وصل الحراس حوالي منتصف الليل.
لم يصرخوا. فقط فتحوا الباب الحديدي، حملوا ثلاثة أوعية جديدة مليئة بالطعام، وأفرغوها في الأوعية الثلاثة القديمة المثبتة في الأرض، ثم غادروا.
الآن، امتلأت الأوعية. وكان البخار الكثيف يتصاعد من الحساء. انتشرت رائحة اللحم والخضار في أرجاء القاعة، تملأ أنوف الجياع.
الجميع حدق في الطعام. ثم، نظر بعضهم إلى بعض.
براين وقف أولاً. اتسعت عيناه. فتيانه نهضوا حوله.
لم يفكروا. لم يسألوا. الجوع كان قد قتل عقولهم.
اندفعوا نحو الأوعية كالوحوش. دانيال كان الأول، يليه نورس، ثم مارد، ثم كيران. براين تبعه عن كثب، والباقون يجرون خلفهم. غرفوا الحساء بأيديهم العارية، التهموا الخبز اليابس، وابتلعوا المرق بنهم. لم يتكلم أحد. لم ينظر أحد إلى الآخر. الجميع كان مشغولاً فقط بمعدته.
أما جاسمين، فلم تتحرك.
جلست في مكانها، فتياتها الأربع بجانبها. راقبت براين وفتيانه وهم يأكلون. ثم، نظرت إلى أرثيون.
كان أرثيون جالساً منفصلاً قليلاً عن البقية. لم ينظر إلى الطعام. كان يراقب فتيان براين وهم يتزاحمون.
همس لجاسمين:
"لا تأكلي."
حدقت فيه جاسمين. "ماذا؟"
"دعيهم يأكلون."
"نحن نتضور جوعاً. قد لا يأتي الطعام غداً."
"ثق بي."
ترددت جاسمين. لكنها أومأت. همست لفتياتها: "لا أحد يأكل. انتظرن."
نظرت إليها الفتيات بتعجب، لكنهن أطعن.
استمر براين في الأكل، لا يرى سوى الطعام. أكل حتى امتلأت معدته. أكل حتى كاد يتقيأ. فتيانه فعلوا الشيء نفسه. وكذلك المنبوذون الجدد.
الجميع أكلوا.
لكن جاسمين وفتياتها لم يلمسن لقمة.
لم يمض نصف ساعة حتى بدأت الأعراض.
أول من سقط كان مارد، أحد المنبوذين الجدد. كان جالساً يمسح فمه بظهر يده، عندما تدحرجت عيناه إلى الخلف. تقيأ دماً وانهار على الأرض.
ارتطم رأسه بالحجر. لم يتحرك.
"مارد!" صاح دانيال. ركض إليه، وضع يده على وجهه، ثم صدره. لا نبض.
"لقد مات!" صرخ دانيال.
نهض براين، وجهه شاحب. "ماذا؟"
قبل أن يتمم كلمته، سقط كيران أيضاً. شهق وسقط على ركبتيه، يداه تمسكان بطنه. بدأ يتقيأ دماً.
الفتيات صرختن. حتى اللواتي مع جاسمين ارتعبن؛ حتى جاسمين نفسها فوجئت.
انتشر الذعر. حاول بعضهم التقيؤ مما أكلوا، بدس أصابعهم في حناجرهم. آخرون بكوا. أحدهم ركض نحو الحائط كأنه يحاول الهروب.
نظر براين إلى جاسمين. اتسعت عيناه بالغضب والخوف.
"أنت! هل سممت الطعام؟!"
وقفت جاسمين، وجهها متجمد.
"نحن لم نأكل. كيف يمكننا تسميم شيء لم نلمسه حتى؟"
لم يجب براين. نظر إلى فتياتها. واقفات. لا أعراض. لا شيء.
"لماذا لم تأكلي؟" سأل بصوت أجش.
أجابت جاسمين: "لأنه بينما كنا جائعين، لم نكن مريضي العقول مثلكم لتندفعوا هكذا. أردنا فقط تجنب المتاعب."
فهم براين، لكنه لم يعد قادراً على الكلام. تحركت يده إلى بطنه. ألم حاد. سقط على ركبتيه.
"أنت... أنت... سأقتل..." همس.
لكنه لم يكمل. سقط على جنبه، عيناه مفتوحتان، يتنفس بصعوبة. ثم، توقف التنفس.
ركض دانيال إليه. "براين! براين!"
لا رد.
كان ميتاً.
في أقل من ساعة، مات أربعة: مارد، كيران، نورس، وبراين. اثنان آخران كانا في غيبوبة أو يتقيآن دماً. حتى نورس، قبل أن يفارق الحياة ببقليل، بقي ممسكاً بطنه، محدقاً في أرثيون بنظرة خيانة وغدر.
نظر إليه أرثيون وأعطاه ابتسامة لطيفة لكنها شريرة.
فكر أرثيون في نفسه: القاتل يموت قاتلاً، وكل إنسان يموت على النحو الذي أتقنه.
من فتيان براين، بقي دانيال فقط. جلس على الأرض، يبكي بصمت. وجهه كان مغطى بالدماء والقيء. لم يعد يشكل تهديداً لأحد. لم يعد يقاتل. لم يبق معه أحد.
نظرت جاسمين إلى أرثيون.
"ماذا فعلت؟"
قال أرثيون بهدوء:
"لا شيء. فقط وضعت شيئاً بسيطاً في الأوعية قبل أن يأتي الطعام."
لم تجادله، لكن جلدها تقشعر من مجرد التفكير.
عندما حل الصباح، فُتح الباب الحديدي.
دخل ثلاثة حراس. من بينهم كانت سينثيا.
صعدت إلى المنصة. وقفت هناك، تنظر إلى الجثث الجديدة، والمرضى، والخائفين.
دانيال كان قد مات أيضاً، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما.
نظرت إليه سينثيا للحظة. ثم قالت:
"اليوم الثالث اكتمل. الذين بقوا على قيد الحياة... سينتقلون إلى المرحلة التالية."
نظرت إلى جاسمين، ثم إلى أرثيون، ثم إلى البقية.
"أنتم. اتبعوني."
التفت ونزلت من المنصة.
وقفت جاسمين، وساعدت فتياتها على النهوض. ومشين خلف سينثيا.
كان أرثيون آخر من غادر.
قبل أن يرحل، وقف عند الباب. نظر إلى القاعة للمرة الأخيرة.
جثث متناثرة. كثير منها جديدة. بعضها لا يزال دافئاً.
دماء الذين ماتوا في وقت سابق كانت قد جفت. بعض الأوعية كانت لا تزال ممتلئة بالحساء المسموم.
لم يشعر أرثيون بأي شيء.
لا ندم. لا فرح. لا ارتياح.
أغلق الباب خلفه.
انتهى العنبر.
المرحلة التالية كانت تنتظره.
لم يكن يعرف ما هي.
لكنه عرف شيئاً واحداً: كان لا يزال حياً.
وكان ذلك كافياً له. في الوقت الحالي.