حرب هدفها ضم جزء من الأرض المجاورة على الحدود الغربية، بعذر أنها كانت تنتمي للإمبراطورية قبل قرون، و الحروب الدينية سبب فصلها سياسيا.
حاول الإمبراطور السابق هيركوليس و زوجته أرسين ديبلوماسيا جعل الدولة الأخرى تعيد الأرض، لكن بحجة موتهما قبل عقد المعاهدة لم يعرف أرياس رأي الدولة المقابلة في الوقت الحالي، فلم يطلعه عمه بأي تفاصيل عن موقف الدولة المجاورة؛ سواء هو أو الجيش الذي معه هناك على الحدود.
كان يفصل بين الجيشين المتحاربين كنيسة قديمة، لكنها أكبر من المعتاد بالنسبة لمبنى مهجور في الحدود. فاتخذها الجنود مخبأ و مركزا للحرب أيضا.
أضطر أرياس للجري و القتال أيضا حاملا بندقيته، لكن ما أثار استغراب الجميع أنه يتحرك بخفة و يقتل الأعداء و كأنه معتاد على ذلك. حركاته تتسارع و جسده الصغير كان امتيازا لعدم قدرة الاخرين على ملاحظته.
كان يستمر كلوديا في التحديق فيه بقلق من مركزه بين الأسلحة و المدافع، كأنه يرى شيئ يخالف طبيعة البشر؛ و بالفعل أرياس و لوسيليا كانا طفلين لكنهما ارتكبا من الجرائم و خلفا عدد قتلى و مصابين ما يناهز الألف لكل واحد منهما في مدة قصير.
(كلوديا) : هل هذا لأنهما صغيري الحجم؟ لا! لا يجب ان يكونا هكذا في الأصل.
لم يعرف كلوديا كيف يجب عليه الشعور نحوهما، هل هو تعاطف مع طفلين يستغلان من طرف القادة الأكبر؟ أو أنه خوف منهما لكونهما غير طبيعيين.
(كلوديا) و العرق البارد ينزل من جبهته : ... من الطبيعي لفتاة دربت كآلة حرب ان تقاتل هكذا، لكن لماذا الأمير؟ إنه يتحرك كجندي اعتاد على الحرب لسنوات!
الارض احترقت و المدافع لا تهدأ، و دخان ينتشر أكثر كثافة في كل دقيقة تمضي؛ أرياس كان يضرب رأس العدو بالبندقية و يقوم بطعنه دون تردد، كان عليه فقط ان يتأكد ان لا أحد يستطيع مباغتته و قتله.
و هدفه الرئيسي هو النجاة.
لكن ما جعله يقف بين الجثث متعجبا هو (لوسيليا رينيه) الفتاة التي كانت مع توماس الملقبة ب(السلاح البشري)، أو ما يلقبها بعض الجنود (كلب الرائد).
هزيلة الجسد لكنها تقاتل كرجل، لا بل كانت تضاهي ما هو أكثر؛ حتى الجنود من صفها يختبئون و ينظرون في عجب لها و لا أحد استطاع إلحاق الضرر بها غير النار.
مغطاة بالتراب و شعرها المنفوش مربوط لأسفل، بدت كزهرة تحترق وسط تلك الحرب و ركبتيها المكشوفتين تقف بثبات رغم الجروح و الإرهاق.
بعد ان قتلت كل من حولها، استدارت لتبادل أرياس نفس النظرة لكن على عكس الفتى النادم على كل جثت اسقطها، فهي لم تكن تبدي أي تعبير مما جعل من الصعب تخمين أفكارها، لا! كان تعبيرا يقول انها لا تفكر في أي شيء في الأصل سوى انتظار الأوامر.
"عودو بسرعة للمقر هذا يكفي لليوم! جلالتك عد رجاءا"
انهى توماس محادثة الأعين بينهما بنداء للعودة للمقر فقد أبيد العدو في تلك المنطقة، الجهة الشرقية من الكنيسة المهجورة.
.
.
.
قرر أرياس أخيرا فتح محادثة مع لوسيليا التي تجلس وحيدة دائما أو تكون برقة توماس، فمد يده بقطعة شكولاتة لها.
(أرياس) : تفضلي، من النادر الحصول على هذا في الحرب لكنني محظوظ انه لدي خادما بارعا في التهريب.
حدقت لوسيليا بصمت و كأنها لم تفهم، فأمسك بيدها و وضع الشكولاته فيها ليشير الى فمها و كأنه يعطيها الاذن لتشاركه أياها.
(لوسيليا) بدون تعبير : اه- آاااه؟
اتضح ان لوسيليا حقا لم تفهم ما يعنيه أرياس، فاستغرب قليلا.
(أرياس) : قولي مرحبا؟
(لوسيليا) : م- مرهبا
تلعثمت لوسيليا في كلمة بسيطة كهذه مما جعله يدرك انها لم تتلقى اي تعليم أو محادثة طبيعية مع الآخرين.
(أرياس) : ما هو اسمك؟
(لوسيليا) : أنا لوسيليا رينيه آله الرائد توماس، أعطني أمرا يا سيدي.
(أرياس) : أراهن أن هولاند من علمك هذا، أعتقد أن هذه العبارة الوحيدة التي تفهمينها بعد "هجوم إلى المعركة".
تنهد أرياس لقلة حيلته في هذا الموقف و أمسك يد لوسيليا ليأخذها معه الى خيمته.
(أرياس) : سأناديك لوسي، سوف أعلمك كيف تتحدثين و تكتبين، سأعطيك حصة من طعامي أيضا.
(لوسيليا) : سوف تعلمني؟
هز أرياس رأسه مبتسما لأنه سعد بوجود شخص في عمره ليقضي معه بعض الوقت في مكان كهذا.
(ارياس) : لطالما أحسست بالملل هنا منذ ان جئت، دعنا نمضي بعض الوقت اللطيف لننسى ما نفعله في ساحة الحرب لوسيليا.
'خاصتا أنني عانيت و أنا أحاول تناسي ما رأيته من بشر قتلى و جرحى، لازال الأشخاص الذين قتلتهم يزوروني في نومي و يحاولون سحبي لأعماق الجحيم.
ليس لدي خيار سوى النجاة، و هذه حرب بعد كل شيء أليس كذلك؟ لكن الى متى سوف أستمر في ذبح الأرواج و ترك جثتها تتعفن في الرماد؟'
سوف أحاول تعويض كل الأرواح التي قتلتها عندما أعود للعاصمة، هذا اذا نجوت حتى.
لوسيليا لا تبدو واعية بشناعة ما نفعله في الحرب، يبدو انها فاقدة للانسانية تماما... هولاند ذلك الرجل! مالذي يفعله بطفلة؟ هل يمكن أنه يخبئ المزيد من الأطفال مثلها؟
هل تجنيد الأطفال شيء متجاوز عنه حتى؟!
رفع أرياس رأسه بعد تفكير طويل ليقابل وجه لوسيليا و هي تشاركه الطعام في الخيمة.
(أرياس) بنبرة حازمة : لوسيليا! انت لست كلبا أو آلة. انت انسان انت حرة، و انت جميلة ايضا!
(لوسيليا) : نعم؟ ما الذي تعنيه جميلة. و مالذي تعنيه حرة؟
(أرياس) تنهد بخيبة : و لمَ لم تسألي عن معنى كلب أو آلة؟
لا بأس لوسي. سوف أعلمك جميع هذه الكلمات في الكتب التي سأقرائها لك، لدي الكثير.
لمعت حدقتي عينا (اوسيليا) لوهلة فقالت : أنا أريد قرائة الكتب.
(أرياس) : لماذا تحمست؟ هل سبق ان قرأتي بعضا ؟
(لوسيليا) : لا. رأيت الرائد يقرأها.
(أرياس) : هل انتابك الفضول حول ما يقرأه؟
(لوسيليا) : ما معنى الفضول؟ انا لا أفهم الكثير من الكلمات التي تقولها سيدي!
(أرياس) بنظرة منزعجة : لا تقولي سيدي قولي أخي أو أرياس!
(لوسيليا) : أرياس؟
(أرياس) : نعم!
اشتقت الى كاميليا حقا، الأن ادرك كيف كان من الممتع التواجد معها و شخصيتها الحيوية. رغم ذلك انا شاكر ان لوسي شخص لطيف، رغم انني سوف أخوض شوطا طويلا لتعليمها.
صرخ (أرياس) بصوت داخلي: 'كاميليا، أنا أحبّك أختي! هذا ما أردت قوله لك مرات عدة انت و فانوس. لن انساكم عائلتي'
___________________
مرت الثلاث سنوات بشق الأنفس و حال الحرب قد اقترب من نهايتها، اليوم هو اليوم الذي انتظره جميع الجنود.
اصدار أمر مباشر من الإمبراطور عبر برقية حول استعمال القنابل و المتفجرات لتصفية قوات العدو نهائيا.
لكنها تعد مهمة انتحارية كون الخسارة فيها يعني موت الجميع و خسارة الحرب و الغنائم.
وقف كلوديا في مركز الإجتماع و كعادة كل مرة أرياس يكتفي بالجلوس بجانب كلوديا دون المشاركة و فقط الاصغاء.
(كلوديا) : سوف نفترق لأربع مجموعات، فرقة الاستطلاع شرق الكنيسة بقيادة ألبرت نيتشه و بالمقابل جهة الغرب بقيادة ليونان أندريه، الفرقة الرئيسية للأسلحة كما العدة بقيادتي؛ إضافة لطليعة توماس سوف تتسللون للكنيسة و تطلقون القنابل عند اشارتي.
هز الجميع برأسه لكن ما لم يكن من المتوقع هو خروج أحدهم عن صمته.
(أرياس) بقلق : لكن اليس من الخطير تفجير القنابل في مكان مغلق؟ ماذا لو انفجرت إحدى القنابل هناك ؟ ألن يموت الجميع؟!
صمت الجميع في ارتباك؛ لكن توماس أجابه و كأنه يريح قلقه.
(توماس) : هذا هو الأمر يا سيدي الشاب؛ انها مهمة انتحارية و نسبة النجاة ضعيفة؛ لكننا سوف نراهن على حياتنا.
وضع (هولاند) يده على كتف أخيه : لا تنس استخدام أداتك توماس... يجب أن تنجو.
وجّه (أرياس) نظرة حادة : أعرف أن كل ما يهمك هو سلامة أخيك و نفسك، لكنك تتخلى عن أخلاقك بالاختباء خلف طفلة.
حاول توماس إقاف هولاند عن الرد، و نفس الشيء بالنسبة لكلوديا مع أرياس الذي يبدو منزعجا.
لكن ذلك لو يوقف هولاند.
(هولاند) : يبدو أن أخبار اليوم أخرجتك عن صمتك سيدي الشاب، لكن أليس نفس الشيء بالنسبة لعمك؟ ألا يختبأ جلالته بدوره خلف ظهرك.
(أرياس) : أنت...
قفز كلوديا من مقعده أخيرا بعد إستفزاز هولاند، ذلك ليمنع كلا من أرياس و توماس من ردة فعل غير صائبة.
(كلوديا) صارخا : هذا يكفي! اجتماع اليوم انتهى، و انت يا هولاند لا أسمح اك بذكر جلالته أو التحدث مع الأمير بهذه الطريقة.
نحن في حرب وليس في حفلة اجتماعية سيدي "الفيسكونت".
(هولاند) بهدوء مبتسما : أهدأ لا تتحمس كثيرا أو ستصاب بالأعصاب أيها "الماركيز السابق"
نهض الجميع لكن ظل أرياس و كلوديا بصمت يراقبان من يغادر واحدا تلو الآخر.
(أرياس) وهو ينظر بانزعاج نحو كلوديا : شخصية هذا الرجل شنيعة.
(كلوديا) يتنفس الصعداء: انت ترى... لكن بالمناسبة لماذا انزعجت في وقت سابق.
(أرياس) : لوسي! لقد بذلت جهدا معها لتفكر كشخص عادي! و الآن سوف تموت مع توماس في الكنيسة في مهمة انتحارية؟!
(كلوديا) بعد أن صمت للحظات : أميري! لا يمكننا تغير أقدار الأخرين، اعرف انكما أصبحتما صديقين مقربين خلال الثلاث سنوات لكن...
(أرياس) بنبرة يائسة : كيف تعرف أن قدرها الموت في كنيسة مهجورة بسبب حرب و بهذه الطريقة؟!
جفل كلوديا في مكانه للحظة.
"لأنها آلة حرب!" تدخل هذا الصوت فجأة فاستدار عنده الإثنان بارتباك؛ لقد كان توماس الذي دخل الخيمة بعد ان سمع اخر جملة من أرياس.
(توماس) : هذا ما يفكر فيه الجميع، فتاة انشأت لتكون ألة حرب، مصيرها الموت في الحرب.
انزعج أرياس أكثر من كلماته و انتابه الغضب، لكن توماس أكمل ليقول : عل يمكن أن تغير قدرها سيدي الشاب ؟
(أرياس) بحزم : الأقدار لا تتغير.
(توماس) : اذا؟
(أرياس) : هي لن تموت! سوف تعيش لتكون حرة.
(توماس) : ذلك لن يكون ممكنا اذا ماتت في حرب الليلة... لذلك هل يمكنك ان تعد أنك سوف تحميها و تظمن لها الحياة التي تكون حرتا فيها؟ هل يمكنك ان تعد أنك سوف تركض لانقاذها مهما كان وضعك ؟
اتسعت عينا أرياس لما قاله الرائد توماس، اتضح انه أيضا قد كان يهتم لتك الطفلة.
(أرياس) يفكر في قلق: 'النظرة في عينيه... هل يمكن أنه...؟'
(كلوديا) : أميري، ليس هناك ضرورة بتكليفك...
قبل ان يكمل كلوديا كلامه تكلم أرياس و أجابه بعزم أخيرا.
(أرياس) : أنا أعد بذلك! سوف أحميها ولو تبقى مني أخر انفاسي.
ابتسم توماس مرتاحا لكلام أرياس، بينما كلوديا على عكسه كان قلقا و مرتبكا مما سوف يكون على عاتق أرياس.
(كلوديا): بالمناسبة أميري، كيف سوف تحمي شخصا في طليعة الكنيسة بينما أنت في طليعة الأسلحة؟
جفل (أرياس) لوهلة و تراجع بظهره للوراء مستوعبا الأمر : اه! ااااه! حقا!! كيف؟!
ضحك توماس و كلوديا بعد ان كسر الجوّ الجاد بينهما بسؤال لم يكتن في الحسبان، بينما يفكر أرياس بحرج في طريقة ما لحماية صديقته.
نهاية الفصل ^^