لم يكن الهواء قويا فقط — بل كان ممزِّقًا.

في "أرض الحِداد"، لا يُنعش الرئتين؛ بل يمزّق الحلق.

مشى أرثيون بخطوات متعثّرة، ورأسه منحنٍ تحت وطأة السلسلة الحديدية المشدودة حول عنقه. لم تكن أداة أسر عادية، بل كأنها حبلٌ سرّي يمتد من جثة مملكةٍ ساقطة.

في كل مرة كان يرفع قدمه المتشققة من الرماد الرمادي، كان يسمع صرير الحديد الصدئ وهو يحتك بالأغلال... صوتٌ كخدش سكينٍ على حجرٍ أصم.

كانت الأرض تحته غريبة. لم تكن تربة قريته "رماد المنسيين". هذه الأرض — رمادٌ ممزوج بغبار العظام. حين غرس أصابعه فيها، اندفعت قشعريرة حتى ركبتيه. بردٌ ليس برد الشتاء، بل برد أرضٍ توقّف نبضها منذ زمن.

رفع أرثيون عينيه ببطء، كأن جفنيه مثقلان بالرصاص.

فوقه، كانت السماء لوحةً راكدة.

لا غيوم عابرة... لا طيور مغرّدة... فقط تلك الكتلة الشاحبة المنتفخة: القمر الثابت.

كان جاثمًا في كبد السماء كعين جثةٍ عملاقة. لا يرمش. لا يتحرّك. يُطلق ضوءًا ميتًا بلا دفء. ضوءًا لا يحمي أحدًا، بل يكشف الجراح.

"تحرّك... يا قذر!"

صوتٌ أجش، تلاه صفير سوطٍ في الهواء.

هذه المرة، لم يصب السوط أرثيون. بل أصاب رجلًا عجوزًا يسير أمامه مباشرة. رأى أرثيون السوط يهبط كأفعى سوداء على ظهر الرجل العاري، ممزّقًا جلده الرقيق.

سقط العجوز. لم يسقط صارخًا، بل ارتطم بثقل على الرمال الرمادية. لم يحاول النهوض. ولم يحاول أي أسير أن يلتفت إليه.

قانون المسيرة كان واضحًا: من يسقط يصبح ملكًا للأرض.

توقّف أرثيون للحظة. شعر بدافعٍ مفاجئ ليمدّ يده، ليفعل أي شيء. لكن السلسلة حول عنقه شُدّت بعنف من الخلف، فاختنق وأطلق شهقة مكتومة.

نظر إلى الحارس الذي يقودهم. رجل ضخم يرتدي درعًا جلديًا متسخًا، ووجهه مخفي خلف الندوب.

"لا تنظر إليه. انظر إلى قدميك... إن كنت تريد أن تبقيا ملتصقتين بجسدك."

أعاد أرثيون نظره إلى الأرض.

لكنه لم يرَ انعكاسه فيها.

بل رأى قريته في ذهنه. رأى الدخان يتصاعد من سقفهم. رأى والده يمسك محراثًا خشبيًا في وجه سيوفٍ فولاذية. ورأى أمه... تحتضن أخته الصغيرة في الزاوية...

قبل أن يقتحم الجنود الباب... ويحوّلوا صراخهم إلى صمتٍ أبدي.

كانت رائحة الحريق لا تزال عالقة في أنفه. مزيج من خشب البلوط المحترق، وشعرٍ بشري، ولحمٍ نضج قبل أوانه.

حطّ غرابٌ أسود على كتف العجوز الساقط. وبدأ ينقر ظهره الدموي بلا مبالاة، وعيناه الجاحظتان تراقبان المسيرة وهي تبتعد كأنه يراقب جثث متحركه.

هبّت نسمة باردة فجأة، صفعت وجه أرثيون، فجعلت مفاصله ترتجف.

كان في الثالثة عشرة من عمره. لكن في تلك اللحظات، وهو يجرّ أغلال العبودية نحو المجهول، شعر وكأنه يحمل شيخوخة العالم كلها على كتفيه لان اللحظات هنا كانت تمر عليه مثل السنين.

"أنا لست ميتًا..." همس لنفسه، كلماتٌ ضاعت وسط الأنفاس المتقطعة وصليل السلاسل.

"لست ميتًا بعد."

استمرت المسيرة تزحف ببطء، تاركة خلفها أثرًا طويلًا من الدم على الرماد الرمادي، تحت سماءٍ مصلوبة لا تعرف الرحمة.

مرّت الساعات وكأنها سنوات.

في أرض الحداد، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بعدد المرات التي تتمنى فيها أن يتوقف قلبك.

اجل للحظة من اللحظات تمنى ارثيون الموت.

أصبحت المسافة بين خطوة وأخرى معركة صامتة بالنسبة لأرثيون. لم يعد يشعر بأصابع قدميه. تسلّل البرد المنبعث من الأرض الرمادية عبر شقوق جلده حتى وصل إلى العظم، محوّلًا ساقيه إلى أعمدة من رخامٍ متشقق.

لم تكن هناك أشجار — فقط بقايا جذوع ملتوية محترقة. وفي عتمة الغسق، بدت كأطراف شياطين تحفر طريقها للخروج من بطن الأرض.

توقّفت المسيرة فجأة عند حافة جرفٍ صخري يطل على هاويةٍ شاسعة، يتصاعد منها بخار خانق برائحة الكبريت.

كان هذا هو "وادي العويل". الممر الوحيد المؤدي إلى "قلاع النظام او بشكل او بأخر قلاع الاشخاص الذين قتلوا عائلته".

"استريحوا... ايها الحقراء!" صرخ الحارس.

انهار الجميع في أماكنهم كأنهم موتى.

جلس أرثيون ببطء، لكن القيد حول معصمه شُدّ بعنف لأن الفتى المقيّد به — الأصغر منه بقليل — قد أغمي عليه من الإرهاق.

نظر أرثيون إلى الفتى. كان وجهه كشمعة تذوب. عيناه غائرتان. يتنفس بصعوبة، وصدره يُصدر خشخشة تنذر بالنهاية.

اقترب أحد الحراس، يحمل قِربة ماء جلدية. لم يكن ينوي أن يسقيهم. بل كان يستمتع برؤية العطش في أعينهم. فتح القِربة وسكب الماء على الأرض الرمادية أمام أعين الأطفال الجائعين.

امتصّت الأرض العطشى القطرات خلال ثوانٍ. لم يبقَ سوى بقعة طين داكنة.

"الماء للأحياء فقط... وأنتم لستم سوى حيوانات؟ لا اقل شائنا حتى"، قال الحارس بابتسامة شاحبة. ثم ركل الفتى المغمى عليه في جنبه.

لم يصدر الفتى أي صوت. حتى الأنين لم يخرج منه. كانت تلك العلامة الأخيرة.

أخرج الحارس خنجرًا قصيرًا، وببرودٍ مرعب، قطع يد الطفل الرقيقه التي كانت تربط الفتى بالسلسلة.

لم يفك القيد بمفتاح. بل قطع اللحم لتوفير الوقت!!!!

تناثر الدم حتى وصل ولطخ يد وملابس ارثيون

رفع أرثيون يده، الملطخة بدم الفتى، تحت ضوء القمر الثابت.

ارتجفت يده. ليس من البرد — بل من الرجفة التي اجتاحت جسده حين أدرك أن هذا الدم لا يزال دافئًا.

اراد ان يعطي ردة فعل اراد ان يفعل شيئا لكنه بقي جامدا في مكانه خائفا يرتجف

شعر بالدم دافئًا كدم أخته الصغيرة حين حملها بين ذراعيه تلك الليلة.

لم يستطع الحركة. لم يستطع البكاء. اكتفى بالنظر إلى يده الحمراء بعينين جافتين، وقلبه ينبض بسرعة حيوانٍ مذعور.

سمع صوت السلسلة الفارغة تُسحب خلفه على الرماد. الفتى الذي كان مربوطًا به قبل لحظات — والذي لم يعرف اسمه — تحوّل إلى ذكرى قبل أن يصبح جثة.

أراد أن يصرخ. أراد أن يغضب. لكن بدلًا من ذلك... شعر بشيءٍ يسقط من داخله.

ليس الغضب. ليس الحزن. بل شيء آخر.

كأن طفولته سقطت في تلك الهاوية مع الجثة.

"تحرّك."

جاء صوت الحارس كالسوط. لم يتحرك أرثيون في البداية. كان جسده مشلولًا.

ثم جاء السوط هذه المرة على ظهره.

الضربة الأولى — صرخة مكتومة. الثانية — دم. الثالثة — لم يعد يشعر بشيء.

نهض. لكنه لم يرفع رأسه. عينيه مثبتتان على الأرض، على بقعة الدم العالقة في نعله.

خطا. خطوة. وأخرى.

دون تفكير. دون خطة. فقط... قدم تتبع الأخرى.

فوقه، ظل القمر الثابت يضيء طريقهم ....

2026/05/05 · 6 مشاهدة · 918 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026