خرجت من الغرفة خلف الحارس.
كان الممر طويلاً، ضيقاً، المشاعل فيه متباعدة. كل خطوة كانت تخلق صدى خافتاً على الجدران الحجرية، وكأن هناك شخصاً آخر يمشي خلفي. التفتُّ مراراً، لكن لم يكن هناك أحد.
الظلال كانت ترقص كأشباح على الحجارة الرطبة، ورائحة العفن كانت تملأ الهواء، ممزوجة بدخان المشاعل البطيء.
توقف الحارس أمام باب خشبي أسود. لم يكن مقوّىً، لم يكن كبيراً. كان باباً عادياً، مقبضه من حديد، وعليه خدوش عميقة كأن أحداً حاول كسره.
"هنا. غرفتك" – قال الحارس بصوت مبحوح، كأنه لم يستخدمه منذ أيام.
دفعت الباب. انفتح بصوت صرير خفيف ودخلت.
الغرفة كانت صغيرة. جدرانها من حجر رمادي خشن، غير مصقول، كأنها حُفرت باليد. في الزاوية البعيدة، كان هناك سرير حديدي، ضيق، طويل. مرتبته رقيقة بالية.
النوابض الحديدية كانت صدئة، وكلما تحركت تئن بصوت خفيف مزعج.
على الحائط المقابل، مشعل زيتي صغير مربوط بحلقة حديدية. كان يشتعل بلهب خافت، أصفر متذبذب، يكاد لا يضيء الغرفة كلها. ظلاله كانت ترسم دوائر على الجدران، كأنها تحاول الهروب من مكانها.
بجانب السرير، كانت هناك طاولة صغيرة من خشب أسود بالٍ. عليها إبريق فخاري من جهة، وكوب حجري صغير، نظيف نسبياً بشكل غريب مقارنة ببقية الأثاث.
وفي الزاوية المقابلة للسرير، كان هناك باب صغير آخر، مفتوح جزئياً.
دفعته.
كان حماماً. صغيراً جداً، ضيقاً، لا يتسع إلا لشخص واحد واقف. أرضيته من حجر خشن. على الحائط، أنبوب نحاسي صدئ يقطر منه ماء بارد باستمرار. تك. تك. تك. بجانب الأنبوب، رف حجري صغير، عليه قطعة صابون بالية شبه مذابة، وقطعة قماش خشنة وجافة.
لا مرآة. لا خزانة. لا شيء. قلت ساخراً:
عدت إلى الغرفة الرئيسية. جلست على حافة السرير. المرتبة كانت صلبة، كأنها مليئة بالحصى، لكنها كانت أفضل من أرضية العنبر.
حجرة غسيل وحمام؟
هذا فخم.
بالنسبة إلى مكان مميت، إنه منتجع.
رفعت عيني. مشعل الزيت كان لا يزال يشتعل ببطء، يلتهم الهواء البارد.
سمعت طرقاً على الباب.
الحارس. هو نفسه، أو ربما آخر. كلهم متشابهون هنا.
"عشرون دقيقة" – قال. "استحم. البس ملابسك الجديدة. بعدها ستأتي معي."
أغلق الباب قبل أن أرد.
عشرون دقيقة. أول عشرين دقيقة أمتلك فيها خصوصية منذ أيام. منذ عنبر الغربان. منذ الموكب. منذ القتل الجماعي والأحلام المبللة بالدماء.
نهضت. ودخلت الحمام.
خلعت قميصي القديم. كان ملتصقاً بجلدي من العرق الجاف والدماء المتخثرة. تخلصت منه، وقع على الأرض بصوت خفيف.
فتحت الأنبوب النحاسي. الماء نزل بارداً، مثلجاً، كأنه جاء من بئر عميق. وقفت تحته.
ارتجف كتفيّ. الماء كان يؤلم. لكن الألم كان جيداً. الألم كان حقيقياً. حسناً، أنا على قيد الحياة على الأقل.
غسلت جسدي بسرعة. ليس لأني أريد، بل لأن الوقت قصير. فركت ذراعي، صدري، ساقيّ. فركت رقبتي بقوة حتى احمر الجلد. الأوساخ كانت سميكة، عنيدة، كأنها تختبئ تحت الجلد.
الماء البارد غسل العرق الجاف. غسل الدماء المتخثرة. غسل الرماد المتوهم من أحلامي – هل كان هناك رماد حقاً؟ أم أنا أتخيل؟
ثم وقفت، متجمّداً، والماء لا يزال يتدفق على كتفيّ.
تذكرت.
اللعنة.
نظام الحالة.
نسيت أمره.
أغمضت عيني. وتنفست بعمق.
ثم فتحتهما.
اللوحة ظهرت.
كما في الغيبوبة. كما في الحلم. كانت هناك، أمام عيني مباشرة. نصف شفافة، مكتوبة بخط أسود رفيع، كأنها محفورة في الهواء.
الاسم: أرثيون.
الانعكاس: الغراب الأسود.
المستوى: الطيف.
اللعنة: لا يستطيع نسيان أي ميت يراه.
الران: 0.
الندوب: 1/5.
القدرات: مقفلة.
وقفت أقرأ. قطرة ماء نزلت من جبهتي إلى عيني، فأغمضتهما للحظة. عندما فتحتهما، اللوحة كانت لا تزال هناك.
إذاً، ليست هلوسة.
ليست حلماً.
إنها حقيقية.
تأملت السطر الثالث.
المستوى: الطيف.
الطيف. أدنى مستوى. بداية الطريق من القاع.
انتقلت إلى السطر الرابع.
اللعنة: لا يستطيع نسيان أي ميت يراه.
تألمت كتفيّ من الماء البارد، لكني لم أتحرك.
تذكرت. وجوهاً كثيرة. الصبي الميت، الفتاة المقتولة، براين، نورس، مارد، كيران، أمي، أختي...
لن أنساهم.
هذه هي لعنتي.
ثم ركزت على الندوب. كما في الغيبوبة، عندما ضغطت عليها بعيني، انبثق شرح صغير.
"الندوب: علامات الترقية. كل ندبة تمثل جزءاً من المستوى التالي. الوصول إلى 5/5 يسمح بالمحاولة للوصول إلى مستوى أعلى. تزداد باكتساب الران، اجتياز اختبارات خاصة يطلبها النظام، أو قتل أعداء معينين."
واحد من خمسة. أحتاج أربعة أخرى.
حاولت الضغط على "القدرات". لا رد. حاولت على "الران". لا رد. النظام كان صامتاً، بارداً، كالحجر.
أغلقت الماء.
خرجت من الحمام مرتجفاً. الماء كان لا يزال يقطر من جسدي. جلست على حافة السرير، أنظر إلى يديّ. كانتا شاحبتين، تصلبتان من البرد.
على المقعد الحجري بجانب السرير، كانت هناك ملابس جديدة مكدسة. قميص أسود طويل الأكمام، سروال أسود مماثل، حذاء جلدي بسيط – نعل واحد، لا جوارب.
لبستهم ببطء. القماش كان خشناً، ثقيلاً، لكنه كان نظيفاً. الحذاء كان جديداً – الكعب قاسٍ، والجلد يئن مع كل حركة.
جلست على السرير مجدداً. استندت بظهري إلى الجدار الحجري البارد. الندبة لامست الحجر. ألم حاد، سريع.
اللوحة كانت لا تزال هناك. لم تختفِ. بقيت أمام عيني، كتذكير بأنني لست كما كنت. كتذكير بأنني الآن جزء من هذا النظام.
أغمضت عيني. واختفت اللوحة.
طرق على الباب.
"انتهت العشرون دقيقة. تعال."
فتح الحارس الباب. كان هو نفسه، أو ربما آخر – لا يهم.
نهضت. واتبعت الحارس.
---
انتهى الممر فجأة.
لم ألحظ أنني كنت أمشي. قدماي تحركتا وحدها، وعقلي كان لا يزال عالقاً في اللوحة التي رأيتها، في الكلمات التي لا تختفي: طيف. ران: صفر. ندوب: 1/5.
الحارس أمامي توقف. لم يقل شيئاً. فقط أشار بذقنه نحو باب حديدي ضخم أمامنا. لم يكن مثل باب غرفتي. كان أطول، أعرض، ومصنوعاً من صفائح حديدية سميكة، مثبتة بمسامير ضخمة صدئة. المقبض لم يكن موجوداً، فقط حلقة حديدية ثقيلة تتدلى من وسطه.
دفعها الحارس إلى الأسفل. سمعت صوت صرير من الداخل، ثم انفتح الباب بخشونة.
دخلت.
كانت غرفة كبيرة. لا، قاعة. أضخم مما توقعت. سقفها مرتفع، خشبي، مع عوارض سوداء متقاطعة. الجدران من حجر رمادي، عليها رسوم بالية لا يمكن تمييزها في هذا الضوء الخافت. المشاعل كانت هنا أكثر مما في الممرات. عشرات المشاعل معلقة على الجدران والأعمدة، وفي وسط القاعة، ثريا حديدية ضخمة تتدلى من السقف، تحمل عشرات الشموع الصفراء المتذبذبة. النور كان كافياً لرؤية الزوايا كلها.
وفي وسط هذه القاعة، كان هناك صف من الناس.
أطفال. في عمر الخامسة عشرة تقريباً. أو السادسة عشرة. أو الرابعة عشرة. كلهم كانوا يبدون متعبين، نحيلين، مع ندوب تحت أعينهم وجروح قديمة على أيديهم المكشوفة. كانوا يرتدون نفس الملابس السوداء التي أرتديها. نفس القماش الخشن، نفس التصميم البسيط.
وقفوا في خط مستقيم. لا يتحدثون. لا يتحركون. فقط ينظرون إلى الأمام.
عددتهم. سبعة عشر. لا، ثمانية عشر. لا.
اثنان وعشرون.
ثلاثة وعشرون.
بمن فيهم أنا؟ أربعة وعشرون.
وقفت في نهاية الصف. لا أحد نظر إلي. كان الجميع منشغلين بما ينتظرهم.
أمام الصف، على بعد خطوات قليلة، كان هناك خمسة كراسي حجرية. كبيرة. مرتفعة. عليها جلوس خمسة أشخاص.
لم يكونوا حراساً. لم يكونوا عاديين.
الأول: رجل طويل، نحيل كالعظم، يرتدي ثوباً أبيض طويلاً، مغطى ببقع داكنة – ليست أوساخاً. كانت بقع دماء قديمة. وجهه شاحب، عيناه غائرتان، ويداه ترتجفان باستمرار، كأنه يعاني من برد لا يشعر به أحد غيره. على صدره، كانت هناك ندبة على شكل يد. كف مفتوح بخمسة أصابع طويلة.
الثاني: امرأة قصيرة، ممتلئة الجسم، بشعر أحمر كثيف مربوط بذيل حصان. كانت ترتدي درعاً جلدياً بنياً، وسيفاً قصيراً مربوطاً على ظهرها. وجهها كان محروقاً من جهة اليسار، ندبة كبيرة تمتد من جبهتها إلى ذقنها، لكنها لم تخفها. على ذراعها اليمنى، ندبة على شكل سيف صغير.
الثالث: رجل ضخم، أصلع، رأسه كالصخرة. كان يرتدي درعاً حديدياً ثقيلاً، كتفيته عريضتان، وذراعاه كجذوع الأشجار. على صدره، ندبة على شكل درع دائري. لم يبتسم. لم يتكلم. فقط جلس يحدق في الصف بعينين رماديتين باردتين.
الرابع: شابة نحيلة، طويلة، شعرها أسود طويل يصل إلى خصرها. كانت ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، لا درع. في يدها عصا خشبية طويلة، منحوتة برسوم غريبة – نجوم، أقمار، حيوانات لا أعرفها. عيناها كانتا سوداويتين، أم زرقاوين؟ أو رماديتين؟ في هذا الضوء، كل شيء يبدو باهتاً. على جبهتها، ندبة على شكل عين.
الخامس: رجل متوسط الطول، يرتدي ملابس سوداء فضفاضة. لم يكن يحمل سلاحاً، ولا درعاً. وجهه عادي، عيناه زرقاوين. زرقة باردة، زرقة جليد، زرقة لا تبالي. عرفته من وصف الآخرين. مدرب قسم الاغتيال. كان جالساً في أقصى اليمين، يداه متقاطعتان على صدره، ينظر إلى الصف دون اهتمام.
وقف أمامنا حارس آخر. لم يكن معي في الممر. كان أصغر سناً. وجهه ندبة واحدة على خده الأيسر.
بدأ يتكلم بصوت عالٍ، رنان، كأنه يخاطب جيشاً لا أطفالاً خائفين:
"أنتم هنا لأنكم نجوتم من مرحلة العنبر. لأنكم زرعتم البذرة. والآن لديكم ندوب."
"أما الآن، فسيتم توزيعكم."
"أمامكم خمسة أساتذة. كل واحد يمثل طريقاً مختلفاً."
وقف بجانب الكرسي الأول، أشار إلى الرجل النحيل ذي الثوب الأبيض.
"هذا هو المعالج. براير. من يختاره سيصبح طبيباً في ساحة المعركة. سيتعلم كيف ينقذ ويوقف النزيف، كيف يضمّد الجروح، كيف يعيد الوعي لمن فقدوه. لن يكون قاتلاً. لكنه سيكون سبب بقاء القتلة على قيد الحياة."
انتقل إلى الكرسي الثاني. المرأة ذات الشعر الأحمر.
"هذه هي المحاربة. أثينا. من يختارها سيتعلم القتال المباشر. السيف، الرمح، الخنجر. سيكون في الصف الأمامي. سيرى أعداءه قبل أن يراهم أصدقاؤه."
انتقل إلى الكرسي الثالث. الرجل الضخم الأصلع.
"هذا هو المدافع. جوردون. من يختاره سيحمل الدرع. سيتعلم كيف يأخذ الضربات بدلاً من غيره. كيف يحمي الجرحى وبقية المجموعة، كيف يصمد عندما ينهار الآخرون."
انتقل إلى الكرسي الرابع. الشابة ذات الشعر الطويل والعصا.
"هذه هي الساحرة. كارلا. من يختارها سيتعلم فنون الران البعيدة. لن يمسك سيفاً، بل سيتعلم كيف يشل حركة الخصم، كيف يخلق وهماً، كيف يلقي التعاويذ."
انتقل إلى الكرسي الخامس.
"وهذا هو المغتال. راين. من يختاره سيتعلم القتل في الظل. الخنق من الخلف، الطعن بين الضلوع، الاختفاء قبل أن يراه أحد. لن يقاتل في الصف الأمامي. سيكون وراء العدو، حيث لا يتوقعه أحد."
سكت الحارس.
"سيتم الآن توزيعكم حسب رأي الأساتذة هؤلاء."
"سينادونكم واحداً واحداً. ستقفون أمامهم. سيطرحون عليكم أسئلة. وعندها، سيقررون."
صمت.
"أولاً: دين."
فتى نحيل من وسط الصف ارتجف. ثم مشى إلى الأمام. وقف أمام الكراسي الخمسة.
دين. قتل واحداً في العنبر، وكان بالصدفة. سقط عليه حجر.
المعالج تحدث أولاً. صوته كان هادئاً، كأنه يهمس، لكنه وصل إلى كل الزوايا.
"دين. عندما ترى الجثة الأولى – أبيك؟ صديقك؟ طفل مثلك؟ – بماذا ستشعر؟"
دين تردد. ثم قال بصوت مرتجف: "خوف. خوف أن أكون أنا التالي."
"هل أردت مساعدته؟ هل حاولت إسعافه؟"
"كان ميتاً. لا شيء كان سينفعه."
"إذاً، أنت عملي. لا تضيع الوقت في المستحيل."
التفت المعالج إلى بقية الأساتذة. أشار بيده.
"هذا لا يصلح لي."
المحاربة تحدثت ثانياً. صوتها كان خشناً، كأنها تصرخ بأمر.
"دين. هل تضرب أولاً؟ أم تنتظر حتى تُضرب؟"
"أنتظر."
"لماذا؟"
"لأني أخاف أن أخطئ. فإذا ضربت وأخطأت، فسأموت. أما إذا انتظرت، فلدي فرصة."
"الخوف لا يصنع محارباً. الخوف يصنع جثة."
التفتت إلى الآخرين.
"لا يصلح."
المدافع: "دين. هل تحمي نفسك؟ أم تحمي غيرك؟"
"نفسي."
"لماذا؟"
"لأني لا أثق بأن أحداً سيحميني إذا سقطت."
"المدافع الحقيقي يثق بأن من خلفه سيقاتل لأجله. أنت لا تثق. لا تصلح."
الساحرة: "دين، ما هو انعكاسك؟"
دين أغمض عينيه. ثم فتحهما.
"لهب العنقاء."
"مثير للاهتمام."
الساحرة أومأت. التفتت إلى الآخرين.
"سآخذه."
راين. لم يتحرك. لم يتكلم. فقط نظر إلى دين للحظة.
ثم قال:
"أنت خائف. وهذا لا يعيبك. لكن الخوف يمنعك من رؤية الفرصة. في قسمي، لا وقت للخوف. لا تصلح."
تقدم دين وذهب إلى خلف مقعد الساحرة.
"التالي: لينا."
الفتاة القصيرة ذات العينين البنيتين الجريئتين مشت إلى الأمام.
المعالج: "لينا. عندما قتلت اثنين في العنبر، هل شعرت بالندم؟"
"لا."
"لا أبداً؟"
"كانوا سيقتلونني لو لم أقتلهم."
"إذاً، أنت باردة. هذا جيد. لكني أحتاج إلى من يشعر بالألم. الألم يذكرنا بأننا بشر. لا أحتاجك."
المحاربة: "لينا. في مواجهة، هل ستضربين أولاً؟"
"أضرب. دائماً."
"هل تخافين من الندم؟"
"الندم لا يقتل. التردد يقتل."
"جيدة. لك مكان عندي. أحب الذين لا يترددون."
المدافع: "لينا. هل تحمين غيرك؟"
"إذا كان سيحميني لاحقاً."
"أنت براغماتية. المدافع لا يحسب الحسابات. يحمي لأنه يؤمن. أنت لا تؤمنين بأحد. لا تصلحين."
الساحرة: "ما هو انعكاسك؟"
أجابت لينا: "الدم."
"دم."
"جيد. لك مكان عندي، إذا أردت."
راين. نظر إليها.
مرفوضة بدون أي سؤال حتى!
لينا لم تتردد. مشت ووقفت خلف كرسي المحاربة. لم تبتسم. لم تنظر إلى أحد. فقط وقفت.
"التالي: أرثيون."
مشيت إلى الأمام.
لم أكن أعرف كيف سيكون شعوري. توقعت الخوف. توقعت الرهبة. لكن لم يكن هناك شيء. فقط فراغ. فراغ بارد في صدري.
وقفت أمام الكراسي الخمسة. الكراسي الحجرية المرتفعة. عليها خمسة أشخاص ينظرون إلي. بعضهم بفضول، بعضهم بملل، وبعضهم بلا شيء.
المعالج تحدث أولاً. صوته هادئ، رتيب، كأنه يقرأ من كتاب:
"أرثيون. عندما رأيت الموتى والمصابين – في العنبر، هل حاولت مساعدتهم؟"
"لا."
"لماذا؟"
"لأنهم كانوا ميتين عاجلاً أم آجلاً. والموتى لا يحتاجون مساعدة."
رفع حاجبيه. "هذا قاسٍ."
"هذا واقعي."
"الواقعية مفيدة للمعالج. لكن التعاطف ضروري أيضاً. هل تملك تعاطفاً؟"
"ربما. لكني أضعه جانباً عندما لا يكون مفيداً."
المعالج أومأ. كتب شيئاً على لوح صغير أمامه. ثم قال:
"أنت لست معالجاً. لكنك لست وحشاً أيضاً. هذا نادر."
لم أرد. انتظرت. "لكنك لا تصلح لي."
مرفوض.
المحاربة تحدثت. صوتها خشن، عالٍ:
"أرثيون. قتلت أحداً في العنبر؟"
"لا."
"لا؟ كيف نجوت؟"
"اختبأت. راقبت. وتحركت فقط عندما كان الجميع مشغولين بقتل بعضهم."
"الاختباء ليس قتالاً. المحارب يواجه أعداءه."
"المحارب الميت لا يواجه أحداً."
صمتت لثانية. ثم ضحكت ضحكة قصيرة باردة.
"أنت ذكي. هذا يزعجني. المحارب الذكي نادر. لكن ايضا المحارب الذكي لا يعيش طويلاً لأنه يفكر كثيراً. لكني أحب الذكاء."
أشارت بيدها. وقالت: "مرفوض."
المدافع تحدث. صوته عميق، بطيء، كأنه يصدر من صندوق صدري:
"أرثيون. هل تحمي غيرك؟"
"إذا كان ذلك يبقيني حياً."
"فقط؟"
"فقط. البقاء هو الهدف. كل شيء آخر وسيلة."
"المدافع الحقيقي يحمي لأنه يؤمن بشيء أكبر منه. أنت تؤمن فقط بنفسك. هذا لا يصلح لي."
هز رأسه. نظر إلى راين. راين لم يتحرك.
الساحرة تحدثت. صوتها ناعم، شفاف، كأنه يخرج من حلم:
"مرفوض قالتها بشكل مباشر"
راين. لم يتكلم في البداية. نظر إلي فقط. عيناه الزرقاوان كانتا باردتين، حادتين، تخترقانني.
ثم قال:
"أنت لم تقتل أحداً."
"لا."
"ولم تحمِ أحداً."
"لا."
"ولم تساعد أحداً."
"لا."
"فقط بقيت حياً."
"فقط."
"هذا ليس إنجازاً. هذا غريزة. حتى الحشرة تفعل ذلك."
"أنا لست حشرة." – قلت بصوت مرتجف قليلاً.
"لا. أنت شيء آخر."
نهض من كرسيه. مشى حولي ببطء. شعرت بعينيه تفحصاني من كل جهة.
"أنت تراقب. تنتظر. لا تتحرك إلا عندما تكون متأكداً. هذا هو أسلوب مناسب للاغتيال. ليس القتال. ليس المواجهة. الاغتيال هو الانتظار حتى اللحظة المناسبة."
توقف خلفي.
"لكن السؤال هو: هل تستطيع القتل عندما تأتي اللحظة؟"
التفت إليه. نظرت في عينيه الزرقاوين الباردتين.
"لا أعرف. لكني أريد أن أعرف."
"لماذا؟"
"لأنه السبيل الوحيد للبقاء على ما أظن."
صمت. نظر إلي. ثم عاد إلى كرسيه وجلس.
"البقية. ماذا تقولون؟"
المعالج: "لا يصلح لي."
المحاربة: "لا يصلح لي."
المدافع: "لا يصلح لي."
الساحرة: "لا يصلح لي."
صمت.
ثم قال راين:
"إذاً، هو لي."
لم أحتج إلى تصويت. لم أحتج إلى موافقة.
وقفت في مكاني. لم أتحرك نحو كرسي أحد. كان قراري قد اتخذ.
راين. قسم الاغتيال.
مشيت ووقفت خلف كرسيه.
لم يقل لي شيئاً. لم يباركني. فقط أشار إلى الحارس.
"التالي."
عدت إلى الصف. ليس إلى مكاني القديم، بل إلى مكان جديد. مكاني بين من اختاروا طريقاً مختلفاً. بين من سيصبحون أدوات.
ولم أكن أعرف ما ينتظرني. لكني كنت أعرف شيئاً واحداً: الطريق الوحيد للبقاء هو أن تصبح شيئاً لا يمكن قتله بسهولة.