لم ينم أرثيون في تلك الليلة.

​كان الصبي الجالس في الزاوية المقابلة لا يزال يهمس لنفسه بكلمات غير مفهومة. ومن حين لآخر، كان يطلق ضحكة جافة متقطعة، يتبعها صمت طويل، ثم يعود إلى تمتماته. كان مصباح الزيت يخبو ببطء، والظلال على الجدران تتراقص رقصة مريضة.

​لم يعرف أرثيون اسمه، ولم يسأل؛ ففي هذا المكان، لم تكن للأسماء أهمية على ما يبدو.

​حاول ألا ينظر إليه، وحاول التركيز على شيء آخر: على الجرح الذي في ظهره والذي بدأ ينبض بألم جديد، على جوعه الذي استحال غثياناً، وعلى دماء الصبي الميت التي لا تزال عالقة تحت أظافره.

​لكن عينيه كانت تنجذبان رغماً عنه نحو الجدار الخلفي للزنزانة.

​لم يرَ شيئاً هناك، لكنه سمع.

​في البداية، كان الصوت خافتاً جداً — كما لو أن شخصاً خلف الحجر يحك جلده الجاف بأظافر طويلة. ثم توقف، ثم عاد، لكنه كان أقرب، كما لو أنه لم يعد خلف الجدار، بل داخل الغرفة نفسها.

​فتح أرثيون فمه ليسأل الصبي إن كان يسمع ذلك أيضاً.

​لكن الصبي سكت فجأة.

​نظر أرثيون إليه؛ كان الصبي يجلس في وضعيته المعتادة: ركبتاه مضمومتان إلى صدره، وذراعاه تلتفان حول ساقيه. لكن عينيه كانتا مفتوحتين على وسعهما، شاخصتين إلى نقطة واحدة في سقف الزنزانة.

​لم يتحرك، ولم يرمش.

​كان يحدق فحسب.

​نادى أرثيون عليه رافعاً صوته قليلاً: "هوي".

​لا رد.

​زحف خطوة واحدة نحوه، ثم لمس كتفه.

​كان بارداً. ليس برداً كمن ينام في ليلة شتاء، بل بارداً كحجر سُحب من بئر بعد مئة عام. والأهم من ذلك: كان صلباً. لم يشعر أرثيون بعضلات لينة تحت الثوب، بل بشيء جامد كخشب متفحم.

​سحب يده بسرعة.

​التفت الصبي ببطء، ليس كالتفاتة إنسان، بل كجذع شجرة تلويه ريح عاتية.

​لم يعد وجهه وجه صبي.

​كان رمادياً، شاحباً كالرماد الذي سار عليه في "وادي العويل". جفت عيناه وتحولتا إلى فجوتين عميقتين. كان فمه مفتوحاً، ومن داخله يخرج بخار أبيض بارد — رغم أن الهواء لم يكن بتلك البرودة.

​همس الصبي بصوت ليس صوته:

​"إنه... قادم".

​ثم سقط على الأرض كالحجر.

​لم يتحرك بعد ذلك، ولم يتنفس.

​صرخ أرثيون.

​راح يطرق بقبضتيه على باب الزنزانة الحديدي ويصيح بأعلى صوته:

​"أيها الحراس! أي أحد! هذا الفتى يموت هنا!!"

​لا جواب.

​وضع أذنه على الجدار البارد؛ سمع وقع أقدام بعيدة، وضحكات خافتة في مكان ما، لكن لم يقترب أحد.

​التفت إلى الجثة. منذ لحظات، كان صبياً يضحك. والآن، لاحظ شيئاً لم يره من قبل: على رقبة الصبي، خمس ثقوب صغيرة مستديرة — متباعدة بانتظام، كما لو أن خمس أصابع حديدية انغرست فيها ثم سحبت شيئاً ما.

​ولم تكن هناك قطرة دم واحدة.

​لقد جف الجسد من الداخل.

​جلس أرثيون في الزاوية البعيدة، أبعد ما يمكن عن الجثة. لم يغمض عينيه، لكنه لم يستطع منع نفسه من النظر إلى الجدار.

​وسمع صوت الحك مجدداً.

​هذه المرة، كان خلف الحجر مباشرة. ثم توقف.

​ثم سمع همساً يأتي من الجانب الآخر من الجدار، قريباً جداً:

​"ليس وق. ت..ك... ليس وق..تك بعد...سأعود."

​خيم الصمت.

​فجأة، فُتح باب الزنزانة.

​دخل ثلاثة حراس بوجوه شاحبة. نظروا إلى الجثة دون كلام، ثم نظروا إلى أرثيون. همس أحدهم للآخر: "لقد أخذ (الآكل) واحداً الليلة".

​هز الآخر كتفيه: "يحدث هذا. أخرجه من هنا قبل أن يعود".

​أخرجوا الجثة بسرعة وجرّوا أرثيون من ذراعه إلى خارج الزنزانة.

​لم يقاوم؛ كان جسده يرتجف، لكنه لم يعد يشعر بقدميه.

​وجد أرثيون نفسه مرة أخرى أمام العجوز، في نفس غرفة الفرز.

​كان الضوء باهتاً، ووجهها المغطى بثوب أبيض لم يظهر منه سوى عينين رماديتين غائرتين بلا رموش. رفعت عصاها — تلك التي في رأسها حجر أسود صغير — ووضعتها على صدره. صمتت للحظة، ثم أعطت ظهرها للحراس.

​قالت بصوت جاف وأجش: "خذوه إلى ثكنات الغراب".

​اقترب منها حارس وهمس بشيء في أذنها. لم يسمع أرثيون كل شيء، لكنه التقط كلمات متفرقة:

​"... الصبي الأكبر... (الآكل) لم يلمس هذا. لقد تركه".

​توقفت العجوز.

​التفتت إليه بسرعة، وحدقت في عينيه لثوانٍ طويلة. ثم تحدثت بصوت أعلى قليلاً، كما لو كانت تخاطب نفسها أكثر من الحراس:

​"ألا تسمعون؟ لقد رفضه (الآكل)".

​توقفت للحظة.

​"هذا لم يحدث منذ... منذ زمن طويل. المرة الأخيرة..." صمتت، ونظرت إلى الحجر الأسود في طرف عصاها، ثم عادت لتنظر إلى أرثيون. "لا يهم. ضعوه في ثكنات الغراب. لكن راقبوه. هذا الصبي ليس مثل بقية القذارة".

​أشارت بيدها، فأخذه الحراس واقتادوه إلى الخارج.

​لم يفهم أرثيون شيئاً مما حدث.

​لكنه تذكر كلمة واحدة.

​ الاكِل

​اقتادوه من غرفة الفرز إلى ممر طويل ومظلم. في نهاية الممر كان هناك باب حديدي ضخم لم يره من قبل. فتح الحارس الباب ودفع أرثيون إلى الداخل.

​كان الظلام دامساً.

​لم يرَ شيئاً، لكنه سمع أبواقاً بعيدة، وصرخات خافتة، ثم صوت طفل يبكي في مكان ما لم يتبينه.

​سأل بصوت مرتجف: "أين نحن؟"

​لم يجبه الحارس. انغلق الباب خلفه.

​وبقي أرثيون في العتمة....

2026/05/06 · 8 مشاهدة · 746 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026