لا أحد يعرف كيف انقسم العالم.
تقول بعض الأساطير إن الآلهة القديمة تحاربت، وكانت ضرباتها من العنف بحيث فلقت الأرض إلى نصفين. وفي ذلك اليوم، تجمّد الدم الإلهي في السماء وتحول إلى "قمر ثابت"، لا يزال عالقاً في النصف المظلم من العالم — "أرض الحداد".
وتزعم همسات أخرى أن نيزكاً ضخماً ضرب الأرض بقوة هائلة لدرجة أنه غيّر مدار الكواكب، مما تسبب في توقف أحد القمرين عن الحركة للأبد، ليظل محاصراً فوق تلك الأرض الملعونة.
أما الحقيقة؟ فلا أحد يعرفها. كلها مجرد حكايات، والموتى لا يتكلمون.
لكن النتيجة واحدة: العالم الآن منقسم إلى جزأين.
في الجزء الآخر، "الأرض المضيئة"، تبدو السماء طبيعية. هناك قمر واحد، لكنه مختلف. — قمر حي يشرق ويغرب، يصنع الليل والنهار، تتبعه الشمس في رحلتها الأبدية. يعيش الناس هناك تحت ضوء حقيقي؛ لديهم بيوت من حجر وخشب، وأسواق، وأطفال يلعبون في الشوارع بلا خوف.
أما القمر الآخر، فهو ذلك "القمر الثابت" — لكنهم لا يرونه هناك. لأن القمر الثابت محاصر فوق النصف المظلم من العالم، لا يبرح مكانه أبداً. أهل الأرض المضيئة لا ينظرون إليه، لكنهم يشعرون بوجوده.
كيف؟ لأنه عندما يمر قمرهم المتحرك في مساره، فإنه يمر من خلف القمر الثابت المختبئ وراء الأفق المظلم. وعندها، يحدث "الخسوف العظيم". في تلك الليالي، يتلاشى الضوء تماماً، ويصبح الليل أحلك من أي ليل عادي في الارض المظلمة. حتى في الأرض المضيئة، يشعر الناس ببرودة غريبة تزحف من تحت الأرض، ويسمعون همسات تأتي من الشرق . في تلك الليالي، يغلقون أبوابهم ولا يخرجون.
أما "أرض الحداد" نفسها، فهي قصة أخرى.
هنا، القمر الثابت هو السيد الوحيد. لا شمس، ولا نهار. فقط ذلك القرص الشاحب والمنتفخ العالق في كبد السماء، لا يتحرك ولا يرمش، يضيء الأرض بنور بارد وميت ليشبه بريق الجثث. سكان هذه الأرض لا يعرفون معنى "الليل" أو "النهار" كما يعرفه الآخرون. هنا، يُقاس الوقت بالألم، وعدد المرات التي تتمنى فيها أن يتوقف قلبك.
أولئك الذين يعيشون هنا — أو بالأحرى، أولئك الذين بقوا هنا — لم يختاروا هذا المكان. البعض وُلد فيه، لكن معظمهم جِيء بهم مكبلين بالأغلال.
لأن أرض الحداد لا يحكمها القانون، بل تحكمها القوة. من يملك السلاح يملك الأرواح، ومن يبني حصناً يمتلك الأرض من حوله، ومن لديه جيش يمكنه أخذ ما يشاء من القرى الصغيرة الضعيفة.
وهذه القرى الصغيرة — مثل قرية "أرثيون" المسماة "رماد المنسيين" — كانت تعيش في فقر مدقع، لكنها كانت تعيش بسلام. حتى تلك الليلة التي تغير فيها كل شيء.
كل حصن عبارة عن قلعة سوداء، جدرانها مبنية من حجر لامع يشبه الفحم، وتنتهي أبراجها بقمم حادة تخترق السماء. من بعيد، تبدو الحصون كأنياب أفعى عملاقة تنتظر فريستها.
تخدم هذه الحصون غرضاً واحداً: خدمة السيد الذي يمتلكها.
أولئك الذين يدخلونها نادراً ما يخرجون. أما المواد الخام التي يحتاجها الحصن، فيتم جلبها من الخارج — من القرى المنسية التي لا يملك سكانها سوى اي شيء.
في ليلة الهجوم على قريته، رأى "أرثيون" الجيش لأول مرة.
لم يكونوا شياطين، ولم يكونوا وحوشاً. كانوا رجالاً يحملون سيوفاً ودروعاً، وتحت خوذاتهم، كانت وجوههم بشرية تماماً. لكن عيونهم كانت باردة كالثلج، وكأنهم ينظرون إلى منزل عائلته ولا يرون فيه سوى مجرد حصاد.
أحرقوا البيوت.
قتلوا من قاوم.
واقتادوا الأطفال.
لم يسألوا عن الأسماء، ولم يكترثوا للقصص. ببساطة، كبلوا معاصم الأطفال، ونهبوا القرى، وساقوهم عبر "وادي العويل" نحو أقرب حصن.