايضا... هل يمكن ان يكون هو؟...'
كاد القائد يغرق في افكاره الى ان اتاه صوت من خارج البوابة صارخا
(الحارس ٣) : سيدي! سيدي القائد!!
اتى احد الحراس الخارجيين يركض و يلهث كأنه رأى شبحا، حتى انه كاد يسقط ردائه من طريقة جريه المبعثرة.
(القائد) : هل حقا كل الحراس بهذه البلادة؟! يجب اعادة التقييم فور ان ينتهي تنصيب الحاكم الجديد.
(الحارس ٣) : ايها القائد يجب عليك رؤية من اتى هذا الصباح؟! انه... انه...
تلعثم الحارس قبل ان يكمل كلامه مما اثار حنق القائد الذي صرخ قائلا: اجمع شتات نفسك و اخبرني بسرعة!
ارتعب الحارس اكثر لكنه حبس انفاسه ليبصق كلماته بسرعة دون تفكير.
(الحارس ٣) : انه الامير! الامير الثاني خارج البوابة قد عاد و اتي مع خادم غريب! انه حي و يتكلم ايضا!
احتبس الدم في عروق القائد و كذالك الحارسين بجانبه اللذان لم يستطيعا ان يقاوما صرخة من الصدمة.
(الحارسين) : ماذا!
شد احد الحارسين بالثياب حول عنقه و قال: مالذي تهدي به هل انت مجنون؟! كيف تجرأ على لعب مقلب غبي كهذا امام القائد ؟
(الحارس ٣) : انا... انا لا أ- أكذب! انا لست أعمى و في صحة عقلية جيدة لقد اجريت اختبار الرؤية و السمع....
تلقى ضربة على رأسه قبل ان يكمل كلامه.
(الحارس ٢) : هل هذا وقت التباهي ايها المخبول!
التفت الحراس للقائد مع نظرة من الرعب، لكنهم لم يجدوه فقد هرع إلى خارج البوابة كردة فعل لا إدراكية، نظر الحراس لبعضهم البعض و وجوههم مخطوف منها لون الدم من اخبار هذا الفجر.
____________________
ركض القائد الى الخارج ثم توقف لتتسع حدقتي عينيه من ما رآه، جثى على ركبة واحدة ليحيي الشخص الذي امامه بكل احترام، رغم انه لم يستطع اخفاء شحوب و جهه و ارتعاش مفاصله التي لم تستطع الامتثال لعقله بأمر الاسترخاء.
(القائد) : من العار وقوف شخص مثلي امام جلالتك، لكني ارحب بك في قصرك مجددا، اميري (ارياس أرتميس الثاني ابن هركليس ابن ارياس الاول).
كان ارياس واقفا امامه و بجانبه خادم واقف يرسم ابتسامة انيقة لكنها خبيثة و تعطي شعورا مريبا، لكن ارياس كان يبدو مسترخيا و ينظر للقائد الجاثي امامه.
(ارياس) : هممم.... هلا دخلنا الان؟!
(القائد) : اه! اعتذر على وقاحتي لابد انك متعب تفضل، لكن... هذا الخادم ليس ضمن خدم القصر...
(ارياس) : انه خادمي ادا سوف يدخل معي، هل هناك اعتراض؟
(القائد) : اه! لا بالطبع تفضل جلالتك دعني ارافقك.
تمشّى الفارس على عجال و يبدو محرجا امام الامير، لاسيما ان سلوكه البارد و الرجل المبتسم خلفه كان لهما صورة محيرة... رغم ذلك استجمع شتات نفسه و رافقهما لداخل القصر حيث يكون عم ارياس.
كلما كان يتقدم ارياس كلما رآه اناس اكثر، فتراهم يرتبكون و يتجمدون واحدا تلو الاخر... كان شعره الابيض الفضي بارزا و هالته كانت معروفة في انحاء المكان و كان الخدم و الفرسان القدماء في القصر يستطيعون شم حضور من امتار.
لكن الصدمة هي ان ترى شخصا كان من المفترض انه في عالم الموتى الان، انقلبت مشاعرهم من حسرة و حزن على فقدان اسيادهم الى ارتباك و هلع من الشخص الذي يتمشى من خلالهم و كأن شيئا لم يحصل.
تمتم (القائد) بجهة الخدم و الفرسان المرتبكين : استمرو في عملكم!
رغم انهم قد فهموا ما تمتم به الا انه ليس من الممكن ان تتحك في ردة فعلك في وضع كهذا، ادرك ارياس الوضع لذلك لم يبدي اهتماما بالامر بل راق له لسبب ما.
(القائد) : لا يمكنني ان اتقدم اكثر من هذا أميري، من هنا سيرافقك رئيس الخدم.
استدار ارياس ليعطي ابتسامة جميلة و مريحة نحو قائد الحرس ثم نظر لرئيس الخدم بالمثل، و كأنه يقول لهما " استرخيا، انا هنا و بخير الان"
(ارياس): نعم. شكرا لك.
كان ارياس و شقيقيه كاميليا و ولي العهد فانوس معروفين بين خدم القصر و فرسانه بشخصيتهم الدافئة، يعطون انطباع فخر شخص نبيل و غروره، لكن في نفس الوقت يمتلكون سلوكا لطيفا وودودا لا يؤذي بل يريح من يقابلهم.
ادمعت عيني القائد بتذكّره لدفء الاجواء حول عائلة أرتميس.
(القائد) : 'قد رحلوا الان... لم يتبقى سوى هذا الطفل،
استدار القائد بعد ان اخد الاذن للمغادرة، لكن ارياس استمر في النظر لظهره و هو يغادر للحظات.
فألقى قائد الخدم سفيان اول كلماته للأمير أرياس منذ مغادرته.
(سفيان) : لقد ارسلنا برقية عن خبر عودتك للدوقة الكبرى؛ جدتك سارة؛ لابد انها في الطريق الان لرؤيتك و كذلك دوق الشمال و زوجته انهما اتيان من الشمال لحضور الجنازة.
(أرياس): أنا أرى... لابد انه قد أعلمك الفرسان قبل وصولي.
(سفيان) : اجل! أتوا راكضين إلى هنا، بفضل ذلك لم نحدث جلبة عند رؤيتك.
سفيان كان قائد الخدم الذي لا يبدي أي تعبير حتى لو كانت حرب على وشك الحدوث، صارم و لا يعطي اي فرصة لمشاعره بالظهور ولو على شفتيه.
لكنه لم يخفي نظراته التي تتسائل عن هذا الرجل الواقف بجانب الامير و يرافقه داخل القصر دون تردد؛ تبادل الرجلين النظرات الحادة الى بعضهم البعض حتى بادر ارياس ليكسر حاجز الشك بينهما.
(أرياس) : سفيان، ارجو ان تنزل من حذرك امامي الان، هذا الرجل ساعدني لكي انجو من مختطفي؛ لذلك رسّمته خادما لي. من الان فصاعدا سوف تراه كثيرا.
(سفيان) : انا ارى... تفضلا اذا، جلالته اخ الإمبراطور الراحل بالداخل.
دخل ارياس إلى داخل القاعة ليلاحظ ان عمه الواقف في الجهة المقابل بالكاد يقاوم الاندفاع نحوه و عينيه المفتوحتين على مصرعيهما. كان يبدي تعبيرا اعتبره أرياس سخيفا.
(أرياس) : 'على الاقل سيطر على نظراتك، لا تبدو و كأنك سعيد برؤية ابن أخيك حتى، و كأنك رأيت شبحا كان من المفترض انك القيته في الهاوية'
(عم أرياس) : .... لا أصدق ما تراه عيني، إنه انت حقا!
أقترب أرياس الى الداخل أكثر.
(أرياس) : تبدو خائب الأمل عمي.
(عم أرياس) : ها ؟ كيف ذلك؟ ابن اخي العزيز قد عاد... هاهاها انا سعيد لذلك.
ابدى أرياس ابتسامة لائقة كمجاملة لكنه ادرك جيدا ان عمه لم يكن يتصرف على سجيته،و لم يبدو حزينا على من مات حتى.
(أرياس) : 'يجب ان امر سيبان بالتحقيق في أمره فيما بعد'
ابتسم (عم أرياس) ابتسامة متكلفة : اذهب الان للاستراحة في غرفتك، عليك ان تستعدّ هذا المساء لمقابلة خالتك و زوجها دوق الشمال سوف يصلون اليوم مساءا.
(أرياس) : ماذا عن جدّتي-
تماما بعد ان اكمل ارياس جملته دخل فارس ليُعلم دخول الدوقة الكبرى للقصر؛ و فور ان رأت الجدة حفيدها ارتمت على ركبتيها و عانقته، قبل ارياس هذا الحضن الذي كان عبارة عن شوق و تعزية فلم يستطع اي منهما النطق بأي كلمات، و فور التقاء عينيهما لم يستطيعا سوى درف الدموع مجددا.
الجدة التي فقد ابنتها الإمبراطورة الراحلة و جميع احفادها كان ارياس كمتنفس لها ليبرد احتراق الجمر في قلبها حسرتا على عائلتها.
(الدوقة الكبرى) و هي تداعب شعر ارياس : لم تعد وحيدا بعد الان، حفيدي.
(ارياس) : انت كذلك جدّتي.
ابتسما لبعضهما و عانقا مرة اخرى، لم يهتما اذا كان الامر غير لائق او يفسد هيبتهما كنبلاء، لكنهما أرادا فقط اخد بعض العاطفة لتحمل ما سيحدث لاحقا.
(عم أرياس) : كما قلت سابقا يجب ان تجهزا أنفسكما للمساء، فسوف نعقد اجتماعا مع دوقة الشمال هي و زوجها باعتبارها اخت الامبراطورة الراحلة و فردا من عائلة أرتميس.
(الدوقة الكبرى) التفت بأعين باردة مجددا نحو عم أرياس فقالت: لابد انه ليس اجتماعا حول الجنازة فقط او إيداع الخبر للمواطنين، انت تريد مناقشة من سيتولى منصب الامبراطور تاليا بعد يوم من رحيل هركليس و ابنتي.
(عم أرياس) : ... انه كذلك.
ارادت الدوقة ان توجه بعض كلمات العتاب نحوه لكنها راعت وجود حفيدها بجانبها.
(الدوقة الكبرى) : 'حتى لو كان يتصرف بنضج مقارنة بعمره، فهو لا يزال طفلا له عاطفة هشة'
امسكت الدوقة الكبرى بيد حفيدها و غادرت دون كلمة، و كأنها عادت لكبريائها كما الدوقة الكبرى الفخورة.
(عم أرياس) عض شفتيه : مالذي... هذا جنون!
_________________________
(الدوقة الكبرى) : اخبرني مالذي حصل؟! يجب ان تخبرني كلّ شيء! من ليلة الاغتيال الى ان اتيت الى هنا.
تحدثت الدوقة بنبرة مضطربة و قلقة و عينيها على وشك ان تدمع مجدداً.
(أرياس) : جدتي... ذاكرتي مشوشة لذلك قد اختلق بعض الاشياء المزيفة.
تظاهر ارياس بألم في الرأس لانه لم يرد اقحام جدته في الامر؛ لاسيما انه لا يعلم في من يسطيع الثقة حقا.
(الدوقة الكبرى) : صحيح لابد انك متعب جدا، تبدو شاحبا فلتنم اولا بينما امر الطباخ بتجهيز وجبة لك. لا ترهق نفسك حفيدي، لقد كنت متسرعة بالسؤال.
(أرياس) : صحيح جدتي، يجب ان نناقش موضوعا مهما غدا؛ يجب ان تحضري محاميا جيدا.
(الدوقة الكبرى) بنظرة قلقة : ماذا ؟ عن ماذا تتحدث؟
ابتسم (أرياس) ابتسامة سياسية ثم قال : عن موضوع خلافتي لمنصب الدوق الاكبر، يجب ان نجهز الاوراق القانونية لأنتقل لمنزل جدتي بشكل دائم كوريث لك.
تجمدت (الدوقة الكبرى) في مكانها مع نظرة قلقة : ها؟.... أجل دعنا
نناقشه غدا.
نهاية الفصل ^^